تأسيس الشركات: لماذا شكا؟

«منطقة شكا وأنفه والهري هني ساحل الكورة الطبيعي، بغض النظر لأي قضاء بينتموا (إداريا).

قبل شركات الترابة، كان ساحل الكورة عايش من السهل يللي بيتوسطه. كان الرجل يعمل بالزراعة وصيد الأسماك، والنساء تعمل في الملاحات في أنفه وشكا وفي قطاف الزيتون والتبغ في باقي بلدات الكورة. أنفه وشكا فيهما أكبر ثروة مائية على الساحل اللبناني. هما عائمتان على بحيرة جوفية كبيرة مصدرها تنورين. والملح كان أهم مورد رزق، كانت الناس تجي من الأعالي على بغال ويبدلوا حمولتهم من الإنتاج الجبلي مقابل الملح.»

 

بهذه الكلمات، وصف السيد حافظ جريج (إبن أنفه) ما أسماه بـ «ساحل الكورة الطبيعي». جاء هذا الوصف خلال لقاء عام الشهر الفائت أجراه «استوديو أشغال عامة» جمع فيه صيادي شكا وأنفه والهري وجميع المعنيين بقضايا البيئة في الكورة. كل من حضر اللقاء هزّ برأسه موافقاً على كلمات السيد جريج وترحماً على موارد كثيرة خسروها.

 كيف تحوّل ساحل الكورة وأراضيه الداخلية إلى منطقة صناعية تنتشر فيها المعامل والشركات والمقالع بشكل غالباً ما يوصف على أنه عشوائي وغير منظم؟ إنّ التحوّل الذي جرى في بنية المنطقة أقل ما يقال أنه كان شاملاً ومدمراً من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. لم تتمكن الصناعات من أن تشكل بديلاً مستداماً للزراعة والنشاط البحري كمصدرين أساسيين للدخل. لذا، مع مرور الزمن، أصبحت الخيارات المتاحة محدودة جداً.

 في العام 1931 – وعلى ساحل بلدات الهري وشكا وكفريا – تم إنشاء أوّل معمل لصناعة الإسمنت في لبنان: «شركة الترابة اللبنانية» التي أسسها المطران انطوان عريضة والبطريركية المارونية بالشراكة مع Société d’Entreprise et de Réseaux Electriques Paris في العام 1929 ١. ارتفع إنتاج الشركة بشكل سريع، حوالي 49 ألف طن في العام 1938 ووصل الى 100 ألف طن سنة 1940 ٢. بعد حوالي عقدين على بدء أعمال «شركة الترابة اللبنانية»، تم إنشاء – أيضاً على الساحل الشكاوي – معملاً آخر لصناعة الإسمنت، تابع لـ «شركة الترابة الوطنية» التي أسسها عائلات صحناوي وعسيلي وضومط.

 في ذلك الوقت، لم يكن هناك وزارة تصميم ولا قانون للتنظيم المدني ولا أنظمةً لاستخدامات الأراضي لأيّ من بلدات شكا أو تلك المحيطة بها أو حتى على الصعيد الوطني. تأسست «شركة الترابة اللبنانية» في ظلّ الانتداب الفرنسي، وارتبطت بمصالح أوروبية وحلفائها المحليين. في مقال نُشر في مجلة النهضة في العام 1937، يُشار الى أنّ «شركة شكا للترابة لا تدفع قرشاً واحداً للخزينة اللبنانية لقاء ما تنتج من ملايين الأطنان، ومع ذلك فهي تتمتع بامتيازات وحماية لم تعرفها شركة وطنية من قبل». التشريعات الوحيدة التي كانت القائمة عند تأسيس الشركتين تعلقت بتنظيم قطاع المقالع والكسارات (1935) وبتطبيق أحكام على صناعة الإسمنت (1938). إنمّا الرؤية أو التنظيم المطلوب لتوجيه استخدامات الأراضي ولاختيار مواقع إقامة المنشآت الصناعية، فقد كان غائباً. إذاً، لماذا تموضعت هذه الشركات على ساحل الكورة؟

