قبل عشرين عاماً من اليوم، وبرغم بدء عمل شركتي الترابة في شكا، لم يكن راعي المواشي عطالله، يأخذ معه "زوادة" طعام، حين يخرج بقطيعه إلى مراعي الكورة، وتحديدا في بدبهون وكفرحزير. كانت أحراج الكورة تكتنز التين واللوز والإجاص البري وحتى المشمش وطبعا الزيتون. وكان هناك باقة متنوعة من السليق البري والهندبة البرية وقرص العنة، وغيرها من الأعشاب المفيدة. لم يكن عطالله يأتي بقارورة ماء حتى. يأكل من خيرات الجبال حين يجوع، ومع ثروة الكورة المائية وأنهارها الأربعة وينابيعها المتفجرة، لم يكن يشعر بالعطش حتى يصل نبعاً أو نهراً فيشرب منه مع قطيعه.

أحب عطالله حياة البراري، ولذا ورث مهنة الرعي عن والده "ما بحب الزربة بالبيت أو حتى الشغل بمكان معين، بحب إسرح بالطبيعة، فكيف إذا كانت في أراضي الكورة؟" وبماذا تتميز أراضي الكورة يا عطالله؟

"كنا نسير على هضاب تعلو البحر ب 250 إلى 400 متر عن سطح البحر. ننزل إلى وديان غنية بالعشب والخير، كانت أراضي الكورة من أجمل الأراضي بلبنان". سبق لعطالله أن جرب الرعي في أمكنة أخرى حين مُنع والده من رعي قطيعه في كفرحزير "يومها قالوا طلع قرار منع الماعز في كفرحزير"، يقول. لم تصمد عائلة عطالله كثيراً خارج المنطقة "كان بيي بيحب الكورة فرجعنا". باع والده الماعز واستبدلها بالأغنام لأنها لا تضر الأشجار وتسهل السيطرة عليها.

يضحك عطالله من فكرة حماية كفرحزير من الماعز. "كانوا يحموها من الشركات مش أفضل؟ نحن لا نضرها، ولا نأخذ قطعاننا إلى أرزاق الناس أو الأحراج. مقالع الشركات نهشت قلب المنطقة"، يقول.

لا يوجد جبل في الكورة لم تطأه قدما عطالله "اليوم تغيرت كل المعالم". كان يسقي قطيعه من نحو خمسة ينابيع "هلأ اختفوا". واليوم يأكل الغبار الأعشاب "مغطاية بالأبيض إذا بقي أعشاب"، صار يعاني مع أولاده وزوجته من الربو والحساسية "والله يستر ما موت متل أختي بالسرطان". ماتت شقيقة عطالله التي سكنت في شكا منذ كانت في ال 13 من عمرها.

سليق البراري صار ورقا مثقوبا بسبب الإنبعاثات والغبار التي تسكر مسامه "بتحسي الدني مرشوشة بودرة".  أما جبال كفرحزير ومحيطها ومعها بدبهون فقد"اختفت. الشركات شاريتها والشركات أكلتها. أنا بعرف قديش كان بدي وقت لإقطع الجبل من أسفله إلى الأعلى، هلأ صارت الجبال وديان".

صار تركيز عطالله على حماية قطيعه وليس رعيه "بيضلو غنماتي يوقعوا بالمهوار، وأحيانا كتير بخسر ع الأقل غنمة كل شهر، فجأة نصل إلى حافة مقلع بعمق مئة 100 إلى 200 إلى 300 متر".

لم يعد هناك سنديان "أوقات بلملم حطب للصوبيا تبعي قد ما قلعوا سنديان الجبال كلها". مع السنديان قلعت شركات الترابة التين البري والإجاص البري والبطم والسنديان والبلان والعفص والهزال...كله أكلوه يمكن ملايين الأشجار، مش ممكن نحصيها بالعقل. شي مش قريب ع العقل. عم تحكي عن أحراج بملايين الأمتار". يقول.

يتحدث عطالله عن جبل "الشميس مقابل مار تقلا. كان ارتفاعه عن الأرض 35 مترا. اليوم صار واديا بعمق 150 متر بانحدار حاد. بأدما تحت صار الجبل وادي بعمق 350 متر. صارت الجرافات بمستوى النهر، الجرافات عم تشيل كل شي بطريقها. جبل من المجيدل إلى شكا أزالوه كله ورح تزحل المجيدل ع البحر".

كان عطالله يترك قطيعه يسرح و"نكزدر وراه. هلأ كل خريطة المراعي تغيرت، أخفت الشركة جبالاً واستحدثت ودياناً. في عين بيقولولها عين بطرس إذا بنزل عليها بيطق قلبي . كنت أنزل أسقي العنزات منها". إلى عين بطرس كانت تأتي الحساسين والبلابل والطيور "اليوم ما بقي في مي وما بقي في طيور، حتى الطيور هربت والناس ما فيها تهرب" يضيف عطالله بأسى.

يحكي إبن الجبال عن التفجيرات في المقالع"والله بتخوف، بتحس الجبل عم يرج تحت منك. عم يستعملوا آليات بتبحش للألغام ع أمتار عميقة جدا. في دقاقات ماريني للحفر للألغام. ما بعرف قديش بيحطو إلها ديناميت، يلي بعرفه إنه لمن بتنفجر، الجبل بيتحرك تحت مني، عم يمرنوننا يظهر ع الزلازل".  

يرى عطالله أن حياته بخطر أيضاً "وقت لبيفجروا أحيانا بتنزل عليي حجارة وأوقات صخور إذا كنت بشي وادي". كان يحفظ جغرافية الأرض كما لو أنها "مرسومة ع كفي". كان عطالله يقف على راس جبل ما ويرسم خريطة سريعة لكل ما يحيط به "أنا إبن الأرض وكل شبر فيها أكل من إجريي".

أكثر ما يضحك عطالله ويبكيه حديث أصحاب الشركة عن تجميل المقالع "بيحكوا بالتجميل والزراعة. جابوا الشجرة شي عشرة سنتمتر، بدها 15 سنة لتطلع عن الأرض، بينما قطعوا ملايين أو آلاف السنديان والزيتون وكل كعب هالتخن. جايب نصب كينا كل وحدة ب 500 ليرة بدها عشرين سنة لتطلع فوق الأرض، قال هيدي بدل السنديان".

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