في 2011، صدر قانون بمعاقبة جريمة الإتجار بالأشخاص، وقد تم بموجبه إضافة مواد جديدة الى قانون العقوبات، اعتمد فيه للمرة الأولى مبدأ معاقبة استغلال الغير. وقد حصلت المفكرة القانونية على ملفي دعويين لا تزالان عالقتين أمام محكمة الجنايات في بيروت بتهمة الإتجار بالبشر. وفيما الأفعال التي تحركت الدعويان على أساسها هي دفع أصول (أمهات وآباء) لأولادهم القاصرين الى التسول، فإن المراجع القضائية الناظرة فيهما (النيابة العامة الاستئنافية في بيروت وقاضي التحقيق والهيئة الاتهامية) قد أجمعت على وصفها بأنها إتجار بالبشر، ما يجعلها جنايات وفق المادة 586 التي تم إدخالها في قانون العقوبات بموجب القانون المشار اليه أعلاه. وتعاقب المادة هذا الفعل بالاعتقال مدة 10 سنوات وبغرامة بحال كان الجاني "أحد أصول المجني عليه". واللافت في هذا التوجه أنه يحصل رغم الحذر القضائي إزاء تطبيق المواد المتصلة بالإتجار بالبشر، وفي حين أنه كان من الممكن الادعاء على هذه الأفعال بمخالفة مادة أخرى في قانون العقوبات، وهي تحديداً المادة 618 عقوبات التي تعاقب من دفع قاصراً على التسول بالحبس لمدة أقصاها سنتان[1]. وبالتالي، من اللافت أن عدداً من القضاة أجمعوا على عد دفع القاصرين الى التسول في هذه الحالة إتجاراً بالبشر على غير عادة وربما للمرة الأولى من دون أن يتطرقوا حتى الى احتمال أن تشكل هذه الأفعال جنحة وفق المادة 618، علماً أن ثمة فارقاً شاسعاً في النتائج والعقوبات المترتبة على ذلك. ومن هذا المنطلق، من شأن التدقيق في هذين الملفين أن يعلمنا كثيراً عن كيفية مقاربة القضاة لجرائم الإتجار بالبشر.
وقائع الملف الأول
وفي وقائع الملف الأول، ألقت مفرزة استقصاء بيروت، في نهاية شهر تشرين الثاني من العام 2012، حوالي الساعة الثامنة مساءً، القبض على قاصرين من الجنسية السورية، وهما يقومان ببيع العلكة والتسول في شوارع بيروت. وتبعاً لذلك، استدعت القوى الأمنية الوالدة للتحقيق معها "لمعرفة سبب إرسالهما الى الطريق". وخلال التحقيق معها أفادت بأنها أم لأربعة أولاد وأنها مصابة بمرض مزمن وتمشي على العكاز وهي متأهلة من رجل سوري لديه "ديسك" لا يعمل، وأنه بسبب "وضعنا المادي في هذه الأيام الأخيرة والجوع الذي مررنا فيه أرسلتُ ولديّ الى الشارع لبيع العلكة لكي نشتري الخبز". وعلى إثر هذه الإفادة، قرر المحامي العام الاستئنافي في بيروت توقيف الوالدة وتسليم القاصرين الى مؤسسة للرعاية الاجتماعية وإحالة الملف أمام القاضي المنفرد الناظر في قضايا جنح الأحداث في بيروت لإجراء ما يراه مناسباً بالنسبة للقاصرين "على ضوء أحكام المادة 26 من قانون الأحداث". ولدى استجواب الوالدة من قبل قاضي التحقيق في بيروت بشأن حمل ولديها على التسول، أجابت أنها وزوجها يعانيان من أمراض لا تسمح لهما بالعمل وأنه "نظراً لضيق الحال وعدم تمكننا من دفع إيجار الغرفة التي نقيم فيها، ذهب الولدان للتسول لتسديد الأجرة، ووضعنا المادي سيئ جداً ولا نستطيع العودة الى بلدنا جسر الشغور في سوريا بسبب الأوضاع الأمنية". وقد انتهى الى اتهام المدعى عليها من قبل الهيئة الاتهامية وفق القرار الظني لقاضي التحقيق، بجناية الإتجار بالبشر وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحقها وإحالتها الى محكمة الجنايات في بيروت لتحاكم أمامها".  