لو خُيّر أهالي قضاء الكورة تحديد سنة يتوقف عندها الزمن لاختاروا أواخر عشرينات القرن الماضي. يومها، لم تكن الكورة الخضراء قد تحولت كما اليوم إلى مرتع للغبار والغازات السامة ويُشيّع أهلها قتيلاً بالسرطان والأمراض الصدرية أو القلب مرة إلى مرتين أسبوعياً. هذا التحول الذي هو شاهد آخر على فشل الإنسان في حماية عناصر الطبيعة ومقومات الحياة، يكتسي كل أبعاده عند مقارنة وضع الكورة اليوم بما كان عليه الكورة أمس، الكورة في الذاكرة.

 

الكورة في الذاكرة

في ذاكرة الكورانيين، صورة جميلة عن قضائهم سرعان ما يعرضونها لمن ينصت لهم. يفخر هؤلاء، بكورتهم الخضراء بفعل نحو مليوني شجرة زيتون تبقى خضراء وارفة على مدار العام ولكن أيضا بشهاداتهم الجامعية التي تعتبر نسبها من الأعلى في لبنان. وهم يقرون فورا برابط الأمرين فالزيتون هو الذي علم أبناء المنطقة، إضافة طبعاً إلى دور الإرساليات الأجنبية التي استوطن العديد منها فيها. الكوراني بذكرك بسرعة بـأن شارل مالك الذي مثل لبنان في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو إبن إحدى بلداتها بشمزين، وأن عدد الجامعات الخاصة هو سبع جامعات خاصة (اليسوعية، بلمند، الاميركية اللبنانية، والكسليك والدولية اللبنانية، وثلاث جامعات خاصة أخرى)، إضافة إلى فروع الجامعة اللبنانية فيها. ويكاد عدد المدارس الرسمية والخاصة يفوق عدد البلدات والقرى فيها بوجود 20 مدرسة خاصة و26 مدرسة رسمية.

في ذاكرة الكورانيين، كورتهم هي أيضاً "بلاد ما بين النهرين"، كما يسمونها تحبباً. يحدها جنوبا نهر الجوز الذي يعبر من قلعة المسيلحة باتجاه البحر، ليفصل ساحلها الطبيعي عن البترون، فيما يقفل نهر الهاب عابراً البحصاص حدودها مع طرابلس. وما بين النهرين تجري أنهار أخرى. تبدو الكورة وكأنها تمنح كليتها للطبيعة، حيث يفصل نهر العصفور بين الهري وشكا والجرادة بين شكا وأنفة، فيما تعوم بلداتها وقراها وخصوصا على الساحل على مياه جوفية تعتبر من أبرز خزانات الثروة المائية في لبنان. وعلى جانبي هذه الأنهر الأربعة التي لا يتمتع بها قضاء آخر في لبنان، تعلو الهضاب التي كانت ما تزال خضراء، أقله حتى منتصف القرن العشرين. هضاب تملؤها كروم الزيتون والعنب والتين والرمان والتوت والسنديان، وتشرف على هضاب وتلال مشرفة على البحر المترامي عند ساحلها القريب.

كانت شكا آنذاك "غابة يخشاها الناس" وفق ما يقول مختارها الأسبق رزق رزق ل "المفكرة". كان الأهالي يعتاشون من هذه "الغابة" الغنية بالتين واللوز والعنب والرمان والتوت، وأنواع الخضار كافة، إضافة إلى امتهان بعضهم الصيد البحري. ما زالت أصوات الباعة تعلو حتى اليوم في شكا والبترون وبلدات الكورة منادية "شكّاوي يا تين"، نسبة إلى شكا، حيث كان تينها فريداً بنوعيته.

ولا ننسى أنفة وهي من أقدم المدن الفينيقية، وكانت العاصمة الشتوية أيام العثمانيين والفرنسيين للكورة، تبدو اليوم كإحدى المدن البحرية السياحية اليونانية الهاربة من كتيب سياحي جميل، تزينها بنواعيرها وملاحاتها الحجرية ومنازلها القديمة وحجارتها التي يعود بعضها للألف الثاني قبل الميلاد.

