لم يعرف الجيل الأسبق في بدبهون، إحدى أصغر بلدات قضاء الكورة، أن الأراضي التي باعوها تارة لشركات الترابة في شكا، وأخرى لسماسرة لم يعلنوا أنهم يشترون لصالح الأخيرة، ستهدد أحفادهم وأحفاد أحفادهم بالتهجير، أو بلدتهم بالإضمحلال.

على يمين الطريق السريعة من بيروت نحو طرابلس، وتحديدا في شكا، تلمح ضيعة صغيرة تتربع على هضبة متآكلة من حولها. هذه بدبهون التي نهشت شركة الترابة الوطنية السبع أراضيها بطريقة تهدد إنزلاق البلدة نحو المقلع الأشهر في المنطقة، مع مقلع كفرحزير جارتها.

يؤكد أحد سماسرة المنطقة ل "المفكرة" أن شركة الترابة الوطنية (السبع) اشترت وعبر سنوات طويلة ما لا يقل عن 40% من أراضي بدبهون البالغة خمسة ملايين متر مربع، أي ما لا يقل عن مليوني متر مربع.

قبل أن تصل بدبهون، تطالعك فيللا حجرية مهجورة. يقول الأهالي أنها بنيت قديماً كمنزل لمدير إحدى شركات الترابة الأجنبي. مع الوقت لم تعد رئتا المدير تتحمل سموم شركتي الترابة في شكا، فهجر منزله إلى غير رجعة. هذا ما أخبرنا غياه شاب من بدبهون، يحرص على حراسة الحدود الجنوبية لبلدته "في مهوار كبير بعمق نحو مائتي متر في المقلع جارنا". يخاف الرجل أن يقع أولاده وأولاد الضيعة الذين "يسرحون" نحو خراج بلدتهم أو يقفزون عن سور المقلع طمعاً في اللعب.

وبالفعل، تقفل شركة السبع مقلعها في بدبهون بشريط شائك، مانعة أيّا كان من دخول المنطقة تحت طائلة المسؤولية. المسؤولية هنا "يمكن يقوصوكم"، يقول أحد أبناء بدبهون لفريقنا الصحافي، ناصحا إيانا بعدم الدخول. هناك في داخل المقلع الذي أكلت غباره ما تبقى من أشجار الزيتون والفاكهة ومعها بعض قفران النحل الوحيدة التي بقيت في الضيعة، يمكن رؤية فظاعة ما فعلته الشركة. حفر عامودي لا يتطابق البتة مع التدرج الذي يفرضه مرسوم المقالع والكسارات. تتراوح المنحدارات العمودية بين 200 و300 متر عمقاً. من أعلى المقلع حيث حذرت خطة تصنيف الأراضي من إنزلاق بدبهون، يمكن رؤية بعض برك المياه المتجمعة في أسفل المقلع "هيدي يمكن المياه الجوفية أو مياه البحر" يقول الأهالي "حفروا لدرجة مخيفة".

هذه الحال، استمرت في بدبهون برغم تحذير الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، من مخاطر مقالع بدبهون وكفرحزير في العام 2009 واعتبرتها، تقع ضمن مناطق "ذات خطر عالي في سيلان التربة وتعاني من نقص حاد في الموارد المائية". 

 

1962-1997: كيف أطبقت الشركة على القرية؟

شكل العام 1962 مرحلة مفصلية في مأساة بدبهون. يومها اشترت شركة الترابة السبع 26 عقاراً في خراج البلدة خلال عام واحد، ضمتها إلى عقارات سابقة كانت قد تملكتها مقابل نصف دولار للمتر المربع الواحد.

لم تجد شركة الترابة مسوغاً قانونياً لاستباحة بدبهون إلا في العام 1997 مع صدور القرار رقم 40 عن مجلس الوزراء يعلن فيه تخصيص وتصنيف واعتماد بلدة بدبهون على أنها منطقة خاصة لمقالع شركات الترابة، على أساس مدته ١٠ سنوات. تم التجديد في العام ٢٠٠٧ لسنتين إضافيتين. جاء القرار ليثبت قدرة شركات الترابة وتأثير نفوذهم على أصحاب القرار في البلاد.

بعد قرار الحكومة في 1997، صدر مرسوم المقالع والكسارات في العام 2002 حيث تمكن أهالي الكورة وبعض الذين يتمتعون بعلاقات جيدة مع رئيس الجمهورية أنذاك إميل لحود، من سحب مقالع وكسارات الكورة من بين المناطق المخصصة للمقالع والكسارات في لبنان.