وقد بنت الهيئة قرارها، على ما تم إبرازه من وقائع، معتبرة أن المدعى عليها، و"بحكم سلطتها كوالدة للقاصرين، دفعتهما للتسول في الشوارع تحت ستار بيع العلكة، حتى أوقات الليل واستغلالهما لجني المال وهما بعمر يحتاجان فيه للرعاية". أما بالنسبة لما صرحت به الوالدة عن وضعها ووضع زوجها الصحي، فقد اعتبرت الهيئة الاتهامية أن هذا الأمر "ليس من شأنه رفع التبعية الجزائية عنها"، أما بالنسبة الى ما أدلت به عن عدم تمكنها من العودة الى جسر الشغور، فاعتبرت الهيئة الاتهامية أنها "محاولة للإيحاء بأنهم اضطروا لترك بلدهم بسبب الوضع الأمني في حين أنها مقيمة في لبنان منذ قبل العام 2006 بدليل وجود حكم صادر بحقها في تلك السنة (ملاحظة: لم يذكر الملف في أي لحظة ما هو الجرم موضوع الحكم المشار اليه، كما لم يلفت الملف الى ختم دخول الأمن العام على بطاقة عودة المدعى عليها والمؤرخ في 16/6/2012). وبعد أن عيّنت المحكمة محامياً للمدعى عليها بناءً على طلبها، أدلت خلال استجوابها أمام محكمة الجانيات بأنها لم تكن على علم بأن أولادها يبيعون العلكة بالشارع، إنما كانت تعتقد أنهما ذهبا للعب الانترنت.
وقائع الملف الثاني
أما بالنسبة لوقائع الملف الثاني، فقد قامت مفرزة استقصاء بيروت بتاريخ 17/1/2013 بتوقيف أربعة قاصرين وهم يقومون ببيع العلكة والتسول في بيروت، علماً أن والدة أحدهم كانت برفقتهم. وتبعاً لذلك، تم التحقيق مع والدة اثنين منهم، كانت موجودة معهما على الطريق وقد أفادت بأن سبب وجودها بمعيتهما في حال تسول على الطريق العام هو حالتهم الاقتصادية الصعبة وأن زوجها متوفى. كذلك تم التحقيق مع أصول القاصرين الآخرين (وبعضهم أقارب) وأفادوا بأنهم هربوا من سوريا منذ حوالي شهر بسبب الأوضاع الأمنية هناك، وأفادت والدة أحدهم بأن زوجها متوفى، وأنها تعمل في مجال تنظيف البيوت وأن ابنها لا يتسول بل يبيع العلكة بسبب وضعهم المادي الصعب ومن أجل الحصول على "قوت يومنا". أما شقيق أحد القاصرين فقد أفاد بأن شقيقه يقدم على بيع العلكة من تلقاء نفسه وأنه يذهب مع أبناء الجيران ولم يطلب منه هذا، علماً أنه "كان يتابع دروسه في سوريا". وقد قرر المحامي العام الاستئنافي في بيروت إحالة الملف أمام القاضي المنفرد الناظر في قضايا جنح الأحداث في بيروت لإجراء ما يراه مناسباً بالنسبة للقاصرين، الذين تم تسليمهم الى مركز رعاية اجتماعية؛ كما قرر توقيف أصول ثلاثة منهم (لم يتم توقيف شقيق القاصر الرابع كما لم يتم توقيف والدته أو والده بسبب وجودهما في سوريا)، وإحالتهم أمام قاضي التحقيق حيث تبنوا جميعاً ما أدلوا به خلال التحقيقات الأولية. وقد أضاف أحدهم أنه لم يكن على علم بأن القاصر يعمل خارج المنزل. كما نفوا التهمة المنسوبة لهم وهي الإتجار بأولادهم. وقد اعتبرت الهيئة الاتهامية على غرار قاضي التحقيق أن فعل المدعى عليهم الثلاثة هو إتجار بالبشر مؤكدة وجوب محاكمتهم أمام محكمة الجنايات. واعتبرت أن كلاً من المدعى عليهم الثلاثة "أقدم على الإتجار بابنه القاصر، مستغلاً سلطته الوالدية عليه للاشتراك معه ليلاً، في التسول واستجداء الإحسان، عن طريق التحجج ببيع العلكة".
