في هذا التحقيق، تحاول "المفكرة" تحديد الأضرار البيئية المباشرة الناتجة عن انبعاثات شركتي الترابة، مستعينة بعدد من الخبراء والمختصين. وقد حاولنا التواصل مع القيمين على الشركتين المذكورتين وكذلك الأمر مع البطريركية المارونية التي تملك 10% من أسهم شركة الترابة اللبنانية (هولسيم)، ضمانا للوجاهية، لكن من دون جدوى. وفيما تعتمد الشركتان خطابا رسميا مفاده أنهما تتخذان التدابير الكفيلة للحدّ من الانبعاثات السامة كتركيب فلاتر مثلا وأنهما لا تتحملان أي مسؤولية عن الضرر الصحي الحاصل، فإن الخبراء الذين تم الاستماع إليهم قدموا لل "المفكرة" أدلة كثيرة تدحض هذه الادعاءات وتثبت مسؤوليتهما المباشرة عن تلويث عناصر البيئة كافة: الهواء والمياه الجوفية والبحر والتربة، وعما يستتبع ذلك من أضرار على صحة الإنسان والحيوان والنبات. وبما لا يقل خطورة عن ذلك، سجل الخبراء قلقا شديدا من جراء حجب وزارة البيئة لنتائج قياس الانبعاثات وتعاملها مع هذه النتائج على أنها أسرار دولة. وقد كشف تصرف وزارة البيئة على هذا الوجه عن جانب آخر من تواطؤ الإدارات العامة مع الشركتين ضد الصالح العام (يراجع الكادر).

والمسؤولية في تلويث عناصر البيئة كافة تترتب ليس فقط عن انبعاثات المعامل، ولكن أيضا عن انبعاثات المقالع غير المرخصة والتي ما برحت تتوسع لتنهش قلب القرى المحيطة كافة.

 

نشاط شركات الترابة "الملوث"

قبل الاستماع إلى آراء الخبراء بشأن تأثير الشركتين على البيئة، سعينا إلى تحديد أساليب عملهما. وقد اعتمدنا لهذه الغاية على شهادات عمال وموظفين سابقين في الشركتين، في ظل عدم تجاوب هاتين الأخيرتين في منحنا أي معلومات أو حتى السماح لنا بالدخول إلى منشآتهما. 

يتركز نشاط شركتي الإسمنت على أمرين:

 

أولا، تأمين المواد الأولية لصناعة الإسمنت. وفيما هي تستورد أو تشتري بعض هذه المواد، فإن معظمها يأتي حاليا من المقالع والكسارات في جبال ووديان الكورة وساحلها، وهي مقالع وكسرات تعمل من دون ترخيص وبمخالفة واضحة للقوانين المعمول بها. وتؤثر الشركتان استخراج ما تحتاجان إليه من جبال الكورة، ليس فقط بسبب قربها من معاملها مما يخفف عنها كلفة النقل، ولكن أيضا بالنظر إلى تركيبتها الجيولوجية. فهي تتكون بشكل خاص من الأرجيل أي تراب حوارة أساسه دلغام، ويعرف ب "مارن" (marne) باللغة الفرنسية (الحوارة) و(marl) بالانكليزية". وهي مادة حمراء وتراب بركاني، يصلح لصناعة الإسمنت. وعدا عن أن هذا النشاط يؤدي حاليا إلى إزالة قرى وهضاب وتغيير معالم التربة بفعل الحفر واستخراج الرمول، فإنه يترافق مع استخدام مواد مفجرة تترك بدورها آثارا عميقة على البيئة المحيطة.

ثانيا، صناعة الإسمنت والتي تحصل على مرحليتن:

