نصب بتاريخ 29-04-2016 محتجون خيمتهم بساحة باردو قبالة مجلس نواب الشعب معلنين دخولهم في اعتصام مفتوح اختاروا له تسمية اعتصام المصير حددوا مطلبا له تفعيل العفو التشريعي العام. كان هؤلاء من قدماء المساجين السياسيين المشمولين بالعفو التشريعي العام وكانوا قبل ذلك ممن شاركوا في اعتصامات متكررة في ساحة الحكومة بالقصبة طلبا لحقوق فرضها المشرع لضحايا الحقبة الاستبدادية وحجبتها عنهم حسابات السياسيين. كان يُنتظر أن ينتهي الاعتصام الذي يهدف إلى تسريع مسار العدالة الانتقالية والتنبيه للمخاطر المحدقة به سريعا، بالنظر إلى قلة مناصريه وكثرة منتقديه. لكن وخلافا لما كان متوقعا، ظلت خيمة الاعتصام عامرة بالمحتجين وروادهم من السياسيين والناشطين الذين شاركوا في الندوات والسهرات التي كانت تدار في محيطها لحين إعلان أصحابها عن رفع اعتصامهم بتاريخ 31-12-2018. ذاك الاعتصام الذي كانت من فعالياته القارة وقفة احتجاجية كل خميس أمام مقر هيئة الحقيقة والكرامة وتظاهرات وندوات وتحركات بقية الأسبوع للحديث عن مواقع الخلل في مسار العدالة الانتقالية.

ويبدو من المهم وقد قرر المعتصمون وضع حد لاعتصامهم الذي ربما هو أطول الاعتصامات التي عرفتها تونس بعد الثورة، السؤال عن أهدافه ومخرجاته وتصورات من صنعوه. وتلتقي في هذا الإطار المفكرة المنسق العام للاعتصام "محمد الجميعي" للسؤال عن الاعتصام والعدالة الانتقالية والإنتظارات (المحرر).

 

المفكرة: هل تعرفنا باعتصام المصير؟

الجميعي: اعتصامنا يعبر عن مطلب ثوري أجمعت عليه العائلة السياسية الديمقراطية قبل الثورة وبعدها. فقد كان من ثابت القول دوما أن الإشكال الذي عانت منه تونس قبل الثورة كان إشكالا سياسيا وأن المدخل لمعالجته سياسيّ بالضرورة. ولهذا كان أول نص قانوني يصدر بعد الثورة هو مرسوم العفو التشريعي العام. تبين لاحقا أن العفو لا يحقق كل المطلوب إذ نحتاج علاوة عليه مسارا لعدالة انتقالية تحقق كشف الحقيقة وجبر الضرر وتنتهي بالمصالحة. واعتصامنا كان دفاعا عن العدالة الانتقالية وبالتالي هدفه تحقيق أهداف الثورة ومنع الإنقلاب عليها.

 

المفكرة: هنا تبدون في علاقة تواصلية مع اعتصام القصبة لتفعيل العفو التشريعي العام الذي انطلق منذ سنة 2011. أليس كذلك؟

الجميعي: نعم ولكن إلى حد ما. فبعد صدور مرسوم العفو العام، لاحظنا تلكؤا سياسيا في تفعيله، فكنا لذلك في اعتصام القصبة لتفعيل العفو التشريعي. لاحقا تم سن القانون الأساسي للعدالة الانتقالية وبات العفو التشريعي جزءاً من مسار العدالة الانتقالية فكان اعتصام المصير وهدفه الدفاع عن مسار العدالة الانتقالية، بما يعني أن هدفنا أن نتصدى للمتآمرين عليها.

فقد لاحظنا أن مسار العدالة الانتقالية بات يعاني من تلكؤ وتعطيل وهناك عجز من المحيط الاجتماعي أي المجتمع المدني عن الدفاع عن مصالح ضحايا الحقبة الاستبدادية. فجاء اعتصامنا بمثابة ردّة فعل هدفها الدفاع عن العدالة الانتقالية. لقد وجدنا أنفسنا كمعتصمين على ضعف إمكانياتنا وضعف إسنادنا ندافع على سلامة مسار يتعدد المتدخلون فيه وأشكال الإخلال.

 

المفكرة: تعتصمون لتضغطوا على من؟

الجميعي: نحن كمعتصمين وبمجرد صدور قانون العدالة الانتقالية درسنا نصه وقسمنا المسؤوليات على ثلاث دوائر هي هيئة الحقيقة والكرامة والحكومة ومجلس نواب الشعب و قررنا أن نناضل من أجل فرض التزام كل دائرة بما هي ملزمة به.