والكورة التي نعنيها ليست الكورة التي رسمت اليوم إداريا لأسباب غالبها طائفي إنما الكورة التاريخية، المحددة طبيعيا. هي تبدأ عندما تقطع جبل رأس الشقعة الذي تفصله طريق بيروت طرابلس عن وادي نهر الجوز وقلعة المسيلحة. وإن جئت الكورة من الطريق البحرية أو من نفق شكا القديم، يستقبلك شاطئ من أجمل الشواطئ على المتوسط. توصيف لا يقبل أهالي الكورة وشكا بأقل منه. هناك يحتمي الخليج بجبل رأس الشقعة الذي يمتد بصخوره داخل البحر مشكلاً كاسراً للموج ومساهماً في امتداد خليج بطول يصل إلى 20 كيلومتر. شاطئ رملي تتخلله بعض النتوءات الصخرية التي تزيد من جمال طبيعته من دون أن تنال من انسيابه وصولاً إلى رأس اليابسة عند رأس الناطور( نسبة إلى دير الناطور الخاص براهبات المنطقة) وهو الحد بين أنفة والقلمون فراسمسقا ثم البحصاص.

بعدئذ، تدخلت السياسة فلوت ذراع الطبيعة وسلخت بوابة ساحل الكورة، وتحديدا رأس الشقعة وحامات التي تعلوه، ومعهما حامات التي تتربع على قرن راس الشقعة والهري التي تستقبل القادمين عبر النفق القديم ثم شكا وضمتهم إلى قضاء البترون. كما قضمت القلمون والبحصاص أيضاً لصالح طرابلس، فيما تركت راسمسقا التي تتوسطهما مع الكورة، وكل ذلك لأسباب انتخابية طائفية. لكن الأخطر من بترها إداريا هو ما حمله التطور الصناعي إليها لينزع عنها لباسها الأخضر ويلبسها لباسا رماديا بلون الصناعة والتلوث.

 

الكورة مرتعا للصناعات الثقيلة

هذا الإندهاش بالشاطئ والسهل المترامي على ساحله بدأ وما برح يتآكل منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، أي منذ بدأت الصناعات الكبرى تستقر فيها.

الإسفين الأول في مأساة شكا والكورة دقّ في العام 1929، حين بادرت البطريركية المارونية، بالشراكة مع مجموعة من المستثمرين الأجانب، إلى تأسيس شركة الترابة اللبنانية (المعروفة اليوم ب هولسيم) في منطقة الهري، قرب شكا، وتحديداً على الساحل الطبيعي للكورة. ثم جاءت الضربة الثانية مع تأسيس معمل الإترنيت في العام 1950، والذي ثبت مع مرور الزمن مسؤوليته عن إصابة معظم عماله وسكان المحيط بمرض السرطان. ولم يتم إقفاله نهاية التسعينات، إلا بعدما أُوقفت صناعة الإترنيت في العالم بنحو عشرين عاماً.

في العام 1953 انضمت شركة الترابة الوطنية (السبع) إلى شقيقتها هولسيم، وصارت شكا الجديدة، مدينة الإسمنت بامتياز، إسمنت يتم طبخه بآلافران عبد استخدام وقود البتروكوك الأسوأ عالميا. وصناعة الإسمنت لم تقتصر على المعامل وما تبثه من غبار وغازات، إنما ترافقت مع استحواذ الشركتين لمرفأين خاصين اخترقتا البحر بترخيصين رسميين مفتوحين على التصدير والإستيراد، بينما يقع مرفأ طرابلس على قاب قوسين وأدنى منهما. كما ترافقت –وهذا الأمر لا يقل خطورة- مع مقالع عملت على سلب تربة الكور؛ وتفجير هضابها وقضمها، وصولا إلى مصادر ينابيعها ومياهها الجوفية، كل ذلك في تعارض تام وجلي مع القوانين التي تمنع صراحة إقامة أي مقلع أو كسارة في المنطقة.

وإلى جانب هذه المعامل الخطيرة جدا، نشأت سبحة معامل الكلس والجفصين ومعمل السكر وزفاتات وجبالات الإسمنت ومحطات الوقود ومزارع ومسالخ الدواجن ومعامل الحديد... وغيرها، لتتحول المنطقة وبتصنيف رسمي في منتصف التسعينات إلى منطقة صناعية بامتياز. وبات العابرون يدركون أنهم في شكا من منشآتها الصناعية وليس من بحرها وسهلها الخصب.

