منحت الدولة التونسية بداية سبعينات القرن العشرين رخصة في التنقيب عن النفط في منطقة رجيم معتوق الواقعة في عمق الصحراء التونسية الغربية على بعد 120 من واحة قبلي. كان يُعتقد حينها أن قرب المنطقة من الصحراء الجزائرية حيث اكتشفت مخزونات نفطية هامة يصلح أن يكون بشيرا باستكشاف نفطي يكتب لكل تونس انتقالا سريعا وسهلا لمصاف الدول النفطية الثرية. في نهاية  سنة 1972، جمع المستثمر الأجنبي أدوات حفره بعدما ضمّن في تقريره النهائي النتيجة السلبية للحفر وأضاف إليها ملاحظة أنه وعلى عمق 350 مترا يوجد بالمنطقة طبقة مائية هامة.

أغرى الماء إطارات الدولة التونسية الفتية. وطرح فوق مكاتبهم مخططات لحلم "طموح" بصنع واحة كبرى يكون ما في باطن الأرض من ماء شريان حياتها ويكون أول ثمرها بناء قرى في عمق المناطق القاحلة تنهي ظاهرة الترحال وتصنع المعمار فتحفظ الوطن. اشترك في الحلم من كان أمن الحدود هاجسهم ومن كان التصحر عدوهم ومن فكروا أن التعليم والصحة والرقي الحضاري يفرض توطين الرحل. في إثر ذلك، أخذ الحلم شكل مشروع ضخم لم يكن لتونس قدرة على تمويله بما فرض البحث عن تمويلات خارجية بعضها دين وآخر مساعدة. وكان أن احتاجت رحلة تخطيط الحلم وتمويله عقدا من الزمن كلف الجيش الوطني في نهايتها بالتنفيذ. بحلول سنة 1984، كان الفيلق الصحراوي بالجيش الوطني التونسي قد حصن مواقعه وأتم رسم خرائطه وشرع في حفر أساسات الواحة الجديدة، أرفاش معاول وبعض كاسحات أرض كانت سلاحه.

لم يكن الهدف من إسناد المشروع للجيش تمييزه بملكية اقتصادية واعدة ولكن كان وبكل بساطة الغرض منه الاستفادة من قدرة عناصره وقياداته على العمل في الظروف الصعبة أولا والاستفادة من مجانية عمل الجنود[1] وحسن تخطيط عملهم ثانيا. في ذات سنة 1984 وبعيدا عن الصحراء وفي وسط المدن، كانت ذات السلطة التي تعمر في الصحراء تصارع شارعا يرفض خضوعها لاملاءات صندوق النقد الدولي التي فرضت عليه غلاء معيشة مس مواد معاشه الأساسية ونخبا طلابية وسياسية تطالب بالديمقراطية. وكان ذات الجيش الذي يبني ليسكن الشعب عصا السلطة الغليظة في مواجهة الحراك الاجتماعي والسياسي.

كان المشهد متناقضا لحدّ كبير. فضباط الجيش الذين قمعوا انتفاضة جانفي 1984 التي اندلعت شرارتها الأولى بدوز من ولاية قبلي باستعمال الرصاص الحي كانوا هم ذاتهم في عمق صحراء ذات الولاية مجردين من كل سلاح حربي يدرّسون أطفالا ما كان أتيح لهم أن يدرسوا لولاهم، ويزرعون أرضا كانت قبلهم بورا. وكان أن زاد عمق تناقض الصورة بالإعلان عن تحول حضيرة البناء رجيم معتوق لوجهة تجنيد قسري للطلاب المشاغبين.

