يقف إيلي الروملي، إبن كفرحزير وتحديداً إبن حي المجيدل، في منزل عائلته الحجري القديم، ليؤشر بيديه الإثنتين إلى الهدم الذي طال منزل عائلته: "هنا (في سقف غرفة الجلوس)، انهار علينا جزء من تلبيسة السطح. هناك في غرفة النوم وقع نصف العمود على سريري ولكني والحمدالله لم أكن نائماً في داخله...وهنا وهنا وهنا...". الحصيلة تهجر إيلي وعائلته من المنزل. تركوا المجيدل وكفرحزير وهربوا نحو شكا، تاركين المكان لآليات شركتي الترابة الوطنية (السبع) ولهولسيم حيث أقامتا مقالعهما بالقرب من المجيدل في كفرحزير ووادي عين قاش.

تقع المجيدل على تلة جميلة في كفرحزير. تطل على شركتي الترابة في شكا، وهي على مرمى حجر من ساحل الكورة الطبيعي. في بلد طبيعي تحترم فيه السلطات الرسمية حق ناسها ومناطقهم بالصحة والبيئة والحياة الكريمة، كانت المجيدل لتكون لؤلؤة الكورة. يتربع الحي على مثلث أحد جبال كفرحزير، يحيط به حرج من الزيتون والسنديان والبلان وأنواع مختلفة من الأشجار المثمرة. جاءت مقالع السبع وهولسيم وابتلعت المكان. راحت آلياتهما تحفر من كل حدب وصوب.   

يقول إيلي أن منزل عائلته قد هدته تفجيرات الشركتين "تزعزع البيت وصار يتصدع، ويوقع علينا إشيا. يعني هجرونا منه". هرب أيلي وعائلته إلى شكا "مؤقتاً". مؤقتاً لأنه كان في المجيدل ليشرف على بناء بيت جديد وجميل قام بتلبيسه بالحجر "تماماً أردته حجري متل بيت أهلي". ولكن كيف يجرؤ؟ وبيوت المجيدل تتصدع بيتا وراء الآخر؟ "أنا أحب منطقتي وأرضي، وبدي قلهم مش رح نترك أرضنا لياكلوها وينهشوها. بدنا نبقى بحصة بعيونهم وبدنا نوقف مقالعهم".

إيلي الروملي هو الوحيد الذي تحدث إلينا في المجيدل. كل من بقي من الحي يائس من إمكانية التأثير في الشركتين "كل المسؤولين معهم"، تقول سيدة كانت وعدتنا بأن تحدثنا عما أصاب بيتها والمزروعات التي يهتم بها زوجها، لكنها عدلت في آخر لحظة "للصراحة تعبت من حكاية قصتنا وما حدا بيسمعنا ولا بيتغير شي".

ونحن نغادر بيت هذه السيدة نرى جدران منزلها المتشققة، فيما نلحظ أكواما من حب الزيتون المصاب بمرض عين الطاووس في حديقتها، في الوقت الذي كانت ابنتها تغسل الغبار المتراكم على النوافذ.

يقول رئيس لجنة كفرحزير البيئية جورج عيناتي ل"المفكرة" أنه لم يبق في المجيدل سوى نحو خمس عائلات من حوالي عشرين عائلة. هجرت شركتا الترابة هؤلاء نحو شكا بسبب تصدع منازلهم بفعل قوة التفجيرات التي لا يراقبها أحد، فيما أكل الغبار رئاتهم.

ومع المقالع انقطع رزق أهالي المجيدل. لم تعد زهور الزيتون تعقد براعم الحبوب. فهاجروا يبحثون عن لقمة عيش في أمكنة أخرى، بعدما لم يعد السكن في منازلهم آمناً.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