بالنسبة للحكومة، كان مطلوبا منها إحداث صندوق الكرامة. إلا أنها تلكّأت في هذا المسار إلى حدود الشهر الرابع من سنة 2017. هذا التقصير مضر لأنه ضيع وقتا مهما كان يمكن أن يستعمل في تعبئة الموارد. كما كان على الحكومة أن تلعب دورا ايجابيا في إثبات ما تعرض له الضحية من انتهاك وهذا ينقي الضحايا من الضحية الوصم أي الضحية المزيفة.

كان يمكن لو تعاونت الحكومة مع الهيئة ولو أحسنت الهيئة اختيار منهجية العمل أن تكون الملفات التي تعهدت الهيئة ببحثها أقل عدديا. ولو حصل ذلك، لتمّ اقتصاد جهد هامّ ضاع في ملفات لغير الضحايا الحقيقيين وعلى حساب ملفات انتهاكات جسيمة حقيقية. كما أن هذا كان سيؤدي لأن تكون المبالغ التي يجب رصدها للتعويضات أقل بكثير. وفي ذات الإطار، كان على الهيئة ان تعمل وفق منهجية تسمح بتحقيق أهداف العدالة الانتقالية. ولكنها خيبت آمالنا وكان على مجلس نواب الشعب ان يمارس دوره الرقابي على الحكومة لدفع المسار.

 

المفكرة: من الملفات التي عملتم عليها، ما يصطلح على تسميته ملف المفروزين أمنيا، أي قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس، الذين منعوا أثناء الحقبة الاستبدادية من العمل على خلفية نشاطهم النقابي. فكيف كان تقييمكم لأداء الحكومة والهيئة في هذا الخصوص؟

الجميعي: فيما تعلق بملف المفروزين أمنيا، يهمني أن أنبه لكون جميع المتداخلين فيه من حكومة واتحاد عام تونسي للشغل وأحزاب سياسية يسارية لم تلتزم بقواعد العدالة الانتقالية تلك القواعد التي تفترض أن تكون مساراتها وحدها من يحدد الضحية وعلى أساس قواعد جبر الضرر. فقد شاب هذا الملف الكثير من الفساد، بمعنى أنه تعلّق بانتدابات مباشرة وخارج القانون لأشخاص يُدعّى أنّهم ضحايا في حين أنّ الحكومة توقفت عن الانتداب المباشر للمشمولين بالعفو التشريعي العامّ، رغم أن ضرر هؤلاء ثابت بقانون. يضاف إلى ذلك أن من المعنيين بملف المفروزين أمنيا، من لم يتجاوز سنه أربعة وعشرين سنة بما يعني أنه كان طفلا في عهد بن علي. وعليه، هي صفقة سياسية من أطراف استهدفت دوما في خطابها حقوق ضحايا الانتهاكات الحقيقيين. وهي صفقة تتمّ خارج القانون لأن القانون حدّد هيئة الحقيقة كجهة صالحة لتحديد الضحية، ولا يقبل بالتالي إسناد هذه الصفة دون المرور بها. كما لا يمكن تمتيع فئة لاعتبارات سياسية بحق الانتداب وحجبها عن سواهم.

 

المفكرة: ما هي مؤاخذاتكم على الهيئة؟

الجميعي: يُفترض في العدالة الانتقالية أن تكون سريعة وناجزة وعادلة. ومن أهداف العدالة الانتقالية أيضا، تغيير حالة الفرد، بمعنى إسعاف الضحايا ووضع حدّ مؤقت لضررهم. خطأ الهيئة كان منهجيا، بمعنى أنها ذهبت إلى تجميع الملفات وتضخيم عدد الضحايا. ولو أنها سعت منذ البداية لفرز حقيقي للملفات بحثا عن الضحية الحقيقية، لكان بإمكانها أن تدخر الجهد والوقت وأن توجه الإمكانيات لتحقيق أهدافها.

 

المفكرة: هناك من يتهم اعتصامكم بكونه تحركا يهدف لتوظيف ملف العدالة الانتقالية لفائدة حركة النهضة من خلال التدخل في عمل الهيئة بشكل يمس من استقلاليتها.

الجميعي: لنتفق بداية أن الضحية في العدالة الانتقالية مناضل سياسي ذو موقف وتعرض للاضطهاد بسبب موقفه ذلك. فلا يمكن أن نلومه على كونه متحزبا أو منتميا حزبيا. لا يعني هذا بتاتا صحة الاتهام. فنحن كنا ندافع عن استحقاق وطني وليس من ذنبنا أن عديد الأطراف السياسية انقلبت على مسار العدالة الانتقالية بعد أن كانت داعمة له.

