تباشر المفكرة القانونية تعاونا مع المنظمة التونسية البوصلة حول مواكبة العمل التشريعي التونسي. وعليه، يسرها أن تنشر على موقعها وفي مجلتها بشكل دوري مقالات لمحللين وكتّاب من فريق منظمة البوصلة، التي تميزت في دورها في متابعة العمل البرلماني وتحفيز المشاركة الاجتماعية فيه، وكذلك في متاعبة مسار اللامركزية، والمالية العمومية، وتقريبها للمواطن/ة، بما يعزز أسس الديمقراطية في تونس في ظل جمهوريتها الثانية. ونأمل أن يؤدي التعاون بين مؤسستينا إلى تطوير العمل البرلماني وأصول مراقبته في المنطقة العربية (المحرر).

 

صادقت لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية بمجلس نواب الشعب على مشروع القانون المتعلق بتنقيح القانون الانتخابي، وذلك بإدراج عتبة[1] 5% في الانتخابات التشريعية. وقد أثار هذا المقترح جدلا سياسيا، إن من جهة توقيته، إذ تفصلنا عن الانتخابات التشريعية القادمة أقل من 9 أشهر، أو من مضمونه ونتائجه المحتملة على تمثيلية الأحزاب الصغرى وتنوع المشهد البرلماني.

إلا أن التشخيص الذي استند إليه هذا المقترح لم يحظَ بالنقاش اللازم. حيث كثر الحديث على أزمة الحكم، وعلى صعوبة توفر الأغلبية، وعلى تعطّل العمل البرلماني، كأنها ناتجة بالأساس عن نظام الاقتراع الحالي، مما يفترض أن حلّها يمرّ بالضرورة عبر تعديله.

 

لماذا النسبية مع أكبر البقايا؟

لعلّ تنوع أنظمة الاقتراع، حسب البلدان والتجارب، دليل كافٍ على عدم وجود نظام اقتراع مثالي. إذ يخضع اختيار نظام الاقتراع إلى موازنة للأهداف المطلوبة منه، كالعدالة والتمثيلية والاستقرار، تأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة بكل سياق.
في تونس، يعود اختيار نظام الاقتراع النسبي مع أكبر البقايا إلى الانتخابات التأسيسية لسنة 2011. وقد اختارته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي سعيا لضمان أوسع تمثيلية ممكنة في انتخابات مجلس تأسيسي مكلّف بصياغة دستور[2]. ثم تم التوافق على الإبقاء عليه في الانتخابات التشريعية. لكن، سعيا لترشيد الترشحات والتمويل العمومي، تم اعتماد %3 كحدّ أدنى من الأصوات للتمتع بالتمويل البعدي، دون أن يكون له تأثير على توزيع المقاعد.

أما المطروح حاليا أمام الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب، فهو عتبة انتخابية ب5% للانتخابات التشريعية، ابتداء من انتخابات 2019. والعتبة المقترحة لا تقصي فقط في كلّ دائرة القائمات التي تحصلت على أقل من 5% من الأصوات من توزيع المقاعد، ولكنها تقصي كذلك الأصوات التي تحصلت عليها هذه القائمات من احتساب الحاصل الانتخابي[3]، وهو ما يضاعف استفادة القائمات والأحزاب الأكبر، مثلما تظهره المحاكاة التي قامت بها البوصلة بالاعتماد على نتائج انتخابات 2014.[4]

ولعلّ الحجة الأساسية التي يستند إليها المقترح هي تشتّت المشهد البرلماني، الذي يجعل من الصعب إيجاد أغلبية قادرة على الحكم. فنظام الاقتراع الحالي، بإعطائه الأفضلية لأوسع تمثيل، وإن كان صالحا "في بداية الانتقال الديمقراطي"، إلا أنه "يتحول إلى عامل سلبي"، تتعيّن "عقلنته"، مثلما جاء في شرح الأسباب المرافق لمشروع القانون. وهكذا، تقدّم العتبة الانتخابية كشرط "لنجاعة النتائج الانتخابية"[5]، وضمنيا، كحلّ لأزمة الحكم.

هذا التشخيص يستدعي الكثير من النقد، إذ أن الرجوع إلى نتائج 2014 يكفي لاستنتاج أن نظام الاقتراع الحالي، حتى بالأفضلية التي يمنحها للقائمات الصغرى، ليس سببا في تشتت المشهد البرلماني.