قيّم النظام السياسي سلبيا دور الطلبة في صناعة الاحتقان الشعبي ضده. وقدّر أن الناشطين من هؤلاء انفلتوا لأنه كان ينقصهم الانضباط الوطني الواجب. واعتبر أصحاب القرار أن الجندية وحدها ستكون قادرة على إنجاز المطلوب وأن قسوة رجيم معتوق ستربّي وتصلح من اعتبر الديمقراطية استحقاقا[2]. وهنا تكفلت القوى الأمنية بضبط وإحضار الطلبة لإدارة التجنيد العسكري في الوقت الذي كانت فيه هذه الإدارة قد أتمت رسم طريق شاحنات المجندين الجدد الطويل. وهنا وبنهاية سنة 1986، كان برجيم معتوق أربعمائة طالب من المجندين قسريا يقسمون أنفسهم بين مختلف العائلات السياسية التونسية المعارضة ويجمعهم رئيس ثكنتهم وضباطه وضابط الصف  في سلة واحدة هي سلة من أخطؤوا في حق الوطن ويستحقون معاملة صارمة ليثوبوا إلى رشدهم.

وهنا وكما هو عهده، مارس الجيش برجيم معتوق "واجب التأديب" بالصرامة المطلوبة[3]. وتبعا لذلك، سميت الفرقة العسكرية التي كلفت بالدور المذكور "بفرقة التأديب"[4]. وقد عمدت السلطة إلى تجديد ثقتها فيها في سنة 1990 من خلال إرسال دفعة جديدة من المجندين قوامها 493 طالبا. وعليه، انتهت السلطة إلى تدعيم مشروعها النموذجي ببناء "سجن" يخصص لاستقبال المساجين السياسيين يكون موقعه في المنطقة العسكرية وإن لم يكن عسكريا.

وهنا كان أن فرض الاستبداد أن يكون مشروع رجيم معتوق الذي يصنفه الجيش التونسي كإحدى مفاخره، وعنوانا من عناوين انخراطه في البناء والإعمار صفحة من صفحات انحراف ذات المؤسسة عن دورها. كما فرض أن تكون ذات الدولة الوطنية التي راهنت على البناء والإنسان في رجيم معتوق وغيره من أرضها أداة قمع لشعبها تستهدف نخبه وتنكّل بها. لاحقا وبعد الثورة  وتحديدا في سنة 2012، بادرت الجهات المسؤولية في المنطقة العسكرية رجيم معتوق لإغلاق المعتقل. وكان أن خلّصت تلك الخطوة واحة رجيم معتوق من بناء غريب عنها وتركت لجيشها فرصة للاحتفال بنصر عسكري ندر أن يحققه جيش غيره. استغرق الانجاز ثلاثين سنة من التخطيط العمراني والفلاحي عبدت خلالها الطرق وحفرت الآبار وجهزت وبنيت القرى وعمرت.

تُعدّ اليوم رجيم معتوق إحدى معتمديات ولاية قبلي ويبلغ تعداد سكانها الموزعين على قراها الستة[5] قرابة 4600. وتمتد واحاتها على مساحة 2500 هكتار وقد دخلت جميعها طور الإنتاج وفي عقد واحد[6] كان عائد تمورها ذات الجودة العالية 140 مليون دينار وهو مبلغ يتجاوز ما صرف في الاستصلاح من موارد قدرت ب 95 مليون دينار. وما يبدو أهم من نجاحها الاقتصادي هذا نجاحها في أن حولت قرابة 1300 من عائلي سكانها من رحّل إلى أصحاب واحات نخيل.

كانت رجيم معتوق وما زالت فكرة تنموية عولت على الجهد والعرق في البناء واهتمت بالإنسان في الإنجاز، كانت الدولة الوطنية من أبدعها ومن أنجزها. وكانت رجيم معتوق وما زالت في صفحات تاريخ الحركة الوطنية التونسية عنوانا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كانت ذات الدولة بذات مسؤوليها المذنب فيها.

