"لا يوجد مساحة كافية في زنزانة قصر العدل". هذه الحجة التي تستند اليها أجهزة الملاحقة الجزائية من أجل استباحة إحدى أهم الحريات الأساسية وهي الحرية الشخصية عبر استمرار احتجاز مشتبه بهم لفترات تتجاوز المدة القانونية (أربعة أيام كحد أقصى) قبل مثولهم أمام القضاء. فالخط الأحمر الذي يتعين على الجميع التقيد به والتكيف معه ليس القانون بما يوفره من ضمانات للحريات الشخصية، انما مساحة الزنازين هنا وهنالك والتي باتت تشكل العنصر الأكثر تأثيرا في تحديد مدة الاحتجاز بمعزل عن حاجات التحقيق. وكانت الأسابيع الأخيرة من العطلة القضائية قد شهدت ارتفاعا ملحوظا في أعداد المشتبه بهم الذين استمر احتجازهم في مخافر الضابطة العدلية، بحجة أنه لا يوجد مساحة كافية لاحتجازهم في نظارات قصور العدل بانتظار مثولهم أمام القاضي المختص. وقد برزت هذه المشكلة بشكل خاص بالنسبة للمشتبه بهم المحتجزين في قضايا مخدرات، في زنزانة مكتب مكافحة المخدارت لصالح النيابات العامة أو مخافر أخرى لصالح المكتب نفسه[1].
الاحتجاز لدى الضابطة العدلية يقاس بالدقائق 
والواقع إن احتجاز المشتبه به على هذا الوجه يشكل انتهاكا لحقوق وحريات أساسية مكرسة في في المادة 8 من الدستور التي تمنع توقيف أي شخص إلا وفقا لأحكام القانون. فالاحتجاز لدى الضابطة العدلية يبقى من حيث أنه مس بالحرية الشخصية تدبيرا مؤقتا واستثنائيا تبرره مستلزمات التحقيق، ويخضع بالتالي لشروط قانونية ضيقة وفي مقدمها تقييده بمدة قصوى. وحق المشتبه به بالمثول سريعا أمام القضاء المكرّس أيضا في المواثيق الدولية مبرر بأنه ف يشكل أول تواصل له مع هيئة تتوفر فيها من حيث المبدأ ضمانات الاستقلالية وأول مناسبة يتم استجوابه فيها بحضور محام على نحو يتيح له بالإدلاء بإفادته من دون أي تأثير أو ضغط خارجي. وللدلالة على أهمية التشدد في فرض هذه القاعدة، يسجل أن المحكمة الاوروبية لحقوق الانسانقد أدانت الدولة البريطانية على خلفية احتجاز شخص لم يتجاوز أربعة أيام وست ساعات لما يشكل ذلك من مس بالحرية الشخصية والحق بالمثول سريعا أمام القضاء.[2]
لا سوق ولا ترك
وفي التفاصيل، امتنع مكتب مكافحة المخدرات في الآونة الأخيرة عن سوق عدد كبير من المشتبه بهم من مكتبه في ثكنة حبيش الى قصور العدل لمباشرة التحقيق الاستنطاقي معهم بحجة عدم امكانية نظارات قصور العدل استلامهم نظرا لاكتظاظها، ولكونه غير قادر على ارجاعهم الى زنزانته بعد الاستماع إليهم في حال قرر القاضي المختص ابقاءهم موقوفين على أساس أنه "ليس مكتب سوق" حسبما جاء في جريدة الأخبار. وعليه تم ابقاء المشتبه بهم محتجزين في نظارات الضابطة العدلية لمدة أيام - وصلت في بعض الحالات الى أسابيع - بعد انقضاء مدة الأربعة أيام المنصوص عنها في القانون، دون أن يتم اصدار أي مذكرة توقيف بحقهم، على نحو يشكل جريمة حجز الحرية وفق المادة 368 من قانون العقوبات والتي تعاقب الموظف الذي يستبقي شخصا محتجزا الى أبعد من الأجل المحدد. وهكذا أصبح الخط الأحمر لمدة التوقيف يحدد ليس وفقا للقانون انما وفقا لمساحة الزنزانة ولمزاجية المسؤول عن السوق كما أشرنا اليه أعلاه. فضلا عن ذلك،يقع فعل الضابطة العدلية في حالات عدة تحت طائلة المادة 369 من قانون العقوبات التي تعاقب أي موظف عام يرفض أو يؤخر احضار موقوف أمام قاض.[3]
وتتفاقم خطورة هذه الأفعال بالطبع في قضايا تعاطي مخدرات. فلاستمرار توقيف المدمن تداعيات خطيرة عليه في حال انقطاعه عن المادة المخدرة دون أي اشراف طبي أو نفسي، هذا عدا عن أن قانون المخدرات ينص على وجوب وقف الملاحقة بحق المدمن – وتاليا الافراج عنه– فور تعهده بالعلاج.
تراشق المسؤوليات وتمييعها...