يومها، كان الرئيس الأسبق إميل لحود يمارس هوايته بالغطس في بحر أنفة بدعوة من أحد رجال الأعمال في المنطقة. ويومها صعد لحود مع مضيفه إلى سطح أحد المنتجعات السياحية المطلة على قرن زكرون وأبلغه أن شركة الترابة ستحول هذا الجبل الأخضر إلى مقلع، ناسفة كامل المنطقة وقراها وخصوصا زكرون ومعها كامل المنشآت السياحية في أنفة. نُقل عن لحود استياؤه من الوضع ووعد بعدم السماح بذلك وهكذا كان. بعدها بأيام قليلة، دخل لحود إلى جلسة مجلس الوزراء وطلب إطلاعه على المرسوم الذي كان على جدول الأعمال، حيث شطب منطقة الكورة منه، ومي قلبها زكرون وقرنها.

 

وجاء قرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني الرقم 18/2011  

وجاء قرار المجلس الأعلى للتنظيم المدني الرقم 18/2011 ليَضع بدبهون، وضمن التصميم التوجيهي، تصنيف منطقة المقالع ومحيطها في بدبهون على أنها "منطقة حماية"، للحدّ من تأثير المقالع على المحيط ولتنظيم نطاق عملها وتوّسعها.

لكن شركة الترابة الوطنية استدعت ضد الدولة - وزارة الأشغال العامة في العام 2016، لدى مجلس الشورى لإبطال قرار المجلس الأعلى (2011) القاضي بتصنيف منطقة حماية في بدبهون، وذلك بعد أن صُنفت في 2015 عقارات الشركة كذلك في إفادات الإرتفاق والتخطيط.

يقول مؤسس جمعية وصية الأرض فارس ناصيف ل"المفكرة" أن الشركة استندت في دعواها  إلى قرار مجلس الوزراء الذي صنف المنطقة في 1997 مقالع للشركات. ويشير إلى أن مدة قرار 1997 كانت عشر سنوات تنتهي في 2007، فيما صدر مرسوم المقالع والكسارات في 2002، مستثنيا مقالع الكورة من منطقة المقالع والكسارات.  

طالبت الشركة في الدعوى إلغاء تصنيف بدبهون ضيعة سكنية وحرجية ممنوعة على الشركة ومقالعها في التنظيم المدني. ليس لدى بدبهون مجلس بلدية، بل مجرد مختار. وعليه، لم يتسنّ لأحد الدفاع عن بدبهون مما أدى إلى إلغاء قرار تصنيف بدبهون كمنطقة حماية زراعية وسكنية وحرجية.

 

يأس أم حاجة إلى المال؟

تعترف لميس الأيوبي في حديث مع "المفكرة" أن "لا أحد يتابع جدياً مأساة بدبهون على الأرض". ما أن تنهي إبنة بدبهون عملها بعد ظهر يوم الجمعة في بيروت حتى تقصد ضيعتها المهددة بالإنقراض وتبدأ بالتواصل مع أهاليها "في أنا وخيي وإبن خيي عم نحاول نقنع الناس أنه فيهن يواجهوا".

ناس بدبهون، ومعهم المختار، الشقيق الأكبر للميس "يئسانين ومعتبرين أنه عم نخوض معركة مجانية وبلا جدوى مع الشركة". يقولون لنا "ما فيكم تعملوا شي". بعض الأهالي، ونظراً للحال البائسة لبدبهون صاروا يخافون من ضياع فرصتهم ببيع أراضيهم تارة، ورغبتهم بالبيع للشركة بأسعار أفضل تارة أخرى، وعليه تجري المفاوضات من تحت الطاولة مع الشركة مباشرة أو مع سماسرة.

لا تلوم الأيوبي من باع "كان في فقر وحرب وجوع وناس مشردة ومهجرة وما عندها خيارات كتير". المسؤولية هنا تقع على الدولة والقضاء "هم من يجب أن يحموا البلدات والأرض حتى من أصحابها وسكانها".

تذكر الأيوبي حال بدبهون قبل أن تقتلها المقالع "ما كنا نشتري حبة فواكه أو خضار من السوق. كانت ثمار أشجارنا تلمع مثل الكريستال وكنا نأكلها بلا غسيل. اليوم مات كل شيء في الضيعة". الشركة لا توظف أيا من أبناء بدبهون "في موظفين بالشركة من جارتنا برغون. يوما بعد يوم يحضر هؤلاء إلى بدبهون ويطلبون منهم عدم مواجهة الشركة والكف عن المشاركة في أي اعتصامات "رح تتسببوا بطردنا من عملنا، اسكتوا لستم قادرين على مواجهة الشركة". وتشرح لميس أن خوف هؤلاء الموظفين من انتقام الشركة يرتبط بصلات القربى التي تربط أهل القريتين وبانتمائهم إلى الطائفة نفسها، هم الأقلية السنية في الكورة.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