كان هدف البطريركية المعلن آنذاك: تثبيت الناس في أرضهم، وخلق فرص عمل تمكنهم من العيش بكرامة. هدف انقلب مع مرور الزمن إلى نتائج عكسية: باتت الصناعة في شكا اليوم، وبعد نحو قرن على إنشاء شركتها الأولى، السبب الرئيسي ليس في تهجير بعض أبناء الكورة فقط، بل التسبب بإصابتهم بالأمراض القاتلة، من أمراض الجهاز التنفسي، مرورا بالقلب، وانتهاء بالسرطان الذي يعشش في معظم بيوتها. لا بل لوثت بحرهم وأفقرت ثروتها السمكية وأكلت جبالهم وهضابهم وصدّعت بيوتهم ودمرت قطاعهم الزراعي، والقيمة الإقتصادية لعقاراتهم التي تعتبر من الأجمل في لبنان لإطلالتها المميزة على البحر مع طقس ريفي اصطيافي. وهكذا، وعلى مدى عقود، وعلى مرأى ومسمع من جميع سلطات الدولة، شهدنا شركات الترابة تستشرس في قضم عناصر الطبيعة في الكورة كافة، من ماء وهواء وتربة، مع ما يستتبع ذلك من تهديد لحياة الناس والنبات والحيوان فيها.

وما جرّد المدافعين عن هذه الصناعات من حججهم (تأمين فرص عمل) هو الاتجاه المتزايد لدى شركتي الترابة اليوم، في صرف المئات من عمالها واللجوء إلى تلزيم ما تحتاجه من خدمات إلى متعهدين يعمدون إلى تشغيل مياومين. وهكذا تتهرب من توظيف أهل المنطقة (عدا عن القليل منهم) وإدخالهم إلى الضمان وتحمل كلفة تعويض نهاية الخدمة وبدل النقل والمنح المدرسية وغيرها. وهذا ما أوضحه لنا أحد العمال السوريين العاملين في إحدى شركتي الترابة: "هناك آكثر من مائتي عامل سوري في الشركات والكثير من البنغلادشيين أيضاً" في إشارة إلى سعي الشركات لتوفير كلفة الإنتاج على حساب إفادة أبناء المنطقة من الوظائف التي توجدها هكذا قطاعات. وعليه تترك التلوث للناس وتحرمهم من مردود العمل.

وبرغم كل هذا، لم تنتصر البطريركية المارونية، كما الدولة اللبنانية بسياسييها وأحزابها وإدارتها، للكورة وأهلها، لا بل هي ما برحت تتدخل عند الحاجة لكف أي ملاحقة إن حصلت بحق الشركات. التدخلات يوثقها بعض أهل الكورة على صفحات التواصل الإجتماعي وعلانية،  نقلاً عن نواب من المنطقة. من هنا، تحيط شركات الترابة في ساحل البترون والكورة نفسها بشبكة علاقات سياسية وإقتصادية وزبائنية وتنفيعية تبدو كيفية تمويلها واضحة وضوح الشمس. إذ يباع طن الإسمنت في لبنان ب 105 إلى 110 دولارات فيما يباع في الخارج بخمسين دولاراً فقط. ويتحدث عالمون بأمور الشركة أنه يُحمل على البواخر "دكمة" أي من دون تعبئة بأكياس بسعر 27 دولاراً للطن. هذا الفارق في الأسعار، يعتبر ناشطو شكا والكورة المعارضون للشركات أنه يموّل تلك العلاقات المتشابكة مع الأطراف السياسية والحزبية كافة.

وبرغم حجم الكارثة، يستكمل النافذون والسياسيون وبكركي الشريكة وبتواطؤ تام مع الشركات مساعيهم لابتلاع الكورة وشكا بعدما تمت المصادقة على تصنيف الساحل من الهري وكفريا إلى شكا فأنفة منطقة صناعية. نحو أربعة ملايين متر مربع من الأجمل على الساحل اللبناني، صارت بشحطة قلم مناطق صناعية من دون تأمين البنى التحتية الصناعية اللازمة لإقامة مناطق مماثلة. التصنيف نفسه لم يأخذ مصلحة المنطقة ومنها أنفة بعين الإعتبار. وبموازاة كل ذلك، رخصت الدولة حديثا ثلاثة مرافئ جديدة في الهري تعود لمنتجعات فلوريدا بيتش وللصيادين ولجواد عدرا (آب 2018).

هذه هي كورة اليوم. كورة تتذكر ماضيها بوجع ويقف أبناؤها مشدوهين إزاء هذا التنين الفالت الذي ما زال ينهش فيها مستبيحا كل شيء في مشهد آخر عن انهيار كامل لمؤسسات الدولة. علّ رسم هذا المشهد ببشاعته، والذي يهدف إليه هذا العدد، يشكل جرسا قويا لاستنهاض القوى الحية وتحفيزها دفاعا عن الكورة، وسعيا لاستعادة جمالها وسحرها.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