فرض القانون التونسي للعدالة الإنتقالية أن تكون هيئة الحقيقة والكرامة هي المؤسسة التي تلعب دور المحرك الدافع لكل مسارات تلك العدالة. واقتضى ذات القانون أن تكون مدة عمل تلك الهيئة أربع سنوات تحتسب بداية من تاريخ تسمية أعضائها (والذي حصل في أيار 2014) مع إجازة تمديدها لسنة واحدة. وفي ظل خلافات عميقة بين الهيئة والحكومة التونسية، قررت الهيئة تمديد ولايتها حتى آخر 2018. وقد شهد هذا العام إحالة مئات الملفات القضائية إلى الدوائر المتخصصة للعدالة الإنتقالية المنشأة بموجب القانون نفسه والتي يتعين عليها أن تنظر في هذه الملفات وفق الأصول الجنائية المعتادة.

في سياق رغبة المفكرة في تقييم عمل هذه الهيئة نظرا لأهمية التجربة، عمدنا إلى إجراء سلسلة من المقابلات سننشرها تباعا. وأول المقابلات التي ننشرها في هذا الخصوص مع النائبة يمينة الزغلامي التى ساهمت في وضع الأسس القانونية لمسار العدالة الإنتقالية في تونس ولعبت دورا كبيرا في استكمال هذا المسار إلى اليوم. فبعد ترؤسها لجنة شهداء وجرحى الثورة خلال سنوات عمل المجلس الوطني التأسيسي، هي اليوم فاعلة في البرلمان التونسي والمسؤولة الأولى عن ملف العدالة الإنتقالية داخل حركة النهضة التونسية.

 

المفكرة: في دورته الرابعة والعشرين، اعتبر مجلس شورى حركة النهضة أن نتائج عمل هيئة الحقيقة "لم تكن في المستوى المأمول من حيث كشف الحقيقة وجبر الضرر ورد الاعتبار بما يحقق المصالحة الوطنية الشاملة". لاحقا، ثمّن مجلس شورى النهضة "دور هيئة الحقيقة والكرامة" في بيان دورته الخامسة والعشرين ودعا إلى "استكمال مسار العدالة الانتقالية وفق ما ينصّ عليه القانون". في ظل تقلب خطاب حركة النهضة، كيف يمكن لنا أن نفهم موقف الحركة من هيئة الحقيقة والكرامة؟

الزغلامي: في الواقع، بغض النظر عن كل هذه البيانات، موقف حركة النهضة لا يمكن أن يكون حاسما إلا بعد قراءتها لتقرير هيئة الحقيقة والكرامة النهائي. في ظل عدم نشر هذا التقرير الذي يحتوي على الجزء المتعلق بكشف الحقيقة والجزء الخاص بالانتهاكات والتوصيات، سيبقى موقف النهضة متذبذبا. أيضاً لا يمكن أن ننسى الضغط الكبير الذي تتعرض له حركة النهضة اليوم من قبل عدد كبير من الضحايا وهو ما يجعل موقف الحركة متقلبا. فالضحايا الذين كانوا يحتجون ويعتصمون أمام الهيئة طلبا لجبر الضرر ورد الإعتبار هم يحتجون اليوم أمام مقر الحركة في مونبليزير (تونس العاصمة). كما أن هناك ضحايا آخرين غير معنيين بجبر الضرر ولكن يهمهم كشف الحقيقة ويطالبون كما غيرهم بالمصالحة الوطنية الشاملة.

ولكن يبقى أن قرابة 70% من الضحايا كانوا ينتمون سابقا إلى حركة الإتجاه الإسلامي أو حركة النهضة لاحقا. أغلبهم ليس لديه أي تغطية اجتماعية أو صحية ولكن وضعوا أملا كبيرا في العدالة الانتقالية لتحسين أوضاعهم. كما وكان لهم أمل في هذا المسار لإعادة بناء علاقة ثقة بينهم وبين أبنائهم وعائلاتهم والدولة التونسية بعد سنوات من الظلم والقهر تحت حكم بورقيبة وبن علي.

إذا حركة النهضة اليوم تحت ضغط كبير خصوصا وأن الضحايا حتى اللحظة لم يحصلوا على شيء، لا رد إعتبار ولا حتى اعتذار من الدولة على الإنتهاكات. يجب أن لا ننسى أيضاً الحملات الممنهجة لتشويه صورة الضحايا حيث تم وصفهم تارة بالإرهابيين والإخونجية وتارة المستولين على ثروات البلاد والمنتفعين بالعفو التشريعي العام. شهدنا هذه الحملات مؤخرا خلال النقاشات التي دارت حول ميزانية 2019 والتي أُقحم فيها صندوق الكرامة ومسار العدالة الانتقالية.

