من ينظر في أحوال الكورة الطبيعية وبخاصة في ما بات يسمّى بلدات الطوق (طوق شركتي الإسمنت) في السياق اللبناني، لا يحتاج إلى كثير من العناء ليدرك أنها باتت نموذجا كاريكاتوريا عن السياسات أو بالأحرى الخيارات العامة المعتمدة في هذا البلد على أكثر من صعيد. وتبرز خصائص هذا النموذج من خلال زوايا ثلاث:

 

- الأولى، أن التفكير بالتنمية يبقى مجتزأ يتم بعين واحدة. فبدل أن تفرض خصائص الكورة البيئية شكل النشاطات الاقتصادية التي تتناسب معها، اتجهت الأمور على العكس من ذلك تماما في اتجاه تطويع الكورة (بلدات الطوق) وإعادة رسمها وتصنيفها على نحو يتناسب مع نشاطات فرضت ذاتها في فترة تاريخية معينة وما فتئت تتوسع من دون رادع. وعليه، وصلنا إلى تنظيم عبثي قوامه تصنيف أجزاء من هذه البلدات "منطقة صناعية". كثر من الناشطين الذين استمعنا إليهم عبروا عن روعهم إزاء هذا الأمر: هل يعقل أن يصنف ساحل الكورة (ضمنا الهري وشكا وأنفة) بما فيه من جماليات وإرث ثقافي وزراعات ضمن المناطق الصناعية؟ هل يعقل أن يحصل هذا التصنيف من دون أن تؤخذ بعين الاعتبار النشاطات الأخرى الطاعنة في القدم والتي تشكل أحد وجوه لبنان الأكثر تعبيرا، كبساتين الزيتون وملاحات أنفه والتين الشكّاوي والصيد البحري؟ الأهم، هل يعقل أن توجّه دواخين الصناعة بما فيها من غبار وغازات إلى صدور الناس في مناطق ذات كثافة سكنية، تماما كما فعلت الدولة حين وضعت عامل استثمار عاليا في المناطق المحيطة بمعمل الذوق لتوليد الكهرباء، من دون أي اهتمام بما قد يتسبب به هذا الفعل من إيذاء للناس المدعويين إلى مساكنته؟

من هذه الوجهة، طغا الطابع الكاريكاتوري على خيارات الدولة بحيث ظهرت وكأنها لا تجد حرجا في تعريض العديد من القطاعات الإنتاجية الراسخة في القدم أو حتى تعريض صحة الناس وحياتهم للخطر بحجة التنمية. وما فاقم من انحياز خيارات الدولة في هذا المجال، هو إقدام شركتي الإسمنت على توسيع نشاطاتهما في المنطقة، بما يتجاوز الإطار المسموح به قانونا، بل بخلاف صريح مع القوانين المعمول بها. وهذا ما يتحصل من انتشار الكسارات والمقالع في منطقة سبق للدولة أن منعت فيها بشكل صريح وجلي، وفي كذا سند تشريعي، إنشاء أي منها فيها.

وعليه، توجب على الناس أن يتحملوا ليس فقط الخلل الحاصل في وضع سياسات الدولة إنما أيضا الخلل الحاصل في عدم نفاذ القوانين. وعليه، لم يعد الإجتزاء نتيجة قوانين منحازة لمصالح الشركات على سائر النشاطات الاقتصادية والحياتية، بل أيضا نتيجة انحياز واقعي فرضته غلبة الشركات على الدولة.

 

- الثانية، أن التفكير بالتنمية يتمّ دوما على صعيد المناطق، وقلما يتم على صعيد الوطن. ومؤدّى ذلك هو تضييق هامش الخيارات المتاحة، بحيث يصبح حتميا السماح بإقامة نشاطات مختلفة وأحيانا متناقضة (كأن يقام منتجع سياحي أو فندق خمسة نجوم على مقربة من مطمر لنفايات أو مجرور للصرف الصحي أو من داخون مصنع لتوليد االطاقة) في مساحة ضيقة جدا. وفيما شكّل مرسوم ترتيب الأراضي الصادر في 2009 مناسبة هامة لإعادة الطابع الوطني للسياسات العامة، فإن الخروج المتمادي والمنتظم للإدارات العامة عن المبادئ التي أرساها هذا المرسوم سواء بقرارات صريحة أو من خلال التغاضي عن المخالفات المرتكبة ضده، إنما يشكل انقلابا على هذه المبادئ وانحيازا لسياسات التقوقع مع ما يستتبعها من تناقضات ومساوئ. فكأنما يتحتم على بلدات الطوق أن تتحول إلى حضن لمصانع الإسمنت والمقالع، من دون إيلاء أي اهتمام لخصائصها ومقوماتها والأهم من دون أي مسعى لتحقيق التكامل بين مختلف المناطق اللبنانية.