وبذلك، تبدو الهيئات القضائية المذكورة وكأنها مالت بسرعة الى تطبيق قانون الإتجار بالأشخاص، أي الى تكييف الأفعال المعروضة عليها بالشكل الذي يسمح بتطبيق أقسى العقوبات عليها، فعدّتها جناية الإتجار بالبشر وليس جنحة الدفع للتسول المشار اليها أعلاه. وكما تقدم، من اللافت أن يتصل أول تطبيقات قانون تجريم الإتجار بالبشر على أمهات سوريات دفعن أولادهن الى التسول وهم في حال عوز كما هي حال معظم اللاجئين. ففي حالات كهذه، يكون الدافع الى التسول عموماً ليس الإثراء أو الإتجار بالآخر، إنما أود هؤلاء جميعاً، ما يجعل الأصول كالأطفال ضحايا الفقر والحاجة وربما القوة القاهرة، ويجعل التشدد العقابي هنا في غير محله. وما يجعل الأمر أكثر غرابة هو خلو الملفين من أي استجواب للقاصرين ومن نظرتهم لما كانوا يتعرضون له. كما لا توجد أي إشارة أو حتى تلميح الى احتمال أن يكون أهل القاصرين يعملون ضمن عصابة أم لا، إضافة الى عدم البحث عن طبيعة الاستغلال الحاصل أو مدى حاجة أو فقر تلك العائلات وفيما إذا كان لديها مصدر رزق آخر أو ممكن.  
 ومن هذه الزاوية، يصبح التساؤل مشروعاً في ما إذا كان تشدد القضاة هنا يتصل بإرادة جدّية للقضاء في التصدي لجميع أشكال الاستغلال أم أنه يندرج ضمن خانة ردود الفعل ضد تكاثر أعداد اللاجئين السوريين[2]، تماماً كما هي حال الحملات التي تقوم بها بلديات عدة لمنع تجمع وتجول هؤلاء أو أيضاً قيام الجيش اللبناني بضرب عمال سوريين في الأشرفية في نهاية العام الفائت[3]أو أيضاً الممارسات التي قام بها عناصر بلدية الدكوانة بتغطية كاملة من رئيسها، من تعرية وتحرش وضرب وإيذاء ضد بعض المواطنين السوريين مثلاً. وما يزيد هذا التساؤل إلحاحاً هو أن تشدد القضاة في هاتين القضيتين قد طال عملياً إحدى الفئات الأضعف اجتماعياً، فيما "عصابات الإتجار معروفة لدى الأجهزة الأمنية وكان بإمكانهم ملاحقتها عندما أصبح القانون نافذاً. ومن الأمثلة الدالة على ذلك هو قرار صادر عن قاضي التحقيق (المنشور في هذا العدد) بمنع محاكمة والد قاصرة ذات 9 سنوات، ثبت أنها كانت تراقص زبائن أحد المطاعم الليلية في بيروت بجرم الإتجار بالبشر، نظراً "للبراءة" في وجهها.
كان من الضروري وضع إطار قانوني لحماية ضحايا الإتجار بالبشر، ولا سيما الأطفال منهم، إلا أن وضع نصوص منسلخة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي، ومن دون أي نقاش عام حول الفئات التي يهدف هذا القانون الى حمايتها، قد يكون أدى الى استخدامه على نحو مخالف لأهدافه الأساسية، فانقلب القانون من أداة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً وعرضة للاستغلال الى أداة إضافية لمعاقبة هؤلاء والاقتصاص من فقرهم، في جوٍّ عام يتّسم بالعنصرية ضدّهم.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية

[1]المادة 618 من قانون العقوبات: "من دفع قاصرا دون الثامنة عشرة من عمره الى التسول جرا لمنفعة شخصية عوقب بالحبس من ستة أشهر الى سنتين وبالغرامة من عشرين ألف الى مئتي ألف ليرة لبنانية