كانت الدوافع الرئيسية للاستثمار في هذه المنطقة تكمن في قربها من البحر وطبيعة تربتها المكوّنة من نوعين: الكلسية والأرجيل ٣. كما أن توّفر المياه كمصدر للطاقة وللتصنيع (نهر الجوز ونبع الجرادي) والبحر كمرفأ للتصدير شكّلا وضعاً نموذجياً لتأسيس الشركتين وتوّسعهما. خلال سنوات قليلة، تزايدت أعداد المعامل الصناعية على ساحل شكا. في العام 1950 تم إنشاء مصنع أترنيت لتصنيع أنابيب وألواح الاسبستوس (الذي ثبت لاحقاً أنه قد تسبب في وفاة عشرات العمال بسرطان الرئة)٤، وفي العام 1961 تأسس معمل «الشركة اللبنانية للإسمنت الأبيض». كما وتوّسعت أعمال شركتي الترابة بشكل كبير خلال سنوات الخمسينيات والستينيات، عبر عدد من الممارسات التي سمحت وأجازت بها الدولة اللبنانية، مثل الحصول على ترخيص نقل الترابة في 1956 (خلافا لأحكام مرسوم  1938)، وإشغال أملاك عامة بحرية (خلافاً لقانون 1925 تحديد الأملاك العامة)، وتأسيس مكتب جمركي ومرافئ مستقلة للتصدير (1967)، واستثمار نهر الجوز ونبع الجرادي وحرمان السكان منهما.

كل ذلك جرى من دون التفكير بالتبعات الاقتصادية والبيئية والصحية للصناعات. يروي السيد جريج: «الأجانب المساهمون بمعمل الترابة كانوا بيعرفوا أنه الشركة بتلوّث. فوزعوا بالزمانات أشجار الكينا على كل البلديات والعمال بالمنطقة وشجعوهم على زراعتها دون أن يخبروهم بالسبب الأساسي ألا وهو أن الكينا شجرة تمتص الغبار من الهواء. مع الوقت، بدأت الشركات تسحب مزارعين وصيادين وتشجعهم على العمل لديها وتغريهم بأن الوظيفة ثابتة بمعاش ثابت، مما شجع الكثيرين على ترك الصيد أو الزراعة. فصار للشركات جمهور يشجع ويحمس، فبات العامل يحضر ابنه ليعمل مكانه.»

في بداية السبعينيات، صدرت مراسيم لتنظيم أجزاء صغيرة من الكورة وساحلها: تنظيم استخدامات الأراضي في كفرحزير في العام 1970 والتصميم التوجيهي للشواطئ الشمالية في العام 1972 الذي لحظ وجود معملين للترابة، وحدد مناطق صناعية في شكا والهري وأنفه. لم يكن هذان التشريعان «المحليّان» كافيين لضبط وتنظيم عمليات توّسع الشركات وتغلغل غبارها في المنطقة، في ظل سياسات وطنية أسهمت بشكل كبير بنجاحها وتطوّرها: ففي العام 1993 منعت الحكومة اللبنانية استيراد الإسمنت من الأسواق الخارجيّة، مما إدى الى زيادة سعر الطن بشكل متكرر، وذلك تحت غطاء ودعم سياسي مستمر لا سيّما في علاقة الشركتين بالبطريركية المارونية وبالقوى السياسية في زغرتا ٥.

بل تشير دراستنا لملكية العقارات ولمراسيم التنظيم المدني أنّ حالة «اللاتنظيم» على الصعيد المحليّ كانت متعمّدة واستخدمت كأسلوب لمصلحة الشركات على حساب كل شيء آخر.

 

  

 

انفلاش الشركات: كيف بيعت الأراضي وأُنشئت المقالع؟

ترافق افتتاح معامل الإسمنت في شكا مع بدء عمليات استخراج المواد الأوليّة من البلدات المجاورة. من الواضح أنه من مصلحة الشركات تموضع مقالعها على مقربة من المعامل لكسب الوقت وتخفيض تكلفة نقل هذه المواد. كما يشرح أحد سكان أميون: «إن أُغلقت المقالع، لن تبقى المصانع هنا. اليوم تكلفة شاحنة النقل للنقلة الواحدة ٧ أو ٨ $. في حال أرادت الشركات جلب التراب من أماكن القلع المسموح بها في البقاع ٦، سوف تكلفهم شاحنة النقل ٣٠٠$ إلى شكا».