  • المرحلة الأولى: يتم فيها بداية حرق المواد المستخرجة بعد خلطها برمول ومواد أخرى في الأفران، وذلك بدرجة حرارة تصل إلى 1450 درجة، مما يؤمن انصهار المواد ببعضها البعض فتسيل كنهر أحمر يشبه المياه البركانية. ومن الثابت أن الشركة تستخدم في هذه الأفران وقود البتروكوك، وهو أسوأ أنواع الوقود، كونه يتكوّن من نفايات البترول، وفيه نسب كبريت مرتفعة جداً. تُنقل من ثم المواد المحروقة من الأفران تلك إلى مكان توجد فيه مراوح كبيرة تعرّضها للتبريد السريع إلى مئة درجة مئوية لتتفكك إلى حبوب صغيرة جدا وناعمة تسمى "الكلينكر" وهو المادة الخام لصناعة الإسمنت. في هذه العملية تصدر انبعاثات هائلة تتمثل بالمعادن الثقيلة التي تتطاير من المواد الأولية عند صهرها وتفككها بصدمة خفض الحرارة. تبعا لذلك، ينبعث عن نشاط الشركة في مرحلة الحرق والتبريد اللاحق 22  غازا، بعضها غير ضار وبعضها سام جداً. ويُلحظ أن هذه الغازات تتجه نحو المداخن ومنها إلى الخارج، من دون أن يحصل طوال هذه المرحلة أي استخدام لأي فلاتر، حسبما أكده لنا موظفون سابقون مطلعون على اجراءات عمل الشركيتين.
  • المرحلة الثانية: يتم فيها إدخال الكلينكر إلى المطاحن ليتحول إلى إسمنت. وهنا ينبعث الغبار بكثافة كبيرة. وقد وضعت الشركات فلاتر على هذه المداخن (هولسيم في 1997، والسبع في 2017). ولا يزال لدى الشركات مطاحن قديمة بفلاتر غير فعّالة، وإن كانت إنتاجيتها أقل من المطاحن الجديدة. وقد علمت المفكرة أن المطاحن القديمة تنتج نحو 15 إلى 20% تقريبا من الأطنان التي تراوح بين 8 إلى 10 آلاف طن في اليوم لكل شركة على حدة.

وعليه، أمكن القول أن الفلاتر الموضوعة تؤدي إلى تخفيف نسبة من الغبار المنبعث خلال المرحلة الثانية، من دون أن يكون لها أي مفعول في الحد من الغازات المنبعثة خلال المرحلة الأولى.

إضافة إلى ما تقدم، تؤدي النشاطات الفرعية أو المكملة لشركتي الإسمنت إلى تلويث إضافي للبيئة، من خلال سلسلة من الأعمال الإعدادية للتصنيع، أبرزها توليد الكهرباء عبر مولدات خاصة من دون أي فلاتر، وتفريغ البتروكوك من البواخر بطريقة بدائية وتخزينه في الهواء الطلق، وتخزين الكلينكر على شكل جبال على شاطئ البحر مباشرة، وتبريد محركاتها الصناعية.

 

تلوّث الهواء

يجمع الخبراء الذين استمعنا إليهم على أن أول عناصر البيئة التي تم تلويثها هو الهواء.

 

رزق: خطورة استخدام البتروكوك

وفي هذا الإطار، شدد البروفسور ويلسون رزق، الخبير الإستشاري في علوم السموم الكيميائية الصناعية، في حديثه ل "المفكرة" على ما أسماه التدمير الكيميائي الذي ينتج وفق رأيه عن تسرب غازات سامة بفعل استخدام مادة البتروكوك. ويشرح رزق أن الكوك تأتي من الفحم الحجري (أي ما يبقى من تصنيعه وهو نفايات صالحة للإحتراق) والبترو من البترول، وهو أيضاً بمثابة نفايات البترول لأنه يبقى بعد استخراج كل مشتقات البترول. ويقول رزق أن مشكلة البتروكوك تتمثل بوجود نسبة كبيرة من الكبريت، وينتج لدى احتراقه غاز كبريت السيلفيريك (SO2) و) SO3)، وهي تركيبة كيميائية لغاز الكبريت السيلفيريك. هذا الغاز، وفق البروفيسور رزق "ينبعث بالجو ويحتكّ بالرطوبة ويتعرض لها ويتفاعل معها، مما يُنتج حامض الكبريت (H2) أو (H4). وعندما تمطر، تتفاعل هذه المادة مع التربة فتصبح تربة حمضية ولا تعود صالحة للزراعة، وهو أول المخاطر البيئية".

كما يلفت رزق إلى غاز سام آخر ينتج عن احتراق البتروكوك وهو أوكسيد الآزوت "إن أو إكس (NOx). فالأمطار الحمضية تقتل الأرض والمزروعات، فيما يؤثر هذا الغاز على الإنسان وخاصة على بشرته الجلدية، ويتسبب بالأمراض التنفسية وأمراض السرطان". ولا ينسى خبيرنا "المعادن الثقيلة التي تنتج عن احتراق البيتروكوك: "رصاص وزئبق وكادميوم وكروم وغيرها، وهي معادن يمكن أن تدخل مع الأدخنة الناتجة عن المحارق، وهي مسؤولة أيضاً عن الأمراض السرطانية".

