لم تكتفِ إدارة الشركة الوطنية للإسمنت (السبع) بنهش قلب شكا وجبال الكورة وتهجير أهلها خصوصا في كفرحزير وبدبهون فقط. ها هي تخوض معارك قضائية شرسة ضد بلديتي زكرون وفيع لتحويل قرن زكرون أو حرج زكرون إلى مقلع. لا تقل زكرون وجبلها أهمية حيوية وبيئية عن جبل موسى لكي لا نقول أنهما أهم حيث تجمعان طلة "رمية حجر عن بحر أنفة، مع أحراج وثروة زراعية تجعل منهما رئة المنطقة".

ضومط نفسه، حصل على تخطيط في أوائل تسعينات القرن الماضي وتم تصديقه في 1994 لشق طريق شكا - زكرون من "حرج القرن" في زكرون إلى مصانع شركة السبع في شكا، بهدف إقامة مقلع مستقبلاً ومشروع إفراز. وما إن صُدق التخطيط حتى ثارت المنطقة، ونظم الأهالي مع تجمع بلديات الكورة وهيئة حماية البيئة والتراث حملة واسعة. وقُدمت العرائض إلى وزارة الداخلية والبلديات. كما رُفِعَ كتاب إلى المديرية العامة للتنظيم المدني، يطلب عدم الموافقة على طلب شركة الترابة الوطنية ضم وإفراز العقارات التي تملكها. ونجح الأهالي في منع شق الطريق حتى الآن، ولكن الشركة تمكنت من استكمال كل المراسيم اللازمة لذلك.

القرن المصنف H، أي أحراج ووديان، تحاول شركة السبع تغيير تصنيفه تحت عناوين وأهداف شتى. وليس شق طريق من شركة السبع إلى قرن زكرون بعرض 14 متراً إلا اللبنة الأولى على طريق تحويل قرن زكرون إلى مقلع تارة. يمتد قرن زركون فوق زكرون القرية فوق أنفة، وهو الجبل الوحيد المطل على البحر، نحو البلمند في قلحات ثم يكمل إلى فيع في أعالي الكورة. يقع 80% منه في زكرون وحدها.

 

بداية مأساة زكرون

في تسعينات القرن الماضي، قام المطور العقاري الياس أيوب من كوسبا الكورة بالبدء بشراء أسهم في العقارين 131 و141 زكرون بمساحة 600 ألف متر مربع على مدى ست سنوات. اشترى أيوب من أهالي زكرون وملاكة القرن المتر المربع بدولار أميركي، وانتهى بدفع ستة دولارات إلى سيدة من أنفة مقابل أسهمها في الجبل. يومها لم يعرف الأهالي، شأنهم شأن معظم صفقات شركتي الترابة عندما اشتروا أراضي الكورة، أن أيوب يشتري لصالح السبع.

يقال أن الأخير عاد وتفرّغ للسبع بسعر 15 دولاراً للمتر، مجمل ما اشتراه حتى منتصف التسعينات وبلغ ما بين 800 ألف إلى مليون متر مربع، هي كامل قرن زكرون.

مُسحت العقارات باسم "شركة النور" العقارية التي يقول سجلها العقاري، الذي حصلت المفكرة عليه، أن أصحابها هم أنفسهم أو فروع أصحاب ومساهمي شركة السبع العقارية الأساسيين، ضومط وعسيلي.

واستحوذت شركة النور العقارية على 2400 سهم كاملة بعدما تملكوا كامل العقارات في جبل زكرون لتبدأ محاولاتها، وبوسائل شتى، للإستفادة من طبيعة تربة وصخور الجبل التي فحصتها ووجدتها "كدانية" تصبح طرية عندما تكشف للهواء، وهي بهذا المعنى كلسية صالحة لصناعاتهم.

بعد مرسوم مجلس الوزراء في 1994 الرقم 4877 الذي يعنى بشق طريق من شركة السبع إلى موقع تلة حرج زكرون، أعطى محافظ الشمال يومها خليل الهندي شركة النور في 1996 رخصة مؤقتة لإقامة مقلع في قرن زكرون. وأعقبه في العام نفسه بترخيص يسمح باستعمال الديناميت والتفجير في "المقلع" المزعوم.(لدى المفكرة كامل الوثائق).