إذاً انتشرت المقالع غير المرخصة في بلدات الكورة. وكانت منهجية شراء الأراضي عاملاً أساسياً في انفلاش الشركات وسيطرتها على مصير وموارد المنطقة. منذ البداية، استفادت الشركات من الحرمان التي كانت تعاني منه القرى الصغيرة في المنطقة. كان من السهل على الشركات إغراء مالكي الأراضي في القرى المهمشة لبيع العقارات والدفع نقداً، مما مكّن الشركات من تأمين مصدر التربة لسنوات طويلة بأسعار زهيدة.

في العام ١٩٦٧، بدأت «شركة الترابة الوطنية - السبع» بإقامة حفر ضخمة في سهل الكورة ٧ لاستخراج مادة الأرجيل، وسط حوالي مليوني شجرة زيتون. يروي سكان الكورة كيف قامت الشركة بشراء التراب من مالكي الأراضي، فتضررت العقارات المجاورة وزحلت تربتها، مما سمح للشركة أن تقوم بشرائها بثمن زهيد («بالقروش»)، خاصة بعد أن أدرك المالكون مصير السهل. خلال ١٦ سنة، حفرت في تلك الأراضي بمساحات تساوي مليون متر مربع، أي ١\٩ من مساحة السهل، وبعمق يتراوح بين ١٥ و٢٠ متر. اليوم في أميون - كما يشرح أحد النشطاء - «قيمة متر الأرض ٣٥٠ دولار، بينما ثمنه هنا ٢٠. وليس للناس حل آخر إلا البيع للشركات لأنها الشاري الوحيد هناك. الشركات لا تضغط للشراء، إنما الناس تبيع للحاجة. أما من يقاوم ولا يقبل بيع أرضه، يغرونه بمبلغ إضافي».



في بلدة بدبهون - على سبيل المثال - بدأت عملية شراء الأراضي في أوائل الستينيات. بحلول العام ١٩٦٢، كانت «شركة الترابة الوطنية - السبع» قد تملكت ٩٠٠،٠٠٠ متراً مربعاً، مما يوازي - على سبيل المقارنة - أكثر من ٣ أضعاف مساحة حرش بيروت. تشكل هذه المساحة النسبة الأكبر من الأراضي التي تملكها شركة السبع في محيط المقلع اليوم، وذلك بعد أن قام مزارع من عائلة واحدة ببيع مئات آلاف الأمتار من الأراضي ذات التربة البيضاء حيث كان يقوم بزراعة بَعليّة صعبة وخفيفة الإنتاج ٨. المبلغ الزهيد («قروش») الذي قبل به المزارع سمح له أن يحسن ظروف عيشه في بلدة لم تصل لها خدمات الدولة قبل أوائل الستينات ٩.

في غياب أي ضوابط قانونية تردع نشاطها وإنتاجها، انتشرت الشركة بمقلعها عبر الأراضي التي تملكها، ما تسبب بتدهور إنتاجية وقيمة الأراضي المجاورة. في الوقت نفسه، كانت الشركة تراكم عقارات أخرى بشكل استراتيجي، بحيث تعزل أراضي لا تملكها وتحاصرها مثل الجُزر في وسط نطاق توسّع المقلع. يروي مزارعً من كفرعقا: «أنا كان لدي أرض في بدبهون حوالي ٢٠٠٠ - ٣٠٠٠ م٢. بعتها من حوالي ١٥ سنة تقريباً للشركة بمبلغ ٤-٥ $ للمتر، رأيت نفسي مضطراً لأن الشركات باتت تحفر وتحاوط الأراضي هناك». ومع تراجع الزراعة كمصدر عيش، أغلبية مالكي الأراضي باعوا أملاكهم لسببين رئيسيين: لتعليم أولادهم ولتسديد تكاليف الطبابة.