أخيرا، يذكر رزق أن الحكومة اللبنانية سمحت للشركات باستيراد البتروكوك منذ 1993 ولثلاث سنوات بنسبة 6% كبريت، خلافا لكل المعايير العالمية. وبرغم انتهاء مهلة السماح، ما تزال الشركات تستورده وما تزال الدولة تتنصل لمسؤوليتها في منع استيراده أو على الأقل في تخفيض نسبة الكبريت المقبولة إلى المعدل العالمي الذي يتراوح بين 1.5 إلى 3%.

 

طن ترابة = طن ثاني أوكسيد الكربون

في السياق نفسه، يقول الطبيب باسم قبرصي، الأخصائي في الأمراض السرطانية، ل "المفكرة"، أن "كل طن إسمنت يُنتج طناً من ثاني أوكسيد الكاربون (CO2). وإذا قلنا أن الشركات تنتج بالحد الأدنى 8000 طن يوميا لكل شركة، (هناك معلومات عن إنتاج السبع 13 ألف طن يومياً) أي أننا أمام انبعاثات 8 آلاف طن على الأقل من ال CO2 يوميا. وقس على ذلك كميات الغازات المذكورة آنفا"  ويشرح قبرصي: "ماذا يعني وجود هذا الكم من الإنبعاثات في الهواء؟ إن الرئة تتسع ل 6 لترات هواء. ونتنفس بمعدل 17 مرة بالدقيقة أي يدخل إلى رئتينا حوالي 100 ليتر من الهواء بالدقيقة أي ما يعادل 6000 ليتر بالساعة و147000 ليتر بالنهار أي 147 كغم من المواد التي يستمدها الجسم من الهواء. وهذا عشرات أضعاف كمية المواد الصلبة والسائلة التي تدخل إلى جسمنا كالطعام والشراب. لذلك معروف أن تلوث الهواء من أكثر العوامل تأثيرا على صحة الإنسان".

من جهتها، تعدّد الإختصاصية في فيزياء المادة دة. سمر نجار إنبعاثات شركات الإسمنت من الغازات مع أضرارها ومخاطرها. ومنها:

O3 والغازات الأخرى

الأوزون O3 ويكون عادة في الطبقة العليا من الغلاف الجوي "الستراتوسفير" ليحمينا من الأشعة ما فوق البنفسجية UV . لكن وجوده في الطبقة التي تعيش فيها الكائنات الحية أي التروبوسفير، هو سيء لأنه يؤشر إلى وجود تلوث. ترى أن الأوزون "لا ينبعث مباشرة من دواخين الشركات بقدر ما ينشأ بسبب تفاعلات بين مركبات عضوية متطايرة هيVOCs  وأوكسيد الكاربون CO وأـوكسيد النايتروجين NOx وهي ملوثات بحدّ ذاتها. وتؤكد أن وجود الأوزون دليل على وجود هذه المركبات، مشيرة إلى أن "أوكسيد الكاربون ليس لديه رائحة، لكنه يعرقل وصول الأوكسيجين إلى الخلايا".

Dioxins and Furans

من الغازات الأخرى التي تلفت إليها نجار "الدايوكسن والفيوران وهي مواد عضوية قذرة لها تركيبات معقدة وعديدة ومختلفة تتميز بثلاث خصائص سيئة: الأولى أنها مسرطنة والثانية أنها تستمر في الطبيعة لأجيال، ولا تموت سمّيتها ولا تتفكك بل تدخل إلى النبات والحيوانات والبشر... والثالثة أن لا حد أدنى عالمي مسموح لهذه المواد لشدة خطورتها".

 

 

تلوث المياه الجوفية؟

العنصر الثاني من عناصر الطبيعة والذي طالته أعمال الشركة هو المياه الجوفية. هنا نجد الإضرار بالثروة المائية حاصلا من خلال أمرين: أولا، إعطاء الشركتين حق استهلاك كميات هائلة منها على حساب حقوق الناس بالماء، وثانيا، من خلال التلويث الحاصل بفعل مقالعهما وأنشطتهما الصناعية.

