جميل أن تكبر في فيع، تلك القرية الوادعة على أكتاف وادٍ يطل على شاطئ من أجمل شواطئ لبنان، هو ساحل الكورة الطبيعي. أنت أيضاً بقرب أهم أربع مدارس في القضاء: البلمند، الشويفات، IS، وAUSL .

يقصد منطقتك أبناء القرى الأخرى، وحتى أبناء طرابلس. كبرتُ وأنا أنتظر باص المدرسة كل صباح وشيء واحد يقلق راحتي: رائحة الشركة التي كنا نشتمّها كل صباح. روائح غريبة تأتي من الشركات المتموضعة في المنطقة الصناعية في شكا التي تطل عليها بلدتي.

 

قرية مسكونة بهاجس السرطان: نخبر عن الإصابة أو لا نخبر؟

في صغري سمعت عن أصدقاء القرية يفقدون أهلهم واحداً تلو الآخر. أذكر بعمر العاشرة زيارة جارتي التي تكبرني بعشر سنوات ومعها طفلة من عمري، كانت اعتادت أن تجمعنا لنلعب معا بين حين وآخر. لكن تلك الزيارة إلى منزلنا كانت لأسباب مختلفة. لقد توفي والد الطفلة بالسرطان وأرادوا إخفاء الأمر عنها إلى حين انتهاء مراسم الدفن. لم يريدوا لها أن ترى الحزن الذي يعتصر قلب والدتها وشقيقيها. بعدها خرجنا من المنزل وكان الورد منثورا على الأرض، سألت الطفلة جارتنا: ما هذا الورد؟ فأجابتها الجارة (أذكر تماما رجفان شفتيها): "إنه عرس لأحد الجيران". كانت تلك الوفاة أولى صدمات القرية، وحتى الصغار شعروا بهيبتها.

بعدها بقليل مات "جدو نزيه"، صاحب الدكان الوحيد في القرية، وكنا نكنّيه كذلك: فهو الذي لم يكن جدّا لأحد، اعتبرناه جدّا لكل أطفال القرية. قد يقول البعض: عادي فهو كبير في السن. لكن أن يموت أحد بهذا المرض الصعب لهو أمر جديد ومخيف. وبدأت أتعرف أكثر على هذا المرض من أحاديث الكبار: لا تخافوا أنه "غير معدٍ". ما زال بإمكاننا الذهاب إلى الدكان دون أن نلتقط المرض، فهو ليس فيروس ولا ينتقل باللمس. وهنا بديهيا بدأت التحليلات: ما هي أسباب المرض؟ ولماذا؟ هل هو بالوراثة؟ هل هو الخبز الساخن الذي يأتي بالنايلون؟ فلنأكل من خبز عمو فايز خبز الضيعة، ونضعه بقماش بدل النايلون. هل هي قوارير البلاستيك؟ فلنضع الزيت والمياه بالزجاج.

بعد وفاتهما بقليل، توفيت السيدة سلام والدة أصدقائي في المدرسة وجارتنا. هنا كانت الصدمة: فهي تركت وراءها أيتاماً من عمرنا. هل أنا مستعدة لخسارة والدتي بهذا العمر؟ هذا هو السؤال الذي تحكم بي منذ ذلك الحين.

منزل بيت آل مرعب يقع على فم الوادي. خطف المرض منهم إثنين وكرت المسبحة. فخلال فترة وجيزة، خسرنا سامي ووالده غطاس ونورما وبعدها والدها.

ثم جاء دور الخورية بهية الخوري الآتية من الجنوب، وعمو نقولا أيوب جاري، وبعده بعام شقيقه مخائيل...  كاهن القرية لويس حيدر كان من أكثر المصابين فيها. فبالإضافة إلى زوجته، فقد ثلاثة من أخوته بالمرض نفسه. توجهت إليه لأتحدث معه عن انتشار المرض، وبدأ يخبرني كم شخص مريض نجا من معركة الموت، كم منهم كتم مرضه عن أقرب المقربين منه وتلقى علاجه بصمت. معظمهم لا يريدون التحدث ليس خجلا من المرض، بل خوفا على مشاعر الذين يحبونهم. ذكر لي عن صبية ممرضة هي المعيلة الوحيدة لعائلتها التي تضمّ شقيقتها من ذوي الاحتياجات الخاصة. الممرضة التي أصيبت بالسرطان عالجت نفسها دون أن تخبر عائلتها... فقط كي لا يقلقوا. كانت "قديسة" بالتحمل.

