بتاريخ 27/3/2013، صدر عن القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا حكم متميّز، قضى بإعلان براءة عاملة فيليبينية في الخدمة المنزلية من جرم السرقة لعدم كفاية الدليل. وقد صدر هذا الحكم غيابياً بعدما تم ترحيل هذه العاملة على خلفية ما نُسب زوراً اليها. وكانت الدعوى قد بدأت فصولها في 2011، حين تقدمت سيدة لبنانية بادعاء شخصي أمام النيابة العامة الاستئنافية في بعبدا، بوجه العاملة في منزلها، متهمة إياها بسرقة مجوهرات بقيمة خمسة عشر ألف دولار أميركي. قراءة الملف القضائي لهذه الحالة، والذي يشكل نموذجاً لقضايا مماثلة، تبين خللاً كبيراً فادحاً في المنظومة التي تخضع لها العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية، تلك المنظومة التي تبيح توقيف عاملة لأشهر عدة ومن ثم ترحيلها بقرار من الأمن العام من دون علم القضاء، تبعاً لادعاء صاحب(ة) العمل، مهما كان واهياً. وفضلاً عن التنظيم الجائر لعلاقات العمل المذكورة، نتبين في نواح عدة من الملف وفي مختلف مراحله سواد النظرة النمطية للعاملة والأحكام المسبقة عليها، الى درجة يصبح معها أي خروج عن التنظيم المذكور أو أي مساحة خاصة للعاملة موضع شبهة على ارتكاب الجرم. وقد انسحبت هذه النظرة على مجمل أجهزة التحقيق، بدءاً بالضابطة العدلية والادعاء العام وانتهاءً بالقاضي، بحيث استغرقوا الجزء الأكبر من التحقيقات في التدقيق في مدى تمتعها بالعطل (يوم عطلة لكل شهر) وحريتها بالخروج والدخول (وفيما إذا كان باب صاحب العمل يقفل عند خروجه) والعلاقات الخاصة التي تقيمها ووسائل تواصلها مع العالم الخارجي. كما تبدت النمطية واضحة في استباحتها من آمر السجن الذي له ألا يسوقها لجلسات عدة من دون رادع، ومن الأمن العام الذي له أن يرحّلها من دون إعلام المحامي ولا القاضي بالأمر.بل إنها طالت بدرجة معينة محامي العاملة نفسه الذي بالكاد يتواصل مع موكلته ولا يعلم شيئاً عن مكان توقيفها أو عن ترحيلها. وإليكم التفاصيل.
التحقيقات لدى الضابطة العدلية
علاقة عمل أم علاقة تسلط؟
تظهر القضية منذ فصولها الأولى جوانب هامة من روابط الاستغلال بين العاملة في الخدمة المنزلية وصاحب(ة) العمل، والتي تصل الى حد استباحة خصوصيتها الى درجة يمسي معها أي تواصل مع العالم الخارجي بل أي تصرف في حدود الحيز الخاص موضع شبهة بارتكابها الجرم المدعى به (السرقة).
فتبعاً للشكوى التي تقدمت بها صاحبة العمل اللبنانية بتاريخ 22/9/2011 ضد عاملتها بتهمة سرقة ذهب بقيمة 15,000 دولار أميركي، مؤكدة أنها كانت تعلم بمكان المجوهرات التي سرقت، تم الاستماع الى العاملة بحضور مترجم بناءً على طلب المدعي العام وليد المعلم. وقد أنكرت العاملة ما ورد في الادعاء مستغربة إياه "كانت لي علاقة جيدة مع معلمتي طيلة هذه السنوات وأستغرب هذا الادعاء ضدي من معلمتي، وكانت كلما تعرضت لأي مشكلة تهددني بفسخ عقد العمل وبترحيلي الى بلادي، وبعد ذلك تعود الى طبيعتها وتعتذر لأنها كانت تعاني من مشكلة ما". ونلحظ هنا استخدام عبارة "معلمتي"، علماً أنه من غير الواضح على لسان من وردت: العاملة أم المترجم أم كاتب المحضر، وإن بقيت دالة على سواد ذهنية معينة. كما نلحظ إشارة العاملة الى التهديدات بفسخ العقد وترحيلها الى بلدها كلما مرت صاحبة العمل بأية مشكلة خاصة، ما يبرز علاقة القوة والسيطرة الى حد التسلط.
كما أنكرت العاملة علمها بوجود المصاغ، مجيبة أنها لم تكن تفتح خزانة الثياب بل تضع الغسيل في سلة الكي لتقوم صاحبة العمل بتوضيبه في الخزانة.