فعلى صعيد استهلاك المياه، يؤكد حسن جعفر الرئيس السابق لمصلحة تصحيح المحيط في وزارة الطاقة، أن الشركتين تستهلكان آلاف الأمتار المكعبة يوميا، وفق مراسيم تراخيص استثمار آبار المياه الجوفية تجدد ضمنا سنويا وتعود إلى سنة 1968. وقد رخص لشركة السبع (الوطنية) باستعمال 3370 متر مكعب يومياً من ستة آبار حفرتها الأخيرة، علما أن هذا الاستهلاك مرتفع جدا، بالنسبة لما تضخه الدولة نحو محطة توزيع المياه في فيع والتي تغذي نصف البلدات الكورانية (14 بلدة) والذي يبلغ مجموعه ستة آلاف متر مكعب يومياً "تُخفض في الصيف إلى ألفي متر مكعب خوفاً من تسرب مياه البحر إلى الخزان الجوفي". وما يزيد من قابلية الأمر للانتقاد، أن "المفكرة" حصلت على معلومات تفيد بأن هذه الشركات لم تدفع قرشاً واحداً لوزارة الطاقة لغاية 2004. ويؤكد رئيس بلدية أميون السابق، ورئيس جمعية وصية الأرض المهندس فارس ناصيف هذا الأمر، مضيفا أن الشركات تحظى بحق استثمار مياه نهر الجوز ونبع الجرادة.

ومن هذا النبع مدت شركة كيمياويات سلعاتا إنبوبا لسحب عشرين إنشاً من مياهه وصبغتها بتلوينة لكي لا يستفيد منها أهالي المنطقة". أما الترابة الوطنية (السبع) فقد "حفرت آباراً على نبع الجرادة تستعملها في صناعاتها".

أما على صعيد النشاطات الملوثة للشركتين، فيتأتى الخطر من المقالع الصخرية وبخاصة التفجيرات الحاصلة فيها، وأيضا من نفايات المعامل التي تدخل محيط آبار المياه الجوفية. وفي هذا الإطار، يشرح رئيس جمعية وصية الأرض فارس ناصيف للمفكرة بناء لدراسات علمية تمدد الخزانات الجوفية تحت الأراضي التي تستعملها الشركات كمقالع "الشركة حفرت اليوم حتى وصلت للمياه الجوفية ومنشوف بالمقالع بحيرات"، مؤكداً تلوث جزء من المياه التي تروي منطقة فيع وغيرها". والتلوث حاصل، وفق ناصيف، ب "الديوكسين وأنواع أخرى من إنبعاثات الشركات والأسيد أيضاً، وأثبتته تحاليل أجرتها الدولة أيضاً.

ويضيف مختار كفرحزير يعقوب الياس عيسى أن الشركتين اعتمدتا أسلوبا شديد الخطورة لزيادة كمية الصخور المسحوبة. فهما "تستعملان الحفر الرجراج، وبدل ما ينزلوا سيران (يعني جلول) صاروا عم ينزلوا عامودياً وبشكل حاد". النزول العامودي لأعماق قد تصل إلى 500 و700 متر لفحص طبقات الأرض ونوعية التربة والصخور، يراه المختار خطراً كبيراً على خزانات المياه الجوفية "عم يفتحوا شبابيك ع باطن الأرض وهذا ما يلوث مياهنا".

وفي الاتجاه نفسه، يرى جعفر أنه يجب إجراء مسح على كل ثقب في الأرض. "ففي السابق كان في جبيل مثلاً 300 بئر يصرفون المجاري إليها، وهذه الآبار أينما وجدت ليست مخالفة للقانون فقط بل كارثة. ووزارة الطاقة هي من يفترض أن تراقب الآبار المحفورة وقعرها". ويرى جعفر أن هذا الأمر يؤدي إلى أمراض سرطانية بلا أدنى شك. ف "الصرف الصحي ليس هو ما يؤدي إلى الأمراض السرطانية بل الكيميائيات. كما أنه حين يتم تبريد المحرك، يوجد تآكل معادن، ويوجد حديد ورصاص وزئبق وهي كلها ترمى في المياه الجوفية، وهنا الكارثة".

