بين ١٩٩٦ و٢٠٠٥، ارتفع عدد المقالع في لبنان من ٧١١ إلى ١٢٧٨. ٢١،٥% منها تتواجد في غابات وأراضٍ خصبة، بينما ٣٢،٤% تتمركز في الأحراش والمناطق العشبية، و٣،٢% منها داخل المناطق المدينية ١ . ويتم هذا الانتهاك الواضح لموارد المناطق وللمشاهد الطبيعية ولصحة السكان بالرغم أن ترخيص المقالع يخضع لأنظمة وشروط ومخططات توجيهية. مع ذلك، تتموضع معظم المقالع القائمة اليوم في مواقع تتعارض مع كلا المخطط التوجيهي للكسارات والمقالع ومع توصيات الخطة الشاملة لترتيب الأراضي على

حدّ سواء.

 

كيف يتم تنظيم وترتيب المقالع في الأراضي اللبنانية؟

حتى عام ٢٠٠٢، لم يكن لتنظيم قطاع المقالع طابع جغرافي، بل كان ينظم فقط من خلال سلسلة من الشروط التي قلما عملت الإدارة على فرض احترامها واقعياً.

أول خريطة حددت مناطق مخصصة لإقامة مقالع صدرت بمرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٢. بحسب مصدر من وزارة البيئة، وضع مجلس الوزراء هذا المخطط التوجيهي استناداً إلى دراسة قام بها المكتب الاستشاري «دار الهندسة» في التسعينات على طلب من المديرية العامة للتنظيم المدني، حددت فيها ٢٠ منطقة صالحة للقلع. قام مجلس الوزراء باختيار ٤ من هذه المناطق للمخطط التوجيهي، دون استشارة  وزارة البيئة، ودون معايير ومبررات واضحة لكيفية اختيار المواقع. لكن عندما ننظر إلى هذه الخريطة، نجد أن المشترك بينها هو تموضعها في القضاء الأكبر في لبنان (قضاء بعلبك) حيث معدّل الكثافة السكانية منخفض، وقربها من الحدود اللبنانية-السورية، وبعدها عن المدن الرئيسية.

ثم في عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٥، قامت وزارة البيئة بدراسة لتحديد ١١ منطقة إضافية لخريطة المرسوم. تم ذلك دون استشارة البلديات المعنية وفي غياب توصيات الخطة الشاملة، إذ صدر تعديل الخريطة في ٢٠٠٩ قبل شهرين من صدور الخطة الشاملة لترتيب الأراضي الصادرة بمرسوم ٢٣٦٦\٢٠٠٩. لتحديد هذه المناطق، قامت الوزارة باتباع معايير خاصة بها لاختيار المناطق الإضافية: البعد عن السكن، عن المجاري الشتوية، عن المحميات، البعد عن المدارس، البعد عن أماكن العبادة، البعد عن الشاطئ، البعد عن المناطق الحساسة بيئياً. ومع أن الدراستين أقيمت في نفس الفترة الزمنية٢، وبالرغم عن تطابق هذه المعايير مع معايير الخطة الشاملة، فإن الخرائط الناتجة عنها تتضارب معها.

نظرا إلى المرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٢ وتعديلاته، يظهر أن نظرة الإدارة العامة للأراضي نظرة خرائطية مجردة، بعيدة عن التفاصيل والحياة اليومية، تتجاهل تعقيدات مثل وجود مراكز قروية سكنية ورقع زراعية وغابات ضمن أجزاء من المخطط -  أبرزها بلدات طفيل، عين الجوزة، عين بورضاي، عرسال، راس بعلبك والقاع في قضاء بعلبك؛ بلدات عرمتى، الريحان، والعيشية في قضاء جزين؛ بلدة عين ابل في قضاء النبطية؛ بلدتا عيتا الفخار وينطا في قضاء راشيا؛ دير الغزال وقوسايا في قضاء زحلة؛ بلدة الكفور العربي في قضاء البترون؛ وما تشمله هذه البلدات من رقع طبيعية وزراعية. وسط فضائح مقالع الكورة المزمنة حيث يتجلى تواطؤ الدولة مع عمل المقالع ومدى تهرّب الشركات من الشروط القانونية، وغياب الضوابط على الإنتاج، ليس هناك ما يضمن أن المقالع، وإن أقيمت في تلك المساحات المشرّعة، لن تنفلش لتلتهم تلك القرى والجبال بأكملها.