تعكس حكايتها في تناقض صورها أزمة كينونة دولة الاستقلال كما إشكالية توصيف رموزها. فمن يبدو "وطنيا" يضحّي من أجل الآخر تجده في لحظات من التاريخ يعود ليضحّي بالآخر من أجل مشروعه. ومن يبني، يعود ويشارك في الهدم. ومن ينتصر للحداثة والتطور يمارس الفوضى. وتصلح هذه الحكاية تاليا أن تكون منطلقا لتفكير في قراءة جديدة لتاريخ الجمهورية الأولى يعترف بالخطأ وينتصر لضحاياه من دون التقليل من أهمية المنجزات وضرورة مواصلة البناء عليها بذات حماسة من بادروا لها، لكن بعيدا عن أخطائهم.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 13 | ديسمبر 2018، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

العمران في تونس: أسئلة منسية في زمن البناء الفوضوي

 


[1]   كان يسند للجندي عن يوم العمل الذي يمتد من الثامنة صباحا إلى السادسة مساء مع راحة غذاء قصيرة 150 مليم تونسي وهو مبلغ يكفي بالنسبة للمدخنين من الجنود لشراء علبة سجائر من سجائر الجيش المدعومة.

[2] يراجع مقال تجنيد الطلبة في تونس: من واجب وطني إلى عقوبة سالبة للحرية . في ذكرى حركة فيفري 1990 بالجامعة التونسية

 لطفي الحيدوري، موقع ميم، 27-02-2018  والذي ورد فيه في شرح خلفيات استعمال السلطة السياسية للتجنيد القسري: "فالسلطات التونسية اعتبرت أنّ الطلبة بامتناعهم عن مزاولة الدروس، دخلوا اختياريا في حالة بطالة وهم بالغون للسن القانونية لأداء الخدمة الوطنية، فانتفى تمتعهم بتأجيلها وتم تطبيق القانون فورا. وهو حلّ بديل عن المحاكمات الجماعية التي تجلب التعاطف وقوى الضغط الإعلامي والحقوقي "

[3]  عن  التعذيب الذي كان يسلط على المعتقلين أدلى "الهادي شيشيب" على هامش ندوة نظمتها جمعية قدماء الاتحاد العام التونسي للطلبة   بتاريخ 20-02-2016  بشهادة ورد فيها "لقد تم تجنيدي مرتين .... وهي فعلا مفارقة مضحكة، وتعبر عن استهتار الدكتاتورية، وقد كانت المرّة الأولى في سنة 1987 في “رجيم معتوق”، وكنّا نحو 60 أو 70 طالبا، تم إلقاء القبض علينا من الجامعات أثناء المظاهرات ومن البيوت...أتذكر يومها أنهم اعتقلوني من بيتي، وأخذوني إلى التحقيق في قابس، ثم إلى مقرّ الداخلية، ثم إلى منطقة المطروحة بقبلي للتدريب، ومنها إلى رجيم معتوق لمدة تسعة أشهر، رأينا فيها معاناة كبيرة، وقساوة في التعامل والمعاملة، كان عبارة عن معتقل منعنا فيه من العطل، ومنع أهلنا من زيارتنا، وتم تكليفنا بأشغال شاقة في مناخ المنطقة القاسي....أتذكر أيضا أنه في رمضان تم تكليفنا بأعمال يستحيل القيام بها ونحن صائمون. .ومن وسائل التعذيب، أذكر أنّه كان الواحد منّا يردم بأكمله في التراب، ولا يبقى إلا رأسه الذي يغطونه بقطعة برميل حديدي، ليقوم بعدها بعض الجنود بالضرب والتطبيل عليه. كما أذكر أنهم كانوا يقولون لنا إنكم أمانة الداخليّة عندنا، وسيقع الإفراج عنا متى سمحت هي بذلك، ....أما في أحداث 1990، فقد تم تجنيدي بجزيرة “زمبرة” بعد أن تم القبض عليّ وأنا خارج من جامعة الزيتونة، أخذوني إلى القرجاني ثم إلى بوشوشة، وأصرّوا على تجنيدي رغم أني أكدت لهم أني جنّدت سابقا وأعطيتهم إثباتا بالوثائق، لكن لم يهتموا لذلك، .... – نشرت بجريدة الفجر بتاريخ 27-02-2016.  

[4]   التسمية المؤسساتية  العسكرية "وحدة التنمية برجيم معتوق” التابع  إداريا لفوج “إحياء الصحراء برمادة”

[5]  رجيم معتوق –النصر – الفردوس –الأمل –السلام – المطروحة .

[6]  من موسم 2007 إلى موسم 2017