درج أهالي قضاء الكورة على الافتخار بمسألتين مهمتين: شجرة الزيتون والنسبة الأعلى من حملة الشهادات الجامعية في لبنان. الزيتون في الكورة ليس فقط رمزاً للسلام: له هنالك مكانة شبه مقدسة كونها كانت لزمن طويل وسيلتهم لتعليم أبنائهم واحتلالهم المركز الأول بالتعليم في لبنان، كما ينقلون عن دراسة أجرتها الأونيسكو.

مع الزيتون، أنعمت الطبيعة على الكورة وساحلها تاريخيا بثروة من الأشجار المثمرة من التين والعنب واللوز والرمان وحتى التوت لغزل الحرير قديما، وبعض أشجار البلح في شكا.

هذه الميزات ضربتها، كما ضربت صحة أهالي الكورة شركات الإسمنت المتمركزة مع صناعات أخرى، أبرزها معمل السكر والجبالات والزفاتات وخزانات تخزين الفيول ومسالخ الدجاج التي يرمي بعضها نفاياته في الوديان وإلى البحر مباشرة. تهديد وصل، وفق ما يؤكد أهالي قرى الكورة، إلى القضاء على أشجار التين واللوز والعنب والرمان. وحدها الزيتونة لصلابتها وقوة شكيمتها صمدت كشجرة، ولكن مواسم عطائها تأثرت فزادت من وتيرة المُحل (سنيّ عدم حمل حب الزيتون)، فيما يبس بعضها نتيجة مقالع الشركات التي استخرجت التراب الأحمر من سهل الكورة الوسطى في الستينيات.

 

مليونا شجرة زيتون

لم تلتصق صفة الإخضرار إلا بالكورة بعد "لبنان الأخضر". فكانت "الكورة الخضراء". وقد أتت التسمية ليس من السنديان والغطاء الأخضر الذي كان يكلل هضابها وجبالها فقط، بل بشكل خاص من نحو مليوني شجرة زيتون كانت تنتشر في أراضيها، وفق ما يؤكد ابن بشمزين الكورة المهندس الزراعي والخبير مع الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي جورج حنا جحا ل"المفكرة".

يقول جحا في "كتاب الزيتون" الذي أصدره في 5 أيار 2018، أن كروم الزيتون في الكورة تغطي 54 ألف و958 دونما من مساحة الكورة الزراعية البالغة 62 ألف و929 دونما أي 86%.

يعيد جحا إهمال الزيتون في الكورة إلى ستينيات القرن الماضي "عندما بدأت شركات الإسمنت في شكا بشراء التراب الأحمر من الكورة الوسطى (بشمزين ومحطيها). تسببت هذه الشركات "باقتلاع عشرات آلاف أشجار الزيتون وحفر الأرض وبيع التربة خلافاً للقانون"، وفق ما ورد في الكتاب نفسه. كما أدى حفر مقالع التراب الأحمر 25 مترا إلى نشوء مستنقعات أدت إلى سواد مناخ رطب، يشكل بيئة مناسبة لانتشار مرض عين الطاووس. مرض ابتدأ مع أول مستنقع تم حفره في بشمزين. وبعده لفت مجلس إنماء الكورة الذي أسسه جحا إلى أن "400 ألف شجرة زيتون في المنخفض الكوراني تأثرت بهذا المرض إلى درجة عدم حمل الثمار". هذا فضلا عن أن الحفر أدى إلى انزلاق التربة في البساتين المتاخمة  مما أدى إلى يباس العديد من أشجار الزيتون التي فقدت جزءا مهما من تربتها وبالتالي غذائها.

بعدما يلفت أنطوان ملكي، كاهن عفصديق، وهو أستاذ في جامعة البلمند، إلى ما استكملته الشركات من تدمير زراعي للكورة بعد وقف مقالع التراب الأحمر في منتصف ثمانينات القرن العشرين، من خلال المقالع، يتوقف عند الأضرار التدميرية للشركات على الناس والكنيسة: "بالكنيسة ما عنا مداخيل غير كم شقفة أرض مزروعة زيتون، وكذلك مردود القداديس من جناز وأكاليل. لم يعد الزيتون يعطي. ففي فترة تعقيد حب الزيتون تأتي غبار مقالع الشركات وترقد ع الزهر والبراعم. ومع نزول الندى الليلي يتحول الغبار إلى بلاطة تراب مثل الصخر وتسكّر على حبة الزيتون وتقتلها". وعليه تنعدم المواسم.

كانت عفصديق تتمتع ب "وادي التين"، وفق الأب ملكي، و"كنا ندفع بعض مصاريفنا من التين والعنب والزيتون. اليوم انتهى التين، ولا نجد في كل عفصديق ثلاث أو أربع تينات". يتذكر الخوري "أنا بوعى إنه في بيوت كانت عايشة وعلمت أولادها من موسم التين والعنب أيضا. والعنب أيضاً مات في عفصديق، والمؤسف أن العائلات استسلمت ولم تتشجع على التجديد بسبب الشركات وانبعاثاتها ومقالعها".

تصديقا لكلام الخوري، تذهب والدته، أم طوني وتأتي بورق وعناقيد عنب من جنينة منزلها في عفصديق: ورق بنّي مثقوب وعناقيد ذابلة يأكلها الغبار ولونها بني أيضاً "حتى التين مات أيضاً"، تقول بحسرة تلك السيدة الثمانينية التي كانت تقضي معظم وقتها بين مزروعاتها في حديقة البيت "مات كل شي، وأكلت الغبرة صحتنا وبيوتنا كمان".

يسرح خوري فيع سمعان حيدر في ذكرياته عن منطقته. يقول الرجل التسعيني ل"المفكرة" "كانت تلالها حلوة كتير، كنا نحن وطالعين من شكا ع كفرحزير نعبر تلالاً وهضاباً على الناحيتين، خضراء وجميلة ومشرفة ع البحر". يكمل الأب حيدر: "اليوم، في مقالع حافرة خنادق ووديان بانحدار مئتي متر أو أكتر. توقف الناس، عن النزول إلى أراضيهم "لأنها خربت". تملك عائلته "كرم لوز"، لم تحمل ثماراً أيا من شجراته الأربعين "غبار الشركات قتل الشجر كمان".  قطع الخوري الشجر اليابس "وضعنا مؤلم، بيبكّي، بيحزّن".

بعدما يروي رئيس اتحاد بلديات الكورة، ورئيس بلدية دار بشمزين، كريم أبو كريّم رواية ما فعلته الشركات بسهل الكورة والمستنقعات وتلف الزيتون ومرض عين الطاووس. يعتبر أن هذه المشكلة تحتاج لمئة عام لتعويضها ربما "من وين بدنا نرجع تراب الزيتون؟". يتابع: "خسرت الكورة وتخسر كل سنة إضافية، وما زالوا مستمرين بتدمير ما بقي من ثروتنا الزراعية والمائية". يقول أن البلديات حاولت جعل وزارة الزراعة ترش أدوية مكافحة لمرض عين الطاووس لسنوات عدة "ولكن ما وافقوا وكان عم يحضّروا كوميسون وسمسرة من وراها فوقفنا الشغل عليها".

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