حياة العاملة الشخصية، محور التحقيق الأولي؟
في المخفر، سُئلت العاملة إن كانت تملك هاتفاً خلوياً وإن كانت على علاقة مع أي شخص، لا سيما مع "الخادمة التي تعمل لدى والد زوج المدعية" والتي "تبين" أنها كانت تتشارك معها مكان النوم منذ أربع سنوات، علماً أن صاحبة العمل لم تشر الى ذلك.
وبناءً على إشارة المحامي العام، تم الاستماع الى إفادة هذه الأخيرة من دون حضور مترجم، إذ صرحت أنها تجيد اللغة العربية. وأشارت الى أنها على "علاقة صداقة مع الخادمة المدعى عليها (...) منذ حوالي أربع سنوات منذ بداية عملها لدى (...) وهي على آداب حسنة وليس لديها علاقات مع أشخاص آخرين".
وهذا الجواب يوحي بوجود سؤال حول علاقة العاملة المدعى عليها مع أشخاص من خارج دائرة المنزل وصاحبة العمل، رابطاً ذلك بالآداب الحسنة، وكأن تكوين العاملة علاقات مع العالم الخارجي يؤدي حكماً الى الشك بحسن آدابها أو بمدى التزامها بالقوانين.
العاملة: المشتبه به الوحيد
بناءً على المعلومات الواردة في الإفادات المشار اليها، أشار المحامي العام بتوقيف المدعى عليها وبترك العاملة لدى والد زوج المدعية بموجب سند إقامة.
ويجوز التساؤل لماذا تقرر الإبقاء على العاملة المدعى عليها وترك صديقتها؟ علماً أن أقوالهما متشابهة، ومكان إقامتهما هو نفسه وكلتاهما نفتا حصول السرقة. وهذا الأمر بذاته يعكس علاقة التملك بين صاحبة العمل والعاملة بحيث يشكل ادعاؤها عليها بمثابة طعن في أخلاقياتها ومشروعية إقامتها بحرية في لبنان، الأمر الذي لا ينطبق على العاملات المنزليات لدى أشخاص آخرين. كما يجوز التساؤل عن سبب عدم الاستماع الى الزوج واستبعاد أي احتمال أن يكون ضالعاً في سرقة مجوهرات زوجته، علماً أن سبب الشك بالعاملة حسبما ورد في إفادة صاحبة العمل الحاصلة عند التوسع بالتحقيق "أنه لا يوجد أحد في المنزل سوى أنا وزوجي والخادمة ولا يوجد أي آثار للكسر أو الخلع". كما مرد الشك هو أنه "لو كان شخصاً غريباً لكان أخذ كل شيء ولم يترك أشياء قليلة، وكوني أعتقد أن السرقة حصلت على عدة مراحل كوني لم ألاحظ أنه فُقدت أغراض منذ فترة".
وإذ أمر المحامي العام الاستئنافي بإحالة الملف الى المباحث الجنائية الاقليمية للتوسع في التحقيق لعدم توافر دليل غير أقوال صاحبة العمل المدعية، اقتصر التوسع هنا أيضاً على الاستماع مجدداً الى أقوال صاحبة العمل والعاملة ومزيد من الأسئلة حول حياة الأخيرة الخاصة وعلاقاتها، من دون استدعاء الزوج أو أي شخص آخر. كما من اللافت أن الملف بقي خالياً من أي إشارة حول رفع البصمات عن علبة المجوهرات.
الحق بالخصوصية، دليل اتهام!
ويأتي لافتاً تصريح صاحبة العمل خلال التحقيق أنها وجدت بين أغراض العاملة هاتفاً خلوياً بداخله شريحة فيليبينية تتلقى عليها الرسائل من الفيليبين ولا يمكنها استعماله في لبنان "علماً أنها لم تصرح لي عنه سابقا". وهنا، نلحظ بداية استهجان صاحبة العمل من وجود هذا الخلوي واعتقادها بأن من واجب العاملة لديها استئذانها إذا أرادت اقتناء أشياء مماثلة. وما يزيد من استباحة صاحبة العمل لخصوصية العاملة فداحة، هو أن صاحبة العمل لم تجد أصلاً حرجاً في الإدلاء بأنها أباحت لنفسها التفتيش في أغراض العاملة الشخصية والتدقيق ببيانات هاتفها الخلوي وأسماء المتصلين والرسائل المرسلة منها واليها بغياب هذه العاملة ومن دون علمها ودون إشراف القوى الأمنية. لا بل أسوأ من ذلك هو تدوين هذه الواقعة وكأن من شأنها أن تشكل خيطاً لكشف السارق، علماً أن الخلوي هو للاتصال بأشخاص بالفيليبين ولا يمكن من خلاله الاتصال بأشخاص في لبنان. وعليه، بدا أن التوسع في التحقيق يمر من خلال التوسع في التقصي في مجال الحيز الخاص للعاملة. 
