في نهاية هذا الملف، نحاول أن نقدم بعض الأفكار بشأن الخطوات القضائية التي من شأنها أن تحقق نتائج إيجابية في المنطقة. ونسارع إلى القول بأنه بمعزل عن قوتها أو سدادة مسوغاتها، يصعب أن تثمر أي شكاوى أو دعاوى قضائية في هذا المضمار، ما لم تترافق مع جهود إعلامية وبحثية وشعبية لتظهير حجم الضرر وأهمية اتخاذ اجراءات لوقفه أو التخفيف منه، جهود تتماثل مع الجهود الجبارة التي تمّ بذلها للتنبيه إلى خطورة تلوث الليطاني. والسبب الذي يدفعنا إلى قول ما تقدم هو التطبيع الحاصل مع التدخّل في أعمال القضاء، بحيث يصعب نقضه أو كبحه من دون تظهير المخاطر التي تنجم عنه. فلا يكون التدخّل مجرد مجاملة لصاحب شركة ملوّثة، إنّما هو وسيلة لإبقاء التلوث قائما بمنأى عن أي ملاحقة وتاليا بمثابة اشتراك في المجزرة الحاصلة ضد مكونات الطبيعة كافة.

ويمكن تصنيف هذه الأفكار الإيجابية ضمن ثلاث فئات، علما أنها تتأيد بالمبادئ المشار إليها في المادة 4 من قانون البيئة 444/2002 والتي نعددها أدناه، وبالأخص في المادة 3 منه والتي جاء فيها حرفيا الآتي: "لكل إنسان الحق ببيئة سليمة ومستقرة، ومن واجب كل مواطن السهر على حماية البيئة وتأمين حاجات الأجيال الحالية من دون المساس بحقوق الأجيال المقبلة".

 

أفكار تهدف إلى وقف عمل الكسارات والمقالع في المنطقة

من البين أن الكسارات والمقالع تعمل من دون أي ترخيص صادر عن أي من المراجع الإدارية المختصة، فضلا عن كونها تقوم في منطقة تم استثناؤها صراحة من امكانية إقامة كسارات أو مقالع. وهذا ما يتحصل من مرسوم تنظيم الكسارات والمقالع والمرامل 2002 مع تعديلاته ومرسوم ترتيب الأراضي 2009[1]. وقد تأكّد هذا الأمر في القرارين الصادرين عن اتحاد بلديات الكورة وبلدية كفرحزير في أيلول 2018. وعليه، يظهر أن نشاط شركتي الإسمنت في هذه المنطقة هو نشاط مخالف للقانون، ويقوم فقط بقوة الأمر الواقع وتخلي بعض إدارات الدولة، وفي طليعتها وزارتي الداخلية والبيئة، عن مسؤولياتها. فبدل أن تضمن نفاذ القانون وحماية عناصر البيئة، تراها تتحول إلى درع لحماية مصالح الشركات الملوثة ضد الجميع بما فيهم الدولة والحق العام. وبمعزل عن نوايا الإدارات العامة في هذا الخصوص، فإن مساهمتها في تعطيل القوانين إنما ترشح عن مسلسل بيّن من الفساد والإفساد.

انطلاقا من ذلك، يكون من الممكن اللجوء إلى أحد المراجع الآتية:

  • مباشرة اجراءات جزائية بحق الشركات الملوثة أو المخالفة. ويكون هذا الأمر ممكنا من خلال إخبارات أو من خلال شكاوى مع اتخاذ صفة الإدعاء الشخصي تقدم للنيابة العامة المختصة (النيابة العامة التمييزية، أو الاستئنافية البيئية في الشمال أو النيابة العامة المالية بما يتصل بالمس بموارد الدولة). كما يمكن تقديم دعاوى مباشرة من المتضررين ضد الشركات الملوثة أمام قضاة التحقيق أو القضاة المنفردين الجزائيين، من دون المرور بالنيابة العامة عند الاقتضاء. ومن أبرز الجرائم التي يمكن الادعاء بها في هذا الخصوص، الجرائم المنصوص عليها في المواد 58- 63 من قانون البيئة 444/2002 المادة 96 من قانون الماء رقم 77/2018 والمواد 745-749 من قانون العقوبات.
  • القضاء المستعجل المختص في منطقة الكورة أو البترون، والذي يدخل ضمن صلاحيته وقف أيّ تعدٍّ واضح على حق مشروع وفق قانون أصول المحاكمات المدنية. ويكون لأي متضرر في صحته أو ملكه أو نشاطه المهني حقّ التقدم بدعوى أو باستدعاء (طلب أمر على عريضة) ضد الشركة المعنية، لغاية وقف التعدي. ويكون التدبير رادعا بقدر ما تكون الغرامة الإكراهية المفروضة على الشركات مرتفعة. ومن التجارب التي يمكن الاستلهام منها في هذا الإطار، القرار الصادر من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف بتاريخ 18/3/2017 بوقف الأعمال كافة في ورشة الإيدن باي تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها مائة وخمسين مليون ليرة لبنانية عن كل يوم مخالفة. وكانت جمعية الخطّ الأخضر اضطرت للجوء إلى القضاء المستعجل علها تنجح بفعل القوة الرادعة للغرامة الإكراهية في تنفيذ حكم مجلس شورى الدولة بوقف الورشة، بعدما امتنعت قوى الأمن الداخلي عن القيام بذلك بأمر من وزارة الداخلية. ومن أهم ما ورد في هذا الحكم: "حيث أن الطلب الحالي ... يهدف الى إصدار قرار مؤقت لرفع الضرر عن البيئة الذي تتذرّع به المستدعية، والناتج عن الأعمال التي تقوم بها المستدعى بوجهها، ... وحيث أن المستدعى بوجهها لم تناقش في مدى قانونية الأعمال التي تستمر بتنفيذها بعد وقف تنفيذ الرخصة ولم تتذرع بأي سند قانوني يبررها... وحيث بخلاصة ما تقدم، يتبين أن استمرار المستدعى بوجهها بأعمال البناء بات يفتقر إلى المسوغ الشرعي ... والذي لا يمكن لقاضي الأمور المستعجلة تجاوزه، بحيث أضحت هذه الأعمال مشكلة للتعدي الواضح على الحقوق التي تسعى المستدعية إلى حمايتها، ما يبرر ويوجب تدخّل قاضي العجلة لوقفها".