اليوم، يجتاح مقلع بدبهون أكثر من كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية والجبال الصخرية التي جرفت حتى تحت مستوى البحر، وغيرت وجهة الرياح والمياه الجوفية، فيشكّل ربع مساحة البلدة. ملكية معظم العقارات في المقلع وجواره تعود الى «شركة الترابة الوطنية - السبع» (٨٨.٥ % من العقارات). على مستوى البلدة، لكل ثلاثة أمتار مربعة من الأراضي الخاصة، تملك الشركة أكثر من متر مربع في المقابل، ولم تقم بقلع إلا جزءاً من أراضيها حتى الآن. ١٠


يقع مقلع كفرحزير على بعد بضعة كيلومترات من مقلع بدبهون. في كانون الأول ٢٠١٨، كانت ملكية العقارين الضخمين الأساسيين حيث ينتشر الجزء الأوسع من مقلع شركة «هولسيم لبنان» قيد الانتقال، فلم تكن متوفرة تفاصيل أخرى عنهما. تملك «شركة المتاجرة بالعقار» ١١ معظم ما يتبقى من المقلع، كما تملك عقارين ضخمين ملاصقين له، فتصل مساحة العقارات التي تملكها إلى أكثر من ٥٢٠٠٠٠ متر مربع في المقلع وجواره، قامت بشرائهم بين ١٩٩٩ و٢٠١٠. أيضاً على سبيل المقارنة، تشكل هذه المساحة ضعفي حرم الجامعة الأميركية في بيروت.

تملك شركة «سيمد ماينينغ»١٢ أكبر عقار في البلدة (أكثر من ١٠٠,٠٠٠ متر ١٣ مربع قامت بشرائه عام ١٩٩٩) ولم يتم قلعه إلا جزئياً حتى الآن. ليس واضحا سبب وجود هذه العقارات الضخمة ضمن نسيج عقاري أصغر حجماً بعشرات ومئات الأضعاف وذات مقياس زراعي وسكني، ما يقترح عمليات شراء تراكمية ومن ثم عملية ضمّ عقارات، خاصة أن الكورة لم تعرف مالكين إقطاعيين في تاريخها. ثالث مالك رئيسي للأراضي المقلوعة هو «شركة الترابة العربية» (٥٥٠٠٠ متر مربع في ١٩٩٧). الملفت في هذا المقلع مقارنة بمقلع بدبهون أن ملكية المقلع متعددة وانتقالها حديث، كما أنها تشمل بعض الملكيات الفردية، فيتم استثمار الأراضي دون أن تملكها شركة واحدة.

 

سلطة الشركات: مَن ربح معركة تصنيف الأراضي؟ 

عمليات شراء العقارات من قبل الشركات كانت الخطوة الأولى للسيطرة على الأرض ومواردها. الخطوة التالية كانت إعداد كل ما يلزم لاستخدام الأرض بالشكل وفي الوقت الذي يحلو لهم، تحديداً لإنشاء المقالع في أماكن يُمنع القلع فيها.

بالنظر إلى خريطة تصنيف الأراضي في شكا وعدد من بلدات الكورة، نلاحظ وجود «ترقيع» في التصنيفات التي ليست بالضرورة منطقية أو متجانسة معاً، خاصةً عند النظرأبعد من حدود كل بلدية على حدة. من ناحية، تنتشر المناطق الصناعية في عدة مناطق بشكل مبعثر (وكأن أمراً واقعاً قد فُرض) ودون وجود مناطق عازلة أو انتقالية بما فيه الكفاية بينها وبين المناطق السكنية أو الخضراء. من ناحية أخرى، نعلم بوجود استخدامات زراعية كبيرة نجدها غير مصنفة للزراعة في هذه الخرائط الرسمية، كما هي الحال في كفرحزير التي تم تصنيف أراضيها «سكني» بغالبيته. ربما هذا التوصيف أو التحليل ليس خاصاً بالكورة، وتعاني منه منظومة التنظيم المدني في كل بقعة من لبنان. إنمّا الملفت هنا - بالإضافة الى التوصيف العام - هو تواجد ما يعادل مليونين ونصف المليون متراً مربعاً من المقالع على أراض غير مخصصة لذلك.