إضافة إلى ذلك، عند صدور الخطة الشاملة في ٢٠٠٩، تبيّن أن حوالي نصف المناطق المشرّعة لإقامة المقالع تتعارض مع توصياتها. وبالرغم من أنه يفترض تغليب أحكام الخطة الشاملة عند حصول تناقض نظراً لكونها النص الأحدث عهداً، لا زال المخطط التوجيهي المرفق بمرسوم المقالع الصادر قبلها، هو المرجع في عملية تنظيم المقالع. في بعض المناطق، تشكل المقالع هدراً واضحاً لموارد وإمكانيات بلدات وقرى، إذ يسمح المخطط بإقامة المقالع بالقرب من مناطق لحظتها الخطة الشاملة بأنها ذات أهمية وطنية يقتضي حمايتها، أبرزها سهل البقاع الزراعي الملاصق بها، أو من مناطق تمنح مشاهد طبيعية فريدة من نوعها مثل جبال السلسة الشرقية، ووديان ومناطق إيكولوجية متواصلة مثل وادي البقاع الممتد ما بين الجبال الغربية والشرقية.

علاوة على تجريد الخطة الشاملة من مفاعيلها، بحيث لم يتم تعديل المخطط التوجيهي للمقالع، إن المخطط يتجاهل ويتفادى تماماً المقالع المخالفة والعاملة دون أي سند قانوني، كما تلك الموجودة خارج المناطق المشرّعة. فعمل المخطط بخريطة مبسطة دون أن يتفاعل مع المقالع الموجودة على أرض الواقع أو يطرح كيفية للتعامل معها، أو للحدّ من مخاطرها، أو لاستيعابها، وكأن تغييب المقالع الموجودة من الخريطة يكفي لرسم خريطة جديدة لتنظيم القطاع. هذا التبسيط يدل على عمل تشريعي سطحي ووهمي، لا غاية حقيقية له بالتنظيم الفعلي أو الإرشاد المستدام. 

انطلاقاً من الإحصاء الذي قام به المهندس أنطوان عطالله٣ في ٢٠١٨، أنتج «استديو أشغال عامة» خريطة تظهر تضارب الخريطتين، وتبرهن أن النسبة الساحقة من المقالع القائمة والمهجورة في لبنان تخالف كلا من أحكام مرسوم المقالع وتوصيات الخطة الشاملة. عدد بسيط من هذه المقالع لديه رخص مؤقتة مزمنة، وإن كان لمقلع ما رخصة، غالباً تكون صادرة عن سلطات لا اختصاص لها بتنظيم القطاع وفق المرسوم الحالي (مثلاً، وزارة الداخلية). وبطبيعة الحال يتم الحصول عليها بواسطة النفوذ السياسي أو الاقتصادي، دون المرور بالمراحل المحددة بالمرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٢ ودون الخضوع لشروطه. لذا يصحّ اعتبار أن هذا القطاع يتواجد في مساحة لا-قانون.