 

أفكار تهدف إلى الحدّ من تلوث معامل الإسمنت

فضلا عن المشاكل الناجمة عن مجرّد إقامة معامل إسمنت في المنطقة، تظهر تحقيقات المفكرة أن ثمة مشاكل إضافية كثيرة تنتج عن أساليب عملها. ومن هذه المشاكل، كيفية استخدام البتروكوك في صناعة الإسمنت، وكيفية تخزينه، والنقص في الفلاتر أو في وظائفها (التخفيف من الغبار وليس من الغازات)، فضلا عن المقالع والكسارات المنشأة في المنطقة. وبهدف إحراز تقدم في هذا الخصوص، قد يكون من الملائم اتخاذ خطوات تدريجية من شأنها تعزيز الوعي بالمعايير البيئية ومدى الالتزام بها. ومن الأفكار الإيجابية في هذا المضمار، مطالبة قضاء الأمور المستعجلة للمطالبة بتعيين مراقب قضائي للتثبت من مدى التزام الشركات بهذه المعايير، على هدي المبادئ الواردة في المادة 4 من قانون 444/2002 وأبرزها مبادئ الاحتراس والعمل الوقائي وتفادي تدهور الموارد الطبيعية ومراقبة التلوث الواردة في المادة 4 من قانون البيئة 444/2002.

ومن السوابق الهامة التي يمكن الاسترشاد بها، المبادرة التي كانت جمعية فرح العطاء قامت بها مع مجموعة من المواطنين، بحيث طلبت من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت تعيين مراقب قضائي للإشراف على إحدى المطاحن، لضمان التزامها بمعايير البيئة والسلامة العامة. ويلحظ أن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف استجاب لهذه المبادرة، مع إضافة عنصرين أساسيين لإنجاحها: الأول، تكليف المراقب القضائي بإيداع المحكمة تقارير منتظمة بهذا الخصوص، والثاني، وهو برأينا عامل حاسم، تكليف الشركة بتسديد أتعاب المراقب القضائي. هذا فضلا عن أن القاضي كان أمر بوقف العمل بالمطحنة المعنية وضبط كميّة من القمح ومنتوج الطحين والعلف الحيواني الموجودة داخلها، إلى حين التثبت من أن المطحنة قامت بكلّ التعديلات اللازمة التي تؤمن الجودة والسلامة في منتوجاتها (قرار 22/6/2016). والفائدة الكبرى من هذه الخطوة، هي إشراك خبراء متخصصين ومستقلين، في أداء دورٍ أساسيّ لتوفير معلومات مهنية وموثوقة بشأن انبعاثات الشركتين، والمساعدة على الحد منها أو القضاء عليها.

 

الفئة الثالثة: أفكار تهدف إلى مساءلة الشركات والدولة عن الأضرار العامة والخاصة

أخيرا، ثمة أفكار ممكنة بما يتصل بالمسؤولية عن الأضرار في المنطقة، سواء كانت أضرارا بيئية أو صحية أو اقتصادية أو اجتماعية وفق ما يتحصل من التحقيقات التي أجرتها المفكرة هنالك[2]. وإذ يصعب في بعض الحالات إثبات الرابطة السببية بين الضرر وانبعاثات الشركة (وخصوصا بما يتصل بالإصابة بالأضرار الصحية)، توفّر المعلومات المتاحة حتى الآن إثباتات وافية على الكثير من الأضرار الأخرى ومسبباتها، ومنها الأضرار البيئية الفاقعة، أو انهيار أسعار الأراضي أو أيضا تشقق المنازل بنتيجة أعمال غير مشروعة... الخ.

ودعاوى المسؤولية لا تستهدف فقط شركات الإسمنت "الملوثة"، إنما تستهدف أيضا الدولة والتي أتاح العديد من إداراتها العامة وموظفيها من خلال سوء الإدارة أو الإهمال أو الفساد والتواطؤ استمرار عدد كبير من هذه الأضرار أو تفاقمها.

إلى جانب المبادئ العامة للمسؤولية، تستفيد هذه الدعاوى من مبادئ خاصة في قضايا البيئة، أهمها مبدأ "الملوث يدفع" المنصوص عليه في المادة الرابعة من قانون البيئة 444/2002.

 

إلى هذه الأفكار الإيجابية، العديد من الأفكار الأخرى التي تتصل بالثروة البيئية أو بالتربة أو بتأهيل المقالع والتي لا مجال للتوسع بها في هذا المكان.

 

نشر هذا المقال في العدد | 58 |  كانون الثاني 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الكورة في فم التنين: من رخّص بالقتل؟

 

 

 

 


[1]  يراجع مقالي ستوديو أشغال عامة وجويل بطرس ورازي أيوب حول المقالع، المفكرة القانونية، عدد 58، كانون الثاني 2019.

[2]  يراجع مقالات سعدى علوة المنشورة في المفكرة القانونية، العدد 58، كانون االثاني 2019.