حتى ذلك الحين، كان المرض يحصل للآخرين. وقد أمهلنا حتى 2012 ليقرع باب بيتنا. كنت في الخارج أتخصص عندما أخبروني على الهاتف أن أمي لديها ورم في صدرها. لقد وقع أكثر ما كنت أخشاه. هل سيحصل لي ما حصل لأصدقاء الطفولة؟ حتى تلك اللحظة، كنت ما زلت تلك الطفلة المرعوبة من أن تستيقظ وتجد والدتها مريضة. لم أعش تفاصيل مرض أمي كشقيقتيّ بسبب الغربة وتطمينات أمي على الهاتف يوميا: "ما بِني شي (ليس فيّ سوء)، طلعت وحدي على العلاج بزغرتا، لا لعيانة نفسي ولا شي، جاي إقلي سمك لأخواتك". وهكذا انتصرت أمي على السرطان ووضعت الشعر المستعار يوميا لتزور جدتي كي لا تعرف وتخاف عليها. بل كانت جدتي فخورة بأمي التي نحفت وتقول لشقيقاتها: "افعلوا مثل رضا (أمي) واضعفوا". توفيت جدتي في 2015 ولم تعلم أن أمي مرضت ثم انتصرت على المرض. في سنة 2016، وقبيل عرس شقيقي، عاد المرض إليها: أجرت العملية قبل العرس، وحضّرت الفرحة الأولى في منزلنا، واشترت أجمل فستان. بل كانت بأبهى حلتها ولم تشعرنا للحظة أنها مريضة. ثم هزمت المرض مجددا. كنت أستعمل حالتها مثالا لأطمئن ميلاد صديق الطفولة والذي أصيب بدوره في 2015 بالسرطان.

ميلاد شاب من قرية والدتي واسمها بترومين ملاصقة لفيع. ميلاد ضاهر معروف باسم آخر : ال "دينامو". لأنه الشخص الذي يجمع الناس من كل المناطق في منزله ويقيم الحفلات ويلعب الكرة الطائرة ويشارك بالمباريات وجميع أبناء القرية يحبونه. في الجامعة اللبنانية –الفنار- كان الشاب الذكي الذي يتخصص بالرياضيات وينجح. شجع الجميع أن يتعلموا بالجامعة الوطنية فالتحق به كثيرون من أبناء وبنات القرية. هو خفيف الظلّ يقرع الباب كمن يقرع الطبلة لا يتوقف إلا متى فتحت له. كان يكتب أيام الجامعة اللبنانية ويوزع المناشير ليواجه الطائفية والتقسيم و"الرجعية". وهكذا واجه المرض بنضال الكبار المبتسمين. خلال سنة مرضه (وقبلها)، سافر إلى بلدان عدة، وأبى أن يستسلم. في المساء كان يتجه إلى قهوة صديقه جوليان ليلتقي شلة من الشباب، هكذا كل ليلة دون انقطاع. إذا سأله أحدهم: كيف صحتك؟ يرد بضحكة ويغير صوته ليصبح رفيعا وطريفا "بدي دعوسه للمرض". خضع لعمليات عدة وعاشتها والدته معه كل لحظة إلى أن تغلب عليه. استسلم في 15 نيسان 2016 أي بعد أقل من عام من اكتشافه. في آخر أسبوعين، كان كل شباب القرية قربه يتبرعون بالدم يريدون لميلاد أن يعيش. وتحول مأتمه إلى عرس. لم تكن بترومين قد ودعت بعد مدام عفاف الشيخاني التي بدورها ماتت بالسرطان. هي التي علمتني اللغة العربية في صغري. وكان لديها أربعة أولاد، أحدهم زياد كان صديقي في المدرسة.

في أقل من أسبوعين خسرت بترومين ميلاد ضاهر ومدام عفاف. وكانت سبقتهم السيدة جومانا الشمالي، والدة خليل وسمر.

في أواخر 2017، عرفت أن راغدة وهي دكتورة بالعلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية وصديقة لوالدتي توفيت بسرطان المعدة وأن جسمها لم يتحمل المرض أكثر من أسابيع قليلة جدا. كيف سأخبر والدتي أنها لن تسمع ضحكة صديقتها، هي التي لا تعلم حتى أنها مريضة أصلا كبقية أبناء القرية.