بالعودة الى الخريطة، نجد أن مقلع كفرحزير يقع ضمن منطقة ذات تصنيف سكني، وذلك استناداً الى تصميمها التوجيهي الصادر منذ عقود. بدأ المقلع بالعمل خلال السنوات العشر الأخيرة، وذلك كان (كما سبق وذكرنا) بعد عمليات شراء أراضي كثيرة جرت في 1999 و 2018. تم الترخيص لهذه المقالع بشكل غير قانوني، مما دفع مجلس بلدية كفرحزير بإصدار قرار في تموز 2016 يرفض «رفضاً باتاً تعديل تصنيف أو جهة استعمال الأراضي التي تقع ضمن النطاق العقاري للبلدة إلّا بطلب وموافقة المجلس البلدي، بما أنّ الجرف الجائر للأراضي يتسبب بتصاعد الغبار المؤثرة على البشر والمزروعات». في آب 2018، صدر قرار آخر عن المجلس البلدي بإيقاف جميع أعمال شركتي الترابة الوطنية وهولسيم في المقالع التابعة لهما في خراج بلدة كفرحزير فوراً تحت طائلة المسؤولية. قبل إصدار القرار، طلبت بلدية كفرحزير من الشركتين خطياً إعطائهم أي ترخيص رسمي لديهما بإقامة مقالع في أراضيها وكان الجواب خطياً بأنه لا ترخيص لديهما وأنّ شركة هولسيم تقدمت بطلب ترخيص منذ عام ٢٠١٦ ولم تحصل على جواب من الجهات المعنية ١٤.

أما المقلع الآخر الذي نراه على الخريطة، فهو يقع في بدبهون وقصته أكثر تعقيداً ونتائجه أكثر فداحة.

في أيار 1997، صدر قرار لا مثيل له قبلاً عن مجلس الوزراء يعلن تخصيص وتصنيف واعتماد بلدة بدبهون على أنها منطقة خاصة لمقالع شركات الترابة لمدة ١٠ سنوات. كانت بدبهون ما زالت بلدة غير منظمة، أيّ أنه لم يصدر لها إطلاقاً أيّ تصميم توجيهي لترشيد استخدامات الأراضي فيها. فقام هذا القرار الوزاري – وبشخطة قلم – باستباحة بلدة بأكملها ووضع أرضها وهوائها

وبيوتها تحت سيطرة المقالع. تشرح الناشطة لميس الأيوبي أنّ نوعية التربة في بدبهون مناسبة جداً لعمل شركات الترابة، وأن الشركات عندما بدأت بأعمال الحفر في البلدة، كانت رؤيتهم أن يستفيدوا من هذه التربة لمدة ١٠٠ سنة. عانت بدبهون طوال السنوات من غبار المقالع وسرقة مياهها وتدمير بيوتها، إلى أن أصبح اليوم حوالي 40% من مساحتها مجرد مادة أوليّة لشركة الترابة. بعد مرور العشر سنوات على صدور القرار، تم تجديده في العام ٢٠٠٧ لمدة سنتين إضافيتين. تزامن هذا التاريخ مع نشاط واسع من قبل المجموعات الأهلية والجمعيات المدنية في الكورة التي لم تعد ترى أنه بإمكانها البقاء صامتةً. بدءاً من العام 2007، ازدادت وتيرة التحركات والاعتصامات والعرائض والمؤتمرات الصحفية والكتب المفتوحة الى الجهات الرسمية من قبل جهات مختلفة (راجعوا الجدول الزمني على الصفحة ٣٥). ربما كان الضغط المجتمعي واقتراب موعد نفاذ القرار الدافع لاتخاذ «المديرية العامة للتنظيم المدني» قراراً بتنظيم بدبهون والبلدات المحيطة لها (زكرون، برغون، قلحات) لأول مرة في تاريخها. تم تلزيم مكتب استشاري «نعيم خرياطي» في طرابلس لإقامة الدراسة التي صدرت في المرحلة الأولى منها في 2007. طُلب من البلديات إبداء رأيها (مع العلم أن بدبهون لا بلدية لديها) وصدر قرار من المجلس الأعلى للتنظيم المدني بالموافقة على دراسة المرحلة الأولى والمباشرة بالمرحلة الثانية. انتهت الدراسة وصدر التصميم التوجيهي بقرار عن المجلس الأعلى المذكور في 2011. تضمن التصميم تصنيف منطقة القلع ومحيطها في بدبهون على أنها «منطقة حماية» ١٥ وذلك للحدّ من تأثير المقالع ولتنظيم نطاق عملها وتوّسعها. في مقابلة أجريناها مع مصدر في مديرية التنظيم المدني (طلب عدم ذكر اسمه)، يقول:

«المنطقة يللي حطيناها "حماية" أكثرية ملكيتها لشركة الترابة الوطنية. "حماية" مش يعني "محمية". ما منعنا فيها إقامة مقالع أو منشآت. هيي أصلاً فيها مقالع. نحنا اعتبرنا أنه المقالع ما بقى فيها تتوّسع وتمتد بشكل عشوائي. ضروري يكون مفروض عليها شروط بيئية وحدّ للتوّسع لأن المناطق الموازية إلها عم تموت. فيكي تقولي أنه بمثابة buffer zone عنده شروط عشان ما تصير كل أملاك الشركة مقالع.»

اليوم، يجتاح مقلع بدبهون أكثر من كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية والجبال الصخرية التي جرفت حتى تحت مستوى البحر، وغيرت وجهة الرياح والمياه الجوفية، فيشكّل ربع مساحة البلدة.

لم تكن شركة الترابة على معرفة بهذا التصميم إلّا في العام 2015 وذلك بعد أن صُنفت عقارات الشركة على أنها «منطقة حماية» في إفادات الإرتفاق والتخطيط الخاصة بها. بعد شهور قليلة، وتحديداً في شباط 2016، استدعت شركة الترابة الوطنية ضد الدولة (وزارة الأشغال العامة والنقل) لدى مجلس الشورى لإبطال قرار المجلس الأعلى (2011) القاضي بتصنيف منطقة حماية في بدبهون. من دون أيّ مواكبة إعلامية ولا دعم لقرار التنظيم المدني، جاء رد مجلس شورى الدولة في آب 2016 بوقف تنفيذ قرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني (2011) الذي يقوم بتنظيم منطقة بدبهون ١٦. يقول المصدر في مديرية التنظيم المدني:

«بعد وقف تنفيذ التصميم التوجيهي، على أساس أنه نعيد النظر فيه ونرجع نعمل تصميم توجيهي تاني، طلبت المديرية من الشركة تزويدنا بخرائط التوّسع يللي ناويين عليه، وجدول بأعمالهم، وباستهلاكهم السنوي، لنقدر نقوم بإعادة تنظيم المنطقة أخذاً بعين الاعتبار هذه المعطيات. لليوم ما أعطونا شي من هول. الشركة ما عم تتعاون. فما قدرنا ننتج البديل. وبقيت المنطقة غير منظمة، يللي هوي مش من صالح حدا إلّا الشركة.»

تمكنت الشركات من الالتفاف على التنظيم المدني، من بين العقبات القانونية العديدة التي تجنبتها. وربما تمثل قصة بدبهون والسيطرة على الأراضي في الكورة معركة حقيقية تتعقد الأدوار فيها، ما بين الدولة وشورى الدولة والبلدية والمجتمع والشركات. في النهاية، ربحت الشركات المعركة، وهذا أكبر دليل على أنّ شركات الإسمنت في لبنان هي الأقوى نفوذاً في الدولة اللبنانية.