 

تشتت المشهد البرلماني من تفتت الكتلة الأكبر

قد يبدو المشهد البرلماني الحالي لبعض الملاحظين مفتتا، حيث أن الكتلة الأكبر لديها أقل من ثلث المقاعد. إلا أن هذا التفتت ليس ناتجا عن نظام الاقتراع، حيث أن التركيبة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 2014 كانت تتكون من كتلتين كبيرتين تحتكران أكثر من 70% من المقاعد، ويصل وزن كتلة نداء تونس لوحدها إلى 40%. وبالمقارنة مع ديمقراطيات برلمانية أخرى، كألمانيا[6]، وإيطاليا[7]، والبرتغال[8]، حيث يتراوح وزن الكتلة الأكبر بين 28 و38% من المقاعد، فإنه يصعب اعتبار هذه التركيبة البرلمانية مفتتة.

وبالتالي، فإن تشتت المشهد البرلماني الحالي، كما عدم استقراره، هو نتيجة مباشرة لتفتت عددا من الكتل النيابية التي أفرزتها الانتخابات، وبالتحديد كتلة نداء تونس، مثلما يظهر في "مركاتو الكتل النيابية" الذي نشرته منظمة البوصلة[9]. وقد بدأت الانشقاقات في صفوف كتلة النداء منذ 2016، مع تكوين كتلة الحرة لحركة مشروع تونس، ثم ظهرت الكتلة الوطنية، التي كانت نواة لكتلة الائتلاف الوطني. هذه الانشقاقات تسببت في خسارة كتلة نداء تونس لأكثر من نصف نوابها. خسارة يصعب تحميل وزرها لنظام الاقتراع، إذ أن أسبابها تتعلق بالأحرى بمشاكل سياسية وهيكلية في الحزب نفسه. وبالتالي، لا يجدر تحميل نظام الاقتراع نتائج أزمات حزبية، ولا يمكن أن يكون دعم حظوظ الأحزاب الكبرى بالعتبة الانتخابية حلاّ. لأن زيادة تمثيلية هذه الأحزاب، ما دامت قابلة للتفكك، يصبح بالعكس عاملا لعدم الاستقرار.

 

أسباب تعطل العمل النيابي

ما من شكّ أن عمل مجلس نواب الشعب، طوال الدورات البرلمانية، يشكو من بطء وتعطيل كبير، سواء على المستوى التشريعي أو الانتخابي. ولكن ربط هذا التعطيل بنظام الاقتراع، وبالأفضلية التي يمنحها للقائمات الصغرى، مجانب للصواب. فالمعارضة لم تكن تمثل، في الدورة البرلمانية الأولى، سوى أقل من 15% من عدد النواب. وبالتالي، لا يمكن اعتبار تمثيل الكتل الصغرى عاملا لعدم الاستقرار وتفتت المشهد. بل أن الكتل المعارضة كثيرا ما صوتت لصالح مشاريع القوانين الأساسية، كمجلة الجماعات المحلية أو قانون التصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وغيرها من مشاريع القوانين التي تمرّ عبر «لجنة التوافقات».

أما الصعوبات التي يجدها مجلس نواب الشعب في التصويت على بعض القوانين فهي ناتجة أولا وبالأساس من ظاهرة غيابات النواب. فطوال المدة النيابية، لم يسقط في التصويت سوى مشروعي قانونين، الأول متعلق بالموافقة على اتفاقية قرض، والثاني بجملة اجراءات لإصلاح لصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية. وقد تعلق الأمر، في الحالتين، بمشروع قانون عادي، يكفي 73 صوت موافق لتمريره. أي أن الأغلبية النيابية، المتكونة نظريا من زهاء 130 نائب، عجزت، رغم موافقتها على مشروع القانون، عن توفير 73 صوت. والسبب هو طبعا تفاقم ظاهرة الغياب[10]. هذا دون أن ننسى تأجيل جلسات عامة، ورفع بعضها الآخر، وتغيير جدول أعمال أخرى، نظرا لعدم توفر النصاب الذي يسمح بالمصادقة على مشروع القانون المبرمج.