 

المفكرة: في ذات السياق، نلاحظ أن حركة النهضة دعت مؤخرا "إلى استكمال مسار العدالة الانتقالية وفق ما ينصّ عليه قانونها" بعدما كانت تحدثت عن عزم كتلتها النيابية التقدم بمشروع قانون جديد خاص بالمصالحة الشاملة. فهل نفهم من هذا أنه تم التراجع عن هذا المشروع؟

الزغلامي: هدف حركة النهضة، وهو ما نصت عليه لوائح مؤتمريها التاسع والعاشر، هو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة ضمانا لعدم التكرار. نحن صوتنا في 2014 على دستور يكرس الحريات والحقوق والعيش المشترك. وبالرغم من محاولات تعطيل مسار العدالة الإنتقالية وعمل الهيئة، سعت النهضة إلى الاستفادة من أعمال الهيئة لوضع منظومة للمصالحة الشاملة تلحق بمرحلة كشف الحقيقة ورد الإعتبار والمحاسبة. هناك معادلة تسعى النهضة إلى تحقيقها وهي ضمان حقوق كل الضحايا دون أي إستثناء وجبر ضررهم ولكن في نفس الوقت السعي إلى تقييم مخرجات الهيئة ومسار عملها بشكل جدي وموضوعي.

في الواقع، لم تنجح الهيئة في كل المجالات التى أوكلت إليها. نجحت في القيام بجلسات علنية كشفت للتونسيين والعالم مستوى الانتهاكات التى مارستها الأنظمة السابقة. كما نجحت في استقبال ملفات الضحايا. ولكن فشلت في التعاطي مع هذه الملفات بشكل واضح. فمعظم الملفات التي أحيلت إلى الدوائر القضائية المتخصصة أحيلت من دون تقصٍّ وتحقيق. كما غاب عن عمل الهيئة مبدأ المصالحة وآلياته. فلو حاولت الهيئة ضمّ هذا المفهوم ومعانيه وآلياته إلى عملها لتقبل العديد من الجلادين الرافضين اليوم للدوائر المتخصصة مسار العدالة الإنتقالية. كما وغابت آليات إصلاح المؤسسات العامة أيضاً.

تساؤلات كبيرة يمكن أن تطرح اليوم. أولا، لماذا تقوم الهيئة بنشر مقررات جبر الضرر الفردي عبر موقعها الرسمي تدريجيا وعلى دفعات؟ علمت من أحد العاملين في الهيئة أن الإشتغال على التقصي والتحقيق في هذا الملفات ما زال قائما بالرغم من أن الهيئة انتهت مدة عملها. لذلك نطلب من الهيئة ورئيستها التوضيح. ثم هل هذه الأعمال هي أعمال تصفية أم لا؟ فإن كانت كذلك، فقانونيا لا يمكن للهيئة أن تقوم بالتقصي والتحقيق خلالها. ثم متى ستنتهي مدة عمل الهيئة؟

في الحقيقة، كان بين يدي الهيئة فرصة عظيمة كمؤسسة رسمية لها ميزانيتها واستقلاليتها لإدخال مفهوم العدالة الإنتقالية في أذهان التونسيين، فقط لو أنها قبلت التعاون مع المجتمع المدني واستفادت من موقعها الرسمي ومواقع التواصل الإجتماعي لخلق أطر تواصل مع المواطنين، حتى وإن كان هناك تضييق إعلامي رسمي عليها.

اليوم بالنتيجة، ليس هناك أي حصائل للعدالة الإنتقالية في تونس سوى ورقة جبر ضرر استطاع بعض الضحايا الحصول عليها، وبعض الجلسات العلنية. فتونس لم تخطُ أي خطوة لطيّ صفحة الماضي وتجاوز الإنتهاكات والجروح. من خلال المصالحة الشاملة تسعى النهضة إلى ذلك.

 

المفكرة: تزامن نظر المجلس الوطني التأسيسي في مشروع قانون العدالة الانتقالية سنة 2013 مع عمله على صياغة دستور 2014 ولكن بالرغم من أن هذا الدستور نص صراحة على التزامه بمبدأ التقاضي على درجتين في كل المحاكمات وفقا للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، غاب هذا المبدأ في قانون العدالة الانتقالية. كيف تفسرين هذا؟

الزغلامي: أنا كنت نائبة مؤسسة وأذكر أنني طرحت هذا السؤال على السيد سمير ديلو وكافة أعضاء اللجنة الفنية عند صياغة هذا القانون عندما كان مجرد مشروع. كما كان لي إعتراض على الفترة الزمنية الطويلة التى أوكلت لهيئة الحقيقة والكرامة. كان لي أيضاً تساؤل كبير حول امكانية إدراج مرسومي العفو العام ضمن هذا القانون. ولكن للأسف وقع التغاضي عن هذه التساؤلات في ظل ما كنا نعيشه من تجاذبات وأزمات في تلك الفترة ولم أتمكن من الحصول على إجابة وتم بعدها إقرار القانون.