لقد شهدنا منذ سنة 2014 محاولات انقلابا ناعما على العدالة الانتقالية، من أدواته توصيم الضحايا بادعاء أنهم يبيعون النضال أو أنهم تابعون لطرف سياسي بعينه. عموما، وجب أن أوضح أن هدفنا كان الدفاع عن كل الضحايا وعن حق الوطن في الحقيقة وأن من بيننا من ينتمي لليسار ومن يحسب على الحركة اليوسفية وهذا كافٍ بذاته لنفي الاتهام المغرض. و أذكر هنا وللتاريخ أن هيئة الحقيقة والكرامة سبق وأصدرت بيانا حاول تجريم اعتصامنا ونحن اعتبرنا ذلك محاولة منها للتملص من رقابتنا على عملها، هذه الرقابة التي كانت من أهداف الاعتصام. وكان ردنا على الاتهام أن على الهيئة إثبات ما تدعيه من تدخل في عملها وإن أكدنا على حقنا في نقد الهيئة وغيرها من المتدخلين في مسار العدالة الانتقالية. وكان من مصادر قوتنا ليس تحزبنا كما يدعى، بل صدقيتنا في إيماننا بمبادئنا وقدرتنا على التضحية من أجلها. نحن لم نكن يوما واجهة لحزب معين بما في ذلك حركة النهضة بقدر ما كنا مناضلين وطنيين، قبلنا أن نتعذب دفاعا عن قيم آمنا بها.

 

المفكرة: من يتتبع تحركاتكم، يلاحظ أنها شهدت تطورا: في البداية، كان تحرككم مرتكزاً على نقد عمل هيئة الحقيقة. لكن في الفترات الأخيرة، انتهى الأمر لأن اقتصرت مطالباتكم على جبر الضرر.

الجميعي: هذا غير صحيح بالمرة: نحن ساهمنا في عمل الهيئة بتقديم ملفات مائة وأربعين من شهداء كما تولينا متابعة ملفات الدوائر المتخصصة. لقد كنا في كل ملفات العدالة الانتقالية.

 

المفكرة: لماذا اخترتم أن تنهوا اعتصامكم بالتزامن مع تاريخ انتهاء مهام الهيئة في 31-12-2018؟

الجميعي: نحن قدرنا أن نهاية عمل الهيئة ينهي مبرر استمرار الاعتصام الذي كان تحركا نضاليا في مواجهة ما ينسب لها من تقصير وفي مواجهة محاولات شيطنة حقوق الضحايا. لقد انتهت مرحلة الصياغة بنهاية عمل الهيئة. وبصرف النظر عن تقييمنا لأداء الهيئة، نقدر أن هذا الأمر يدخل المسار في مرحلة جديدة تحتاج إلى آليات تحرك جديدة. وهنا وللتاريخ، أذكر أن من أهم منجزات اعتصامنا أننا أفشلنا محاولة الهيئة تحويل حق الضحايا في جبر الضرر والتعويض لصندوق تنمية. ففي سنة 2015، توجهنا صوب الحكومة لمطالبتها بإصدار الأمر الخاص بإحداث صندوق الكرامة. فتفاجأنا بأن أعلمنا الوزير الراحل سليم شاكر بكونه وجه مشروع الأمر للهيئة لإبداء الرأي. وإذ عرض الوزير علينا اجتماعا ثلاثيا، لم يلقَ عرضه قبولا لدى الهيئة. عند هذا الحدّ، تبين لنا أن الهيئة كانت تخطط لتغيير جذري في فكرة جبر الضرر من خلال توجهها لاقتراح أن يتحول صندوق الكرامة لصندوق تنمية. ويعني هذا أنه وعوض تعويض الضحايا، تبعث مؤسسة جديدة يكون الضحايا مساهمين فيها وتخصص لتنمية الجهات. ونحن أسقطنا هذا المشروع الذي كان سيئد حق الضحايا في التعويض من خلال حملات "سيب الصندوق".

على أي، إنهاء الاعتصام لا يعني إنهاء نضالنا. سنستمر فيه إلى حين استكمال مسار العدالة الانتقالية، ومن أجل إعلاء قيمة النضال، تلك القيمة التي يجب أن تظل قائمة حماية للوطن.

 

 

لقراءة المقال باللغة الإنجليزية:

Al-Masir Sit-in: Inflating the Victim Count has Marginalized Victims Themselves

 

مقالات ذات صلة:

حوار مع حسين بوشيبة: ننتظر جبر الضرر لأكثر من 40 ألف ضحية

مقابلة مع النائبة يمينة الزغلامي حول أداء هيئة الحقيقة والكرامة: نجاح في السماعات وفشل في معالجة الملفات