أمام هذا الإشكال، فإن مكتب المجلس عجز عن اتخاذ ما يكفي من إجراءات للحد من ظاهرة الغياب. حتى الاقتطاعات من المنحة التي قررها المكتب بحقّ بعض النواب تبقى محدودة بالشروط التي يضعها النظام الداخلي (ثلاثة أيام عمل كاملة في جلسات عامة متعلقة بالتصويت، أو ستة غيابات متتالية في أعمال اللجان، في نفس الشهر)، ولم تشمل سوى معدّل 4 نواب في الشهر. وبالتالي، فإن الحلّ لتعطّل العمل التشريعي يكون بتنقيح النظام الداخلي في اتجاه فرض انضباط أكثر على النواب للحضور في المجلس أو بتعزيز العمل الحزبي في اتجاه فرض سلوكيات معينة على النواب.

كذلك، فإن تعطّل الدور الانتخابي للمجلس، وفشله في انتخاب محكمة دستورية بعد أكثر من 3 سنوات من فوات الأجل الدستوري، أو في إرساء العديد من الهيئات الدستورية، والذي أضاع، في كل مرة، أشهرا عديدة لسد شغورات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ليس ناتجا عن صعوبة توفير أغلبية الثلثين بمثل هذه التركيبة. بالعكس، فإن كتل الأغلبية (باستثناء الأغلبية الحالية) كانت تمتلك لوحدها، نظريا، أغلبية الثلثين. وحتى على مستوى الممارسة، فإن التعطيل يأتي خاصة من عدم اتفاق كتلتي النهضة ونداء تونس على أسماء المرشحين، مثلما هو الشأن في هيئة الانتخابات أو في المحكمة الدستورية. وبالتالي، فإن تعطّل الدور الانتخابي مردّه غياب الإرادة السياسية لانتخاب الهيئات، وهو ما ظهر جليا عندما تمّ استغلال سرية التصويت لعدم الالتزام بالتوافق الحاصل والمعلن حول 4 مرشحين للمحكمة الدستورية. مرة أخرى، يتضح أن الإشكال لا يتعلق أبدا بنظام الاقتراع، بقدر ما هو ناتج عن عوامل سياسية.

 

هل ستمكّن العتبة من أغلبية متجانسة؟

يرجع الكثير من مناصري العتبة الانتخابية أزمة الحكم إلى نظام الاقتراع التي يفرض على الأحزاب الكبرى التحالف لتشكيل أغلبية. ولئن كانت النسبية مع أفضل البقايا تجعل من تحقيق حزب، لوحده، للأغلبية المطلقة من المقاعد أمرا في غاية الصعوبة، إلا أن العتبة، على عكس ما يروج له، ليست أبدا حلا لهذا "المشكل". إذ أن محاكاة نتائج انتخابات 2014 مع افتراض عتبة انتخابية، التي نشرتها منظمة البوصلة[11]، تظهر كيف أن عتبة ب5% لم تكن لتمكّن حزب نداء تونس، رغم تحصله على 38% من الأصوات، على الأغلبية المطلقة لوحده. وعوض أن تسهّل عليه تشكيل أغلبيات، فإنها تصعّب كثيرا من امكانية وجود حلفاء "طبيعيين" للحزب الأول، إذ أن التمثيل ينحصر في الحزبين الكبيرين. وهكذا، فإن عتبة انتخابية مرتفعة تجعل "التحالف المكره" أمرا شبه حتمي، على عكس الهدف المعلن لها.

وبالتالي، فإن التشخيص الذي يستند إليه مقترح تعديل نظام الاقتراع، كما الحجج المقدمة للدفاع عليه، مجانبة للصواب. حيث أن النظام الانتخابي الحالي لم يؤدِّ إلى تشتت المشهد البرلماني وليس مسؤولا عن أزمة الحكم وتعطّل العمل النيابي.

 

توقيت المسّ بنظام الاقتراع

لئن كانت النسبية مع أفضل البقايا، كغيرها من نظم الاقتراع، قابلة للنقد والمراجعة، إلا أن المسّ بنظام الاقتراع أشهرا قبل الانتخابات يطرح إشكالا كبيرا.

فإذا كان القانون الانتخابي يمنع المسّ من تقسيم الدوائر الانتخابية قبل أقل من سنة من الانتخابات[12]، فإن ذلك يفسّر بضرورة تفادي استعمال ذلك من قبل أغلبية حاكمة للتأثير في نتائج الانتخابات القادمة. نفس هذه الفلسفة تنطبق على المسّ بنظام الاقتراع بإضافة عتبة انتخابية ب%5، حيث أن من شأن آثارها، المباشرة على النتائج، أو غير المباشرة عن طريق التأثير على اختيارات الناخبين، توجيه نتائج الانتخابات خدمة لمصالح الأحزاب الكبرى.