 

لماذا تتموضع المقالع خارج المناطق المشرعة؟

بين ٢٠٠٢ و ٢٠٠٩، لم يتم التقدم بطلب إلا لأربع رخص ضمن المناطق الشرعية. تم قبول الطلب لثلاثة منها، أما الرابعة فلم توافق عليه بلدية عيتا الفخار (قضاء راشيا)، ما أدى إلى رفض الطلب ٤. بحسب موظف سابق في وزارة البيئة، ثمة سببان تراكميان لقلة طلبات الترخيص في المناطق المسموح بإنشاء كسارات ومقالع فيها وفق المخطط التوجيهي: الأول، هو بعدها الجغرافي عن الساحل، مما يزيد من كلفة النقل والتصدير مقارنة بالمقالع غير المشرّعة؛ الثاني، هي ضعف تطبيق القانون على المقالع المتواجدة خارج هذه المناطق، وتحديدا الأقرب منها إلى الساحل. فباجتماع هذين السببين، نكون أمام علاقة تنافسية غير متوازنة وغير مشروعة لصالح المنشآت المخالفة، أقله طالما بقي غض الطرف عن المخالفة قائما.

لم يتغير الوضع بعد إضافة ١١ منطقة في ٢٠٠٩، فلم يقدم إلا عدد بسيط من طلبات الترخيص. في بعض الأحيان، البلديات نفسها كانت مصدر رفض الطلب. على سبيل المثال، بلدية ينطا (قضاء راشيا) لا تعطي أي تراخيص مقالع بالرغم عن وجود منطقة مخصصة من المرسوم في نطاقها، وكذلك بلديات مجدل زون (قضاء صور) والطيري (قضاء النبطية) وعين إبل (قضاء بنت جبيل). بلدية  قوسايا - دير الغزال (قضاء زحلة) طلبت إزالة المنطقة التي حددها المرسوم بكاملها، لكن ذلك يتطلب تعديل المخطط من قبل مجلس الوزراء. هذا دليل على أهمية إشراك السلطات المحلية في عمليات التنظيم على المستوى الوطني، خاصة فيما يخص مشاريع ومنشآت تستهلك موارد متناهية وتؤثر على الصحة والسلامة العامة وعلى البيئة وعلى استدامة الموارد الطبيعية.

وكان صدور مرسوم «التقييم البيئي الإستراتيجي لمشاريع السياسات والخطط والبرامج في القطاع العام» (٨٢١٣\٢٠١٢) فرصة لضبط القطاع بما فيه من ممارسات غير رسمية، ولكن لم يكن للمرسوم أي مفعول رجعي على المقالع القائمة.

 

 

ما هي العوامل الأساسية لإنفلاش وانفلات القطاع؟

إضافة إلى فشل السلطات في ضبط كميات الإنتاج وتطبيق الشروط وفرض العقوبات على المخالفين وفقاً للمرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٩، تتوضح الدوافع لإبقاء القطاع في حالته الخارجة عن القانون عندما ننظر إلى السياسات الإقتصادية الوطنية وإلى تداعياتها المحلية.

في ١٩٩٣، قرار الحكومة منع استيراد الإسمنت كان له تأثيران مهمان: من ناحية، أدى إلى احتكار السوق من قبل شركات الإسمنت الثلاث المتواجدة في لبنان ٥، ومن ناحية أخرى، شجّع القطاع على التفشي لتلبية حاجات البلد والمنطقة في (إعادة) الإعمار. النشاط المحلي في قطاع البناء بما فيه من مشاريع ردم على البحر، يشكل عاملاً أساسياً في تضخّم القطاع.

وكذلك اليوم، في غياب أي سياسات تدعم القطاع الزراعي وتحمي الموارد الطبيعية، ومع إعلان لبنان شريكاً رئيسياً في إعادة إعمار سوريا، نرى مقالع تستنزف موارد المناطق الريفية، فتعدم اقتصادها الزراعي وتشوه مشاهدها وتضرّ صحة سكانها وتهدد قرى كاملة بالامّحاء ٦. تتجلى هذه الحالة في مقالع  كفرحزير وبدبهون في الكورة، حيث تم أيضاً إضعاف اقتصادات محلية تاريخية مثل زراعة الزيتون عبر سماح وتسهيل استيراد زيت الزيتون منذ أواخر التسعينات ٧.