 

- أما الزاوية الثالثة التي يتميز بها الوضع في منطقة الكورة فهي تتمثل في المنسوب المتدنّي لتنفيذ القوانين، والذي تشترك فيه قوى سياسية وإدارات عامة عدة. ولإدراك خطورة ذلك، يكفي أن نعيد التذكير بأن الكسارات والمقالع القائمة هنالك كلها تعمل بالقوة خلافا للقانون، ومن دون الحصول على أي ترخيص رسمي. وخير دليل على ذلك هو القراران الصادران في أيلول 2018 عن بلدية كفرحزير واتحاد بلديات الكورة اللذان نصا على وقف هذه الكسارات بعدما تثبتا من كونها غير حائزة على أي ترخيص. وما يزيد من هذا النموذج قابلية للنقد هو أن مخالفة القانون في هذا المجال تستمر وتتواصل على الرغم من الأضرار الجسيمة الناجمة عنها، والتي يصح وصفها بالمجزرة ليس فقط البيئية، إنما البشرية أيضا وفق ما تعكسه نسب الإصابة بالسرطان المرتفعة. وتكاد بلدات الطوق تشكل من هذا المنطلق نسخة طبق الأصل عما حصل في العقود الماضية على ضفاف الليطاني حيث أدى رمي النفايات وبخاصة الصناعية منها فيه، إلى تسميم مجمل عناصر الطبيعة (ماء، تربة وهواء) هنالك، وصولا إلى قتل الناس. وقد احتاج الأمر جهودا جبارة شعبية وبحثية وإعلامية والأهم جثثا كثيرة لإعادة نهر الليطاني إلى قلب النقاش العام، وتاليا لإيقاظ إدارات الدولة من سباتها. فما أن فرض الليطاني ذاته في صدارة هذا النقاش العام حتى فرض ذاته في خطاب القوى السياسية والأهم ممارسات إدارات الدولة الخاضعة لها. وعليه، شهدنا تدريجيا تراجع سياسة المجاملة لصاحب هذا المصنع أو ذاك، وبشكل أعمّ تراجع سياسة الاستهتار واللامبالاة والتخلي عن المسؤولية، في اتجاه إعادة ترميم حماية الدولة للنهر وتربته وناسه. وقد تكلّل هذا الأمر بحدثين صحّ اعتبارهما منعطفين هامين على صعيد سياسة الدولة في هذا الشأن:

  • الأول، تعيين مدير عام جديد لمصلحة الليطاني (سامي علوية) أبدى تميّزا وكفاءة في متابعة ملفات تلوث الليطاني أمام الإدارات العامة ولكن أيضا أمام القضاء. وقد أدى ذلك ليس فقط إلى توثيق مخالفات المصانع الملوثة على طول النهر والكشف عنها، بل أيضا إلى إحالة العشرات منها إلى القضاء. وعليه، وبعد سنوات من التشكي، أمكن الناس أن يروا أصحاب المعامل ملزمين بالمثول أمام المحاكم ليخضعوا للمحاسبة بعدما كانوا يتمتعون بامتياز المجاملة وبهامش سماح يكاد يكون مطلقا،  
  • الثاني، الشجب الهائل للتدخل في أعمال القضاء في كل ما يتصل بالليطاني. وقد حصل ذلك بشكل خاص في قضية التحقيق مع صاحب معمل ميموزا على خلفية تلويث نهر البردوني، أحد روافد نهر الليطاني، في نهاية سنة 2018. ففيما اعتاد السياسيون على التواصل مع القضاء دعما لهذا الطرف أو ذاك من دون أن يستتبع ذلك أي مساءلة أو ضرر، وجد ثلاثة نواب أنفسهم وسط استهجان عام وشامل لمجرد تواجدهم في اعتصام لموظفي معمل ميموزا للمطالبة بالإفراج عن صاحب المعمل. وقد اكتشف السياسيون للمرة الأولى منذ عقود أن التدخل في القضاء قد يكون أكثر ضررا عليهم من المنافع التي قد يحصلون عليها من جرائه. كما اضطر وزير العدل سليم جريصاتي –والذي ينتهج بالمناسبة التدخل في القضاء- تحت وطأة الرأي العام إلى الإعلان عن إحالة القضاة المعنيين بهذا الملف إلى التفتيش للنظر في احتمال تأثرهم بالتدخّل السياسي. وقد استشعر القضاة تبعاً لذلك أنّ ثمّة تغيّرا أساسيا في بيئتهم المهنية، تغيّرا بات يمكّنهم من (بل يفرض عليهم) إغلاق الباب بوجه تدخلات القوى السياسية من دون أن يستتبع ذلك اجراءات انتقامية بحقهم.

 

وإذ نأمل أن يتعمم التحول الحاصل بخصوص نهر الليطاني سواء على صعيد عمل الإدارات العامة أو القضاء على مجمل القضايا وبخاصة القضايا ذات الأبعاد البيئية، فإننا نستلهم في الوقت نفسه، من التطورات الحاصلة في ملف الليطاني، منهجية عمل في ملف الكورة وبخاصة بلديات الطوق، منهجية تهدف إلى إعادتها إلى قلب النقاش العام، وتاليا إلى حماية الدولة. وقد عملنا على ذلك من خلال الإحاطة بالأضرار الجسيمة التي طالت مختلف عناصر البيئة في المنطقة، واستتبعت أضرارا لا تقل جسامة في المجالات الصحية والاقتصادية والاجتماعية. نرجو أن يُقرأ هذا العدد كما كتب، انطلاقا من هذه المقاربة.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