 

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟

 

 

١   في العام 1931أصبح المطران عريضة بطرك وقبل وفاته أوصى بإعطاء أسهمه في الشركة لصالح البطريركية المارونية. المرجع: بولس صفير، «نبذة تاريخية مستندة الى المراجع والوثائق الأولية: بكركي في محطاتها التاريخية 1703-1990»، منشورات معهد التاريخ في جامعة روح القدس، 1990

٢  المصدر: مسعود ضاهر، «لبنان: الاستقلال، الصيغة والميثاق» دار الفرابي، بيروت، طبعة ثالثة 2016، صفحة 69

٣  بحسب عدد من المقالات مثال «صناعات الاسمنت والاسبستس والكيماوات في شمال لبنان» (جواد عدره) و «نحو مخطط توجيهي لتنظيم المناطق الصناعية الساحلية» (حبيب دبس)، نُشرا في «الشاطئ اللبناني ما هو مصيره: وثائق ندوة اللقاء الوطني لحماية الشاطئ « نقابة المهندسين 16 آذار 1996

٤ للمزيد عن الموضوع قراءة مقال «الموت في شكا... بالاترنيت»، عبيدة حنا، جريدة المدن، 28-3-2017

٥ المعلومات عن السياق السياسي ارتكزت على مقابلات أجريناها خلال تشرين ثاني وكانون أول 2018 مع سكان في الكورة، لا سيّما مع المهندس فارس ناصيف. والجدير بالذكر أن كان هناك صراع ما بين حزب المردة وحزب الكتائب على عائدات الاسمنت، بحسب كتاب «تاريخ لبنان المقاوم في مئة عام 1900-2000 لعبد الله الحاج حسن، دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع 2008

٦ مرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٢ حدد مناطق مخصصة لإقامة مقالع

٧  السهل الزراعي الممتد بين بلدات أميون وبشمزين وكفرحزير

٨ كان يتم زراعة القمح والشعير والحبوب بكثافة في بدبهون، حتى أواخر الستينات

٩ جواد عدره، «صناعات الاسمنت والاسبستس والكيماوات في شمال لبنان»، في: «الشاطئ اللبناني ما هو مصيره: وثائق ندوة اللقاء الوطني لحماية الشاطئ « نقابة المهندسين 16 آذار 1996

١٠ المالك الثاني والأصغر هو «شركة دافيكو العقارية» ٧.٣ في المئة من العقارات، قامت بشرائهم بين ١٩٨٥ و١٩٩٢.

١١ تاريخ تسجيل الشركة 1973، ويملكها كل من غسان حجار، ابراهيم عبد النور، وربكا ابراهيم عبد النور، وذلك بأسهم متساوية.

١٢ تاريخ تسجيل الشركة 1997، وتملك أكثرية الأسهم فيها شركة اخرى تحت إسم « سيمد هولدنغ ش.م.ل» التي بدورها يملك أسهم فيها كل من كميل نقولا، ناتالي الخوري، نادين الخوري، حسيب عيد، شربل الخوري، الكسندر بوري (النسبة الأكبر)، كوليت ابي راشد. وذلك بحسب السجل التجاري في وزارة العدل.

١٣ ٥ أضعاف مساحة ABC فردان

١٤ بحسب مقابلة أجريناها مع جورج عيناتي، تشرين الثاني 2018

١٥ منطقة حماية L: على كافة التراخيص ضم هذه المنطقة ان تخضع لموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني المسبقة

١٦ بالمبدأ، قرارات المجلس الأعلى للتنظيم المدني تصبح غير نافذة بعد انقضاء ثلاث سنوات من صدورها، إن لم يتم تكريسها بمرسوم خلال هذه المهلة القانونية. إنما في الممارسة - وهذا هو بالفعل موقف الإدارة العامة المختصة - تواصل العمل به رغم انقضاء ثلاث سنوات، تجنباً للفراغ تشريعي، بما أنّ المنطقة لم تتنظم سابقاً. للمزيد عن هذا الموضوع، قراءة مقال استوديو أشغال عامة: «المديرية العامة للتنظيم المدني: عبثية الممارسة ما بين الخطة الشاملة والتصاميم التوجيهية والاستثناءات والقرارات»، المفكرة القانونية، 26-2-2018