إضافة إلى ذلك، لم تقم أي دراسة للتوفيق ما بين مخطط وشروط مرسوم المقالع والخطة الشاملة لترتيب الأراضي. بحسب مصدر في وزارة البيئة، في ٢٠١٢، صدر القرار رقم ٥٠ (٧\٣\٢٠١٢) عن مجلس الوزراء تحت رئاسة نجيب ميقاتي لتشكيل لجنة وزارية لإعادة النظر بالمخطط التوجيهي. اجتمعت اللجنة وقامت بدراسة ورفعت اقتراحها، لكنه بقي «في الجارور». في ٢٠١٤، صدر قرار رقم ٣٣ (٩\٥\٢٠١٤) عن مجلس الوزراء  تحت رئاسة تمام سلام لتشكيل لجنة وزارية لوضع مخطط جديد. لكن لم تجتمع هذه اللجنة أبداً. ومؤخراً في ٢٠١٧، صدر قرار رقم ١٠٢ (٤\٥\٢٠١٧) عن مجلس الوزراء لتشكيل لجنة حكومية لمتابعة دراسة موضوع المقالع والكسارات. حتى اليوم، لم تجتمع هذه اللجنة إلا مرة واحدة.

أخيراً، مع أن المرسوم ٨٨٠٣\٢٠٠٩ وقرار وزير البيئة رقم ٤٨\١ (٢٥\٠٦\٢٠٠٩) يضعان شروطاً واضحة تفرض إعادة التأهيل ضمن المقالع القائمة وكذلك في المقالع المتوقفة عن العمل، من الواضح عند النظر إلى مشاهد الجبال المتآكلة التي تحيط بنا أنه لا يتم تطبيق هذه الشروط.

غياب إطار قانوني-تنظيمي موحّد، عدم تطبيق الشروط والأنظمة والعقوبات، عدم تنظيم المقالع القائمة، ووجود سياسات اقتصادية تحفّز على القلع وتعدم اقتصادات بديلة: هذه وغيرها من عوامل أنتجت المشهد الموبوء الذي يميّز جبالنا اليوم، إذ يبدو الاستثمار في قطاع المقالع مربحاً على المدى القصير وخالياً من أي تداعيات تعاقب الإخفاقات والممارسات المدمّرة للصحة والمصلحة والموارد العامة على المدى الأطول.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟

 

١ Assessment Of Abandoned Quarries For Revegetation And Water Harvesting In Lebanon, East Mediterranean, T. M. DARWISH, R. STEHOUWER, D. MILLER, J., SLOAN, I. JOMAA, A.SHABAN, C. KHATER and M. HAMZÉ, 2008 (https://ecosystems.psu.edu/research/labs/

environmental-soils/publications/assessment-of-abandoned-quarries-for-revetetation-and-water-harvesting-in-lebanon-east-mediterraean)

٢  ما يفترض أن المعطيات الميدانية لم تتغير جذريا ما بين الدراستين

٣  مهندس معماري ومصمم، عضو ناشط في المجتمع المدني في لبنان وفي المناصرة من أجل النقل العام والتراث والمساحات العامة.

٤ الرجوع إلى جدول «الإطار القانوني لترخيص المقالع»

٥ شركة الترابة الوطنية - السبع؛ شركة الترابة اللبنانية - هولسيم لبنان؛ وشركة ترابة سبلين

٦ هذا هو وضع قرية بدبهون في الكورة حيث تشكل مساحة المقلع أكثر من ربع مساحة القرية

٧ في ١٩٩٨، تم تنفيذ اتفاقية «تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية» التي انضم إليها لبنان في العام 1985. تقوم الاتفاقية بتحرير التبادل التجاري بين الدول العربية من الرسوم والقيود المختلفة، الذي سمح بدوره باستيراد زيت الزيتون من تونس وسوريا الى السوق المحلي.