من الضحايا الذين أرغب أن أسميهم، الصبية بوليت سلوم من أنفه التي غادرتنا منذ أيام. ستتحدث بنفسها عن كيفية مواجهة المرض في كتاب تعمل على تجميعه شقيقتها رلى. أرادت بوليت أن تعطي الناس معنويات وابتسامة ربما. لم يبرد جسمها بعد حتى سمعنا بوفاة صبية أخرى في أنفه. لم أستطع بعد التحدث مع عائلة الصبية الأخرى لاستئذانهم في ذكر اسمها في هذا المقال. عمو رضوان في فيع رحل سريعا منذ أيام أيضا. تزوجت ابنته هذه الصيفية وفرح بها، ثم اكتشف مرضه بعد العرس وتوفي في ظرف شهر.

عشت حالات وفاة كثيرة بالسرطان في قريتي فيع وفي قرية والدتي بترومين اللتين لي فيهما ذكريات وأصدقاء. حتى ريما، ملكة جمال الشاطئ وإحدى أجمل الصبايا في الشمال، جارتي الصبية التي اصطحب صديقتي إلى بيتنا لتحميها من هول دفن والدها المهيب. الصبية التي تنظم مهرجانات للأطفال في القرية. حين أصيبت، كان لديها ولدان بعمر المراهقة تريد لهما أن يزورا أوكسفورد وهارفرد في فرصهما الصيفية. خاضت علاجها وانتصرت ببسمة لم تفارقها قط.

 

نغلب الخوف بالفعل

اتصل بي المنفذ العام في الحزب السوري القومي الاجتماعي د. جورج البرجي لتحضير مؤتمر بيئي في خريف 2017. فاتصلت بطبيب والدتي وطبيب ميلاد وهو الدكتور باسم قبرصي رئيس قسم الأمراض السرطانية في مستشفى القديس جاورجيوس في بيروت. وكان يدرك أن نسب السرطان في القرى المحيطة بالشركات أكبر من نسب السرطان في بقية المناطق. فطلب أن نمسح المنطقة وأن نأتي له بأرقام علها تخبر دولتنا عن وضعنا في المناطق القريبة من المنطقة الصناعية في شكا.

خلال الإحصاء، كنا نخرج من المنازل مهزومين فأجمع قوتي من ميلاد، من أمي، من ريما...  هم واجهوا المرض بضحكة فأعود إلى حياتي أقوى. لكن نسبة الحزن التي تلف الكورة والتي تنبه إليها د. برجي ود. قبرصي وغيرهما (د. جوزيف حنا...) أدت أخيرا إلى إلقاء الضوء على المسألة. إنها ليست قصة خبز بالنايلون فقط ولا المعلبات ولا التدخين فقط ... هناك عامل القرب والبعد عن الشركات. خلال الإحصاء، أخبرتني النساء في شكا أنها كانت ترى الغسيل "مبخوش" أي فيه ثقوب بعد نشره لينشف في الهواء. هنا فقط تعرف نوعية الهواء في تلك المنطقة. اكتشفت خلال تجولي على البيوت التي أصيبت أمرين: الأول، أن غالبية أبناء ضحايا المرض رحلوا عن المنطقة. والثاني، أنهم من أكثر الناس الذين يحاربون مصادر التلوث على مواقع التواصل الاجتماعي. لن يفهم أصحاب الملايين قصصنا وما نعيشه. فهاجسهم هو الربح السريع، مضاعفة أرباحهم ولو بقتلنا جميعا.

لكن مهلا، هل الهدف أن نلحق نتيجة التلوث الذي نعيشه وأن نحصي جميع الوفيات بالسرطان ب "دقة" ونتسابق مع الزمان؟ المرض بات يخطفهم بظرف أيام وأسابيع قليلة. إذا كانت دولتنا لا تفرض معايير على الشركات، كيف ستكون المحارق الآتية إلينا؟ ما هي المعايير البيئية التي يجب أن نثق بها؟ تجربتنا في الكورة تعلمنا أنه لا يجب الوثوق بالإدارة العامة طالما الفساد ينخر عظامها. هي لا تهتم بموت الناس وما برحت تغسل أيديها منه. حان أن ننظم المواجهة ضد هذه المجزرة.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