مسألة التقاضي على درجتين هي الآن مطروحة بشدة من قبل النهضة في إطار مشروعها للمصالحة الشاملة الذي سبق وتحدثنا عنه. نحن نعتبر أنه لا بد من مبادرة تشريعية تضمن مواصلة عمل الدوائر القضائية المتخصصة لحفظ حق الضحايا والوصول إلى مصالحة شاملة في تونس.

أنا مسؤولة عن هذا الملف داخل حركة النهضة. وكان السيد راشد الغنوشي، وهو رئيس الحركة، طرح أمامي عدة مرات هذا السؤال فيقول باستغراب: "كيف صادقت الحركة على قانون لا يضمن حق التقاضي على درجتين؟" حيث يعتبر الغنوشي أن ذلك يمس جوهر العدالة بشكل كبير وخطير. هناك بعض من يرون أن العدالة الإنتقالية هي عدالة إستثنائية ويجب لها إجراءات إستثنائية. لهؤلاء أقول أننا حذفنا في دستور 2014 كل ما هو استثنائي، مثل المحاكم العسكرية. فاليوم يجب على وزارة الدفاع والقضاء العسكري العمل على قانون جديد يرتب القضاء العسكري كونه ليس استثنائيا بمقتضى الدستور.

اليوم، أعاد تحويل هيئة الحقيقة والكرامة للملفات على الدوائر القضائية المتخصصة دون تقصٍّ وتحقيق طرح مسألة غياب مبدأ التقاضي على درجتين بشكل حاسم.

 

المفكرة: مؤخرا، في تصريح لكِ، عبّرتِ عن مخاوف حقيقية تجاه مصير أرشيف الضحايا. ما سبب هذه المخاوف؟

الزغلامي: أعلنت مؤخرا رئيسة الهيئة أنها ستسلم أرشيفها للأرشيف الوطني. ولكن حتى اللحظة لم تسلم الأرشيف لا الورقي ولا الإلكتروني. هذا يدعو للاستغراب حقيقة. هل تعتبر الهيئة نفسها دولة فوق الدولة أو مؤسسة فوق المؤسسات الرسمية؟ هذا لا يدل فقط عن عدم احترامها للقانون بل عدم احترامها للضحايا وللعدالة الإنتقالية. ثم من يراقب الهيئة الآن في ظل أعمال التصفية؟ وكيف نضمن اليوم أن الهيئة ستسلم الأرشيف دون المساس أو التلاعب به؟ لا نقول أن هناك نية سيئة في ذلك ولكن إبقاء الأرشيف داخل الهيئة يؤكد أنّ أعمال تقصٍّ وتحقيق ما زالت مستمرة لأنها تعتمد على الأرشيف في ذلك، وهذا مخالف لقانون العدالة الانتقالية.

بعدما سلمت رئيسة الهيئة التقرير لرئاسة الجمهورية ثم رئاسة مجلس نواب الشعب، كلف رئيس الحكومة وزيره المكلف بوزارة حقوق الإنسان بإبرام اتفاقية مع الهيئة مكتوبة ومبرمة تنص على كيفية التسلم والتسليم للأرشيف والمعدات، ليتم بعد ذلك قبول تقريرها النهائي من قبل رئاسة الحكومة ونشره.

 

المفكرة: كيف تقيم يمينة الزغلامي مسار العدالة الانتقالية ؟ وكيف ترى سبل ضمان حق الضحايا؟

الزغلامي: مسار العدالة الانتقالية ليس سهام بن سدرين وهيئة الحقيقة والكرامة ولا سمير ديلو ووزارة حقوق الإنسان ولا أيا من الشخصيات أو المؤسسات. هذا المسار يخص تونس والتونسيين جميعا. ثورة تونس ثورة سلمية وضحايا الاستبداد، بالرغم ما تعرضوا له من إنتهاكات، يريدون العدالة الإنتقالية وطي صفحة الماضي لذلك يجب استكمال هذا المسار.

باعتقادي، أهم ما يمكن تحقيقه هو إدخال الجلاد في مسار العدالة الإنتقالية وآلياته وإصلاح المؤسسات العامة. هذه المسألة التي غابت عن أعمال هيئة الحقيقة والكرامة. أتمنى أن يصبح ملف العدالة الإنتقالية ملفا حقوقيا جامعا بحيث يتم فيها تكريم الشهداء والضحايا. ولكن في الواقع، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطا بالطبقة السياسية القادمة واستحقاقات انتخابات 2019.

فهل ستكون الطبقة السياسية المنتخبة مع مسار العدالة الإنتقالية أو ضدّه؟

وفي كلا الحالتين أعول على ضغط المنظمات والجمعيات الحقوقية في تونس على المنظومة الحاكمة في إتجاه إستكمال المسار. كما وأتمنى منهم تنحية الاختلافات الإيديولوجية جانبا. إنصاف الضحايا مسألة حقوقية واضحة وثابتة بقطع النظر عن الانتماءات الإيديولوجية والسياسية.

 

لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Zoghlami: TDC Success is Incomplete