وبدلا من تأجيل النظر في تعديل القانون الانتخابي نظرا لضيق الآجال، فإن لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الانتخابية استعملت حجّة ضيق الآجال واستعجال النظر لتمرير مشروع القانون دون مناقشته، وذلك مباشرة بعد إنهاء جلسات الاستماع، ويوما بعد انتهاء أجل الإدلاء بآراء كتابية، مما لم يكن يسمح للنواب بالاطلاع عليها ومناقشتها.

ونظرا لأزمة الثقة في الطبقة السياسية، ولهشاشة المسار الديمقراطي، وللأزمات التي مرت بها هيئة الانتخابات، فإن أي مسّ من نظام الاقتراع لخدمة الأحزاب الكبرى، أشهرا قبل العملية الانتخابية، من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الريبة والتشكيك في العملية الانتخابية، نحن في غنى عنها.

إن القانون الانتخابي، وبالتحديد نظام الاقتراع، مادة على غاية من الحساسية، ينبغي أن يتم التعامل التشريعي معها بكل تأنٍّ وتروٍّ، وليس بالاستعجال والمرور بقوة. والأكيد أن القانون الانتخابي يحتوي العديد من السلبيات والهنات، التي لا تتعلق بالضرورة بنظام الاقتراع، وإنما بمسائل كالتمويل الانتخابي والعقوبات الانتخابية وتنظيم الحملة وغيرها، وكلها تحتاج إلى دراسة جدّية، وإلى تشخيص دقيق للمشكل، قبل البحث عن الحلّ. دون أن ننسى أنّ المشكل لا يتأتى بالضرورة من النص القانوني، والحلّ كذلك.

 

نشر هذا المقال بالتعاون مع جمعية البوصلة التونسية.

لقراءة المقال باللغة الإنجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

The Bill to Introduce an Electoral Threshold: Appraisal

 


[1] العتبة الانتخابية هي تقنية تستعمل أحيانا في القوانين الانتخابية، خاصة تلك التي تعتمد النسبية، وتتمثل في حدّ أدنى من الأصوات، يجب على كل قائمة الحصول عليها لكي تدخل في توزيع المقاعد. ونميز عادة بين نوعين من العتبات الانتخابية.

[2] Michael Lieckefett, “La Haute instance et les élections en Tunisie: du consensus au pacte politique?, Confluences Méditerranée”, N°82, Été 2012, p. 136.

[3] يتـمّ تحديـد الحاصـل الانتخابـي بقسـمة عـدد الأصـوات المصرّح بهـا علـى عـدد المقاعـد المخصّصة للدائـرة. وُيسـند إلـى القائمـة عـدد مقاعـد بقـدر عـدد المـرات التـي تحصلـت فيهـا علـى الحاصـل الانتخابي، على أن توزع المقاعد المتبقية حسب أكبر البقايا.

[4]https://majles.marsad.tn/2014/simulation/scrutin

[5] شرح الأسباب المضمن بمشروع القانون عدد 2018/63 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء.

[6] الكتلة الأكبر في البرلمان الألماني هي للاتحاد الديمقراطي المسيحي، ب28% من المقاعد، وحتى إذا أضفنا حليفها البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي، فإن حجمهما معا لا يتجاوز 35%.

[7] تشكل حركة 5 نجوم الكتلة الأكبر في مجلس النواب الإيطالي ب35% من المقاعد.

[8] يشكل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الكتلة الأكبر في البرلمان البرتغالي، ب38% من المقاعد، وهو في المعارضة، تليه كتلة الحزب الاشتراكي ب37% من المقاعد.

[9] شملت ظاهرة التفتت أيضا كتل الاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس، في حين بقيت كتلة الجبهة الشعبية وحدها مستقرة كلّيا، ولم تفقد كتلة النهضة سوى نائبا واحدا.
https://majles.marsad.tn/2014/assemblee/mercato

[10] بلغت نسبة المشاركة في التصويت على مشروع القانون برمته في كتل الأغلبية الحاكمة: 42,6% في كتلة النهضة، 54،5% في كتلة الائتلاف الوطني و60% في كتلة مشروع تونس.

[11] https://majles.marsad.tn/2014/simulation/scrutin

[12] وهو ما أدى بلجنة النظام الداخلي إلى عدم النظر في مشروع القانون عدد 2018/64 الذي قدمته الحكومة بالتزامن مع مشروع القانون المتعلق بالعتبة.