كانت الشركة تريد قلع قرن زكرون الذي يرتفع نحو 350 متراً وبمساحة مليون متر مربع لتساويه بالأرض، وسط معارضة بلديتي زكرون وفيع. ومع الحملة الكبيرة التي انطلقت في منطقة الكورة ضد الشركات، بدأ ضومط وشركاه يضعون خططاً بديلة تخفف من ردود فعل الرأي العام المحلي والناشطين البيئيين، وإن كانت تهدف نحو الغاية نفسها، عبر نوايا وخطط مختلفة ومنها رخصة إستصلاح الأراضي والموافقة المبدئية التي حصلت عليها شركة النور بالإفراز العقاري، أي تحويل الجبل إلى عقارات صغيرة مفرزة.

ونجح أهالي المنطقة، وعبر علاقات بعض أصحاب الأعمال المستثمرين في السياحة فيها في لفت انتباه رئيس الجمهورية الأسبق أميل لحود الذي شطب قرن زكرون ومنطقة الكورة من مرسوم المقالع والكسارات في العام 2002. "نامت" الشركة على المشروع ريثما تتغير الظروف السياسية.

جاء العام 2016، بدات الشركة بالعمل على مشروع إفراز جديد لقرن زكرون. وكلفت وزارة البيئة شركة لدرس الأثر البيئي فقط بينما ينص القانون على وضع دراسة أثر بيئي استراتيجي وهذا مختلف ويتضمن دراسة منطقة زركون ومحيطها ومستقبلها ووظيفتها المعيشية أيضاً. يومها زار وفد من بلديات وأهالي زكرون وقلحات وفيع وبترومين رئيس الحكومة تمام سلام والتنظيم المدني ونجحوا في تجميد المشروع.

مع وزير الأشغال العامة الحالي يوسف فنيانوس، تفاجأ أهالي المنطقة باستحصال الشركة على موافقة بالإفراز من دون المرور بدائرة التصميم والتصنيف في التنظيم المدني، على نحو يخالف القانون.

سارعت بلديتا زكرون وفيع قبل أربعة أشهر، إلى تقديم دعوى في مجلس شورى الدولة وبمساندة من اتحاد بلديات الكورة، فيما آثرت بلدية قلحات التريث. يأتي الطعن بقرار الموافقة على الإفراز في دعويين: الأولى تطالب بتوقيف تنفيذ القرار فوراً، والثانية بإلغاء الإفراز نهائياً.

 

زكرون رئة ساحل الكورة

تعتبر زكرون التي تصلها من الأوتوستراد الساحلي من شكا نحو طرابلس أو من أنفة، واجهتها البحرية، من الضيع القليلة التي ما زالت تحافظ على قرويتها وريفيتها والحياة القروية فيها. تبلغ مساحة زكرون نحو مليونين ونصف المليون متر مربع، تمكنت شركات الترابة (الوطنية-السبع خصوصا) وب"الحيلة" من شراء جبلها " قرن زكرون أو حرج زكرون" الممتد على مساحة مليون متر مربع.

زكرون الضيعة مصنفة سكنية وزراعية وحرجية وفق القانون. يعيش فيها نحو 500 نسمة بينهم 375 ناخب ماروني على لوائح الشطب.

لا يمكن أن تتخيل خطر تحويل قرن زكرون إلى مقلع أو حتى إفرازه وبناء مجمعات سكنية عليه، كوسيلة ليس استثمارية فقط، بل تهدف إلى قلع صخوره الكدانية الكلسية، ومعها تربته النافعة لصناعة الإسمنت، إلا عندما تدخل زكرون الضيعة.

هناك ما زالت عين القرية تتنفجر عفويا بين بساتينها. تملؤها أشجار بوصفير، وزهره الذي يقطره أهلها ماء زهر للبيع. يحولون زيتونها إلى زيت وصابون بلدي، وكرومها إلى نبيذ شهير يقصده كثر، فيما تعقد نساؤها المربيات على أنواعها. وتباع منتوجات زكرون داخلها وفي بيوتها أو محترفاتها المتواضعة. يقول مختار البلدة الياس سركيس ل"المفكرة" "نحن ضيعة صغيرة، ولاداتنا قليلة، الهجرة قديمة العهد بين أبنائنا، نزرع الزيتون وأشجار بوصفير ولدينا بعض خيم بلاستيكية للخضار". وبرغم بعد زكرون النسبي عن شكا كونها فوق أنفة وفي لحف قرنها، إلا أن التلوث والغبار الآتي من جنوبها، من شركتي الترابة في الهري وشكا ومن مقالعها في كفرحزير وبدبهون قتل أشجار التين والعنب والخوخ واللوز "حتى الزيتون وشجر البوصفير، يعانيان من مشاكل ليس أقلها الشحتار الأسود، وهو مرض مثل المن الأسود.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