فإذ سئلت العاملة المدعى عليها -بحضور مترجم "وبعد تلاوة الحقوق المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية" – عن العطل التي تستفيد منها، أفادت بأنها تمنح "يوم عطلة كل شهر تقريباً منذ ثلاثة أشهر أي خرجت ثلاث مرات بعلم مخدومتي". علماً أن من حقها أن تستمتع بيوم عطلة في الأسبوع على الأقل، أي أنها حصلت على 48 يوم عطلة في فترة 4 سنوات أي من أصل 1460 يوماً! كما سُئلت عن "إمساك رب المنزل [بها] أي زوج المدعية تخرجين من الغرفة خلسة"، فأجابت أنها كانت ذاهبة لمواعدة شخص تعرفت عليه إلا أنها عدلت عن ذلك ولم تلتق به بعدها. واستخدام كلمة "خلسة" يظهر بذاته علاقة التسلط وإشراف صاحبة العمل على كل ما تقوم به العاملة حتى وجوب استئذانها للخروج خارج دوام عملها (!) كما أن كل علاقة بأشخاص آخرين وتسللها من المنزل لمواعدة أشخاص، يمكن أن يشكل دليلاً ضدها ومصدر شك حول إمكانية تورطها بشبكة إجرامية. وبكلمة أخرى، لا يجوز لها أن يكون لها حياة خاصة خارجة عن سيطرةربة العمل ومراقبتها.
وبالمقابل، وإذ سُئلت صاحبة العمل عما إذا كانت تهددها بفسخ العمل كلما ارتكبت خطأ، أجابت أنه "من الطبيعي أنه عندما كانت ترتكب أي خطأ كنت أقول لها إنني سوف أعيدها الى المكتب الذي أحضرتها منه". وهي عبارة يستدل منها هنا أيضاً مدى هشاشة وضع العاملة التي يمكن فسخ عقد عملها في أي حين، ولأي خطأ قد ترتكبه، وإعادتها الى "المكتب" الذي جاءت منه، رغم انقضاء أربع سنوات على علاقة العمل. 
المسار القضائي
بداية المحاكمة: تأجيل خارج عن إرادة العاملة
بتاريخ 27/9/2011، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضي كلود كرم، على العاملة بجرم السرقة أمام القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا، بعد أن سطر مذكرة توقيف بحقها. وتقرر تعيين موعد الجلسة في 5/10/2011. إلا أنه تم تأجيل الجلسة حتى تاريخ 10/10/2011، بسبب عدم حضور المدعية رغم تبليغها موعد الجلسة عبر الاتصال بها، وبسبب عدم سوق العاملة الموقوفة. وهكذا بدأ مسلسل تأجيل الجلسات وإطالة مدة توقيف العاملة لخمسة أيام إضافية لأسباب خارجة عن إرادتها. وبالتاريخ المحدد للجلسة، استمهلت المدعية لتوكيل محام، بما يؤشر الى عدم اكتراثها بالوقت الذي تمضيه العاملة خلف قضبان السجن بحيث لم ترتئ، هي المشتكية، تعيين محام إلا بعد جلستين من بدء المحاكمة. وبناءً على طلب العاملة التي لا تجيد العربية، قررت المحكمة تسطير كتاب للسفارة الفيليبينية لتقوم بإيفاد من يقوم بأعمال الترجمة وأرجئت الجلسة الى 17/10/2011.
وفي الموعد المحدد، تم تأجيل المحاكمة مجدداً أسبوعاً إضافياً، بالرغم من حضور طرفي الدعوى والمترجم، وهذه المرة بطلب من محامي العاملة الذي وصله الملف مؤخراً عبر إحدى الجمعيات الخيرية وذلك لإبراز وكالته. وفي ما بعد، تم تأجيل جلسات المحاكمة ست مرات بسبب عدم سوق العاملة، الى أن تم إحضارها للمثول أمام المحكمة بتاريخ 7/12/2011 أي بعد مرور 42 يوماً من تاريخ مثولها للمرة الأولى أمام المحكمة وبعد مرور 75