ويبدو أن أيا من الجهات المعنية بهذه الانتهاكات لم تبادر الى تقديم حلول لوضع حد لها بل بالعكس اكتفى كلا منها بإلقاء المسؤولية على الآخر. فالادعاء العام ينصح بمراجعة قاضي التحقيق الذي ينصح بمراجعة مكتب مكافحة المخدرات الذي ينصح بمراجعة المديرية العامة للأمن الداخلي التي تنصح بمراجعة قاضي التحقيق الذي ينصح بمراجعة الادعاء العام وهلم جرا في دوامة لا تنتهي. وفي احدى الحالات الموثقة، وإذ تقدم أحد المشتبه بهم بواسطة محاميه بطلب بتركه أو احالته الى القضاء لانقضاء مدة الاحتجاز القانونية، تلكأت النيابة العامة عن اتخاذ أي قرار، مكتفية بإحالة الطلب بواسطة البريد للضابطة العدلية للاطلاع والإفادة، مع ما يستتبع ذلك من إطالة غير مبررة لأمد الاحتجاز. ورغم طلب المشتبه به المذكور من النيابة العامة التدخل لوضع حد لامتناع الضابطة العدلية عن تنفيذ الأوامر القضائية بسوقه، اعتبرت نفسها غير مسؤولة على اعتبار أنها أحالت الأوراق الى قاضي التحقيق. وقد اعتبر هذا الأخير نفسه غير مسؤول أيضا رغم احالة ملف المشتبه به إليه طالما أنه لم يصدر بعد أي مذكرة توقيف وأنه ليس باستطاعته اتخاذ أي قرار قبل مثول المشتبه به (المدعى عليه) أمامه، مكتفيا بتجديد طلبات السوق دون أخذ أي تدبير إزاء امتناع الضابطة العدلية عن ذلك، أو على الأقل أي تدبير لضمان حق المشتبه به بالمثول أمامه كالانتقال الى مكان احتجازه من أجل استجوابه وفقا للمادة 75 من أصول المحاكمات الجزائية. وبذلك، تكون الجهات القضائية قد تخلت عن دورها في حماية المشتبه بهم وعن استخدام أي من الصلاحيات التي منحها اياهم القانون لمنع الانتهاكات المرتكبة بحقه، على نحو يظهرها كسلطة عاجزة عن حماية الحريات الشخصية.
لا بل ذهب بعض المدعين العامين الى حد اشتراط السوق للمثول أمام القاضي المختص باستعداد هذا الأخير لتركه فورا بعد الاستماع إليه وذلك لعدم إمكانية ابقائه في نظارة قصر العدل المكتظّة. وبذلك، أصبح الحق الأساسي بالمثول أمام القضاء مرهونا بمآل التحقيقات التي لم تحصل بعد معه، بما يشبه أحجية الدجاجة والبيضة: فلا القاضي يستطيع تقرير الترك قبل استجواب المشتبه به، ولا يساق المشتبه به للاستجواب الا في حال أعلن القاضي نيته المسبقة بتركه.
الموقوف رهينة، وسوقه الى القضاء خدمة خاصة 
والأخطر من ذلك، أن بعض قضاة التحقيق والمدعين العامين لم يكتفوا بالتنصل من مسؤولياتهم، بل ذهبوا الى حد مطالبة وكلاء المشتبه بهم وذويهم صراحة بتأمين سوقهم إليهم، وعمليا الى تحميلهم مسؤولية اقناع الضابطة العدلية بطريقة أو بأخرى بوجوب ذلك. وبالطبع، وسائل الاقناع تلك لا تتمثل مطلقا بتلاوة حقوق المشتبه به القانونية على الضابطة العدلية من باب التوعية أو التعليم، بل هي تتمثل قبل كل شيء بالرشاوى المالية بما فيها من فساد أو بالوسائط السياسية والاستعطاف بما فيها من اذلال. فكأنما السوق الى المحكمة بات خدمة خاصة تقدم مقابل بدل أو كأنما، وهذا هو التشبيه الأصح، نما أنأصبح المشتبه به رهينة لا يساق الى القضاء الا بعد تسديده رشاوي مالية. ومن هذه الزاوية، تأخذ الحجة المتمثلة بحكم اكتظاظ الزنازين كامل أبعادها كحجة مناقضة تماما لحكم القانون بما فيه من قواعد عامة يتساوى بموجبها الجميع.  
هذه هي باختصار بعض جوانب قضية "مساحة الزنزانة" التي رسمت حدود الحرية الشخصية والتي يبلغ النظام الجزائي اللبناني معها ومع مهزلة عدم سوق الموقوفين الى القضاء مستوى أعلى من التمييز بين المواطنين وقهرهم. أما حماية حقوقهم الأساسية، فعذرا، زنازيننا صغيرة وليس بمستطاعنا أبدا تغيير ذلك.  
 نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية

[1] علي الموسوي، الحرمان من الحرية: مكتب المخدّرات يرتكب جريمة موصوفة، نشر في جريدة الاخبار، العدد 2900، 9-9-2013، متوفر على العنوان التالي: http://www.al-akhbar.com/node/190795
[2] Case of Brogan and others v. The United Kingdom, Applications No. 11209/84, 11234/84; 11266/84; 11386/85, Council of Europe: European Court of Human Rights.
[3] راجع مثلا: نزار صاغية، مهزلة عدم سوق الموقوفين الى المحاكمة في حكم قضائي: الى متى يستمر ازدراء القضاء والحرية الشخصية؟ نشر في العدد الخامس من المفكرة القانونية، تموز 2012، متوفر على http://www.legal-agenda.com/article.php?id=148&folder=articles&lang=ar#.UjTziMamiAh