يرى جعفر أن الخطر على مياه الجرادة يتأتى من الآبار المحفورة ذات القعر المفقود٫ آي تلك التي لا يوجد فيها مياه٫ وما زالت مفتوحة٫ إذا ما تم تحويل المياه المبتذلة للمصانع إليها، وعادت نحوه مياه البحر ونفايات الفلاتر". وبضيف جعفر "عندما تأتي مياه الأمطار وتأتي معها بالبقايا residu التي تنزل إلى التربة، ثم ترمى في الآبار المحفورة وهم لا يقومون بعزلها، هنا المصيبة. نحن كنا نقوم بعزل أي بئر نحفره. كنا نعزله 17 إلى 18 متر فنصب باطون كي لا تدخل المياه إليه". ولكن من يحصي ويراقب كم بئراً حفرت الشركات؟ "لا أحد يعلم". وعندما تسأله "أليست مسؤولية وزارة الطاقة؟ يرد جعفر "لم يعد من شيء اسمه وزارة الطاقة. فالوزارة "تضم 11 مصلحة، منها مصلحة واحدة فقط رئيسها قانوني بمرسوم، وما تبقى تكليف، معظمهم لا علاقة لهم باختصاص مصالحهم. نحن نعاني من خلل في كل الإدارة". حتى الجيولوجون "وظفت الوزارة 10 إلى 12 جيولوجياً ولم يبق فيها اليوم إلا جيولوجي واحد.

 

تلويث مياه البحر

هنا، أيضا نلمح مصادر عدة للتلوث ناتجة عن نشاطات شركتي الترابة.

ومن أبرز النشاطات الملوثة في هذا المضمار:

  • كيفية تفريغ البتروكوك في مرفأي شركتي الترابة. فما برحت الشركتان تفرغان البرتوكوك بطريقة بدائية. تحمل "غرافة" البوكلين البتروكوك من الباخرة وتفرغه في قشاط هو عبارة عن منحدر بجوانب مرتفعة قليلا ليذهب نحو مخازن الشركات. من البواخر ومع كل تفريغ ل"غرافة"، يتسرب بعض النفايات النفطية إلى البحر.
  • تخزين "الكلينكر" على شاطئ البحر مباشرة. ويمكن أن ترى بالعين المجردة (وهذا ما رأيناه في جولة بحرية) منحدرات الجيل على البحر وفيها بقايا الكلينكر الذي يحمله الموج العالي في حال العواصف، فيما تتدحرج حبيباته الصغيرة مع هبوب الهواء البحري نحو المياه.
  • تسريب النفايات السائلة من الشركة مباشرة في البحر. ومن هذه النفايات، الماء الناتج عن غسل البتروكوك الدائم لكي لا يشتعل، أو العائد لتبريد محركات الآليات الضخمة، وكل ما ينتج عن عملية التصنيع.

يضاف إلى كل ذلك  الأمطار الحمضية التي تسببها إنبعاثات الشركات "وهذه تؤثر في البيئة البحرية وخصوصا القريبة من الشاطئ، يعني الفايشة"، مما يؤثر على الثروة السمكية بشكل كبير.

وختاما في هذا المضمار، يجدر التذكير أن مصلحة الأبحاث العلمية والزراعية نشرت في عام 2018 تقريرا بيّن أن مياه الشاطئ اللبناني في شكا تتضمن نسبة عالية من المواد الصلبة، المغنيزيوم، الكلور وحامض الكبريت. كما كشفت عن تلوث بالمعادن الثقيلة بنسبة عالية من الزرنيخ، الرصاص، النحاس، الزنك، الكادميوم والزئبق.

 

 

تلويث التربة

يعيد المهندس الزراعي والخبير مع الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي جورج حنا جحا الضرر الحاصل في تربة الكورة إلى ستينيات القرن الماضي "عندما بدأت شركات الإسمنت في شكا بشراء التراب الأحمر من الكورة الوسطى (بشمزين ومحطيها). وقد صرح جحا في كتابه "كتاب الزيتون" الذي أصدره في أيار 2018 أن الشركات تسببت من خلالال ذلك "باقتلاع عشرات آلاف أشجار الزيتون وحفر الأرض وبيع التربة خلافاً للقانون"، وفق ما ورد في الكتاب نفسه.

كما أدى حفر مقالع التراب الأحمر 25 مترا إلى نشوء مستنقعات شتاء وفي الربيع، فيما يجف بعضها صيفا. وقد أدت هذه المستنقعات إلى سواد مناخ رطب، يشكل بيئة مناسبة لانتشار مرض عين الطاووس الضار جدا بشجر الزيتون. مرض ابتدأ مع أول مستنقع تم حفره في بشمزين. هذا فضلا عن أن الحفر أدى إلى انزلاق التربة في البساتين المتاخمة  مما أدى إلى يباس العديد من أشجار الزيتون التي فقدت جزءا مهما من تربتها وبالتالي غذائها.

وهذا ما أسماه رزق بالتدمير الجغرافي (الذي يضاف إلى التدمير الكيميائي المشار إليه أعلاه). ويتمظهر هذا الضرر بنهش الجبال لاستخراج المواد الأساسية من كلس. كما هناك "الحرزمان وهو مادة حمراء وتراب بركاني، ويستعمل كمادة أولية". ولذا، وفق رزق، يأكلون جبال البلدة ويدمرون الطبيعة، ويبالغون باستخراج هذه المواد غير مبالين بالضرر الواقع على البيئة والطبيعة. وهم بذلك يأخذون التربة المثالية لزراعة الزيتون".

إلى الضرر الحاصل من جراء استخراج التربة وتغيير المعالم الجغرافية للجبال والحقول، ثمة أضرار إضافية تعاني منها التربة أبرزها الضرر الناجم عن انبعاث غاز كبريت السيلفيريك والذي يحول التربة عند حصول أمطار، إلى تربة حمضية فلا تعود صالحة للزراعة.

 

الفلاتر، خدعة بصرية؟

إثر معارك ضارية خاضها أهالي الكورة ضد شركات الترابة، مطالبين بحقهم بتطبيق القانون والمعايير البيئية السليمة التي ترد عنهم شبح الموت بالأمراض، أعلنت الشركات وباحتفال حضره وزير البيئة في 2017 تركيب فلاتر "متطورة" تمنع ضرر الإنبعاثات عن الناس.

ولكن، هل حقا من شأن هذه الفلاتر، التي تأخر وضعها كثيرا، أن تؤدي الغرض الموعود منها؟

هنا، تلقينا ثلاثة أجوبة:

الأول، باح به لنا رئيس مجلس إنماء شكا سيمون غطاس، وهو موظف بموقع مسؤول في شركة هولسيم (الترابة اللبنانية) ومفاده أن "الفلاتر هي للغبار وليست للغازات". وهذا ما يتماشى تماما مع ما أسلفناه لجهة أن الفلاتر تعمل فقط خلال المرحلة الثانية من تصنيع الإسمنت ولا استخدام لها بالمقابل خلال المرحلة الأولى منه،

الثاني، أدلى به البروفيسور رزق: "علميا، المصافي، سواء كانت للغبار أم للغازات، لا تمنح حماية كاملة". "فيما هي تعمل خلال الفترة الأولى بشكل جيد، ثم لا تعود قادرة على التصفية بكامل طاقتها. ولا يمكن لأي فيلتر، وحتى لو كان حديثا، أن يعمل بشكل جيد أكثر من شهرين، وأن عمله عندما يتجاوز ذلك يتطلب وضع نظام صيانة صارما، يضمن حصول صيانة دورية، وشهريا في عدد من الحالات". ويتساءل رزق: "من يراقب صيانة الفلاتر دوريا؟ من يراقب حسن سير عملها؟". وفي أفضل الأحوال، في حال كانت الفلاتر بأفضل حال، فإنها، وفق رزق، لا يمكن أن تقضي على المواد الملوثة 100%"،

الثالث، أن ثمة شبهة تدعمها شهادات عدة على أن الشركتين توقفان استخدام الفلاتر في أوقات معينة وذلك من باب ترييحها وإطالة أمد صلاحها أو أن 15-20% من المطاحن ليس فيها فلاتر حديثة. ومن شهادات سمعناها من أكثر من شخص من أهالي الكورة أن "سُحبا داكنة حينا وسوداء أحياناً تخرج من الإنبعاثات". ويستدل هؤلاء الشهود من ذلك أن الشركات توقف العمل بهذه الفلاتر في أحيان كثيرة. كما يتحدث الكثير منهم عن تعطيل الفلاتر خلال ساعات العمل ليلاً. 

ولكن أخطر من كل ذلك، هو نقص الشفافية في رصد مدى نجاح هذه الفلاتر في الحد من الانبعاثات وفق ما أكده لنا كذا اختصاصي متابع[1].

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟

 

 


[1] يراجع الكادر الخاص بهذا الموضوع، منشور في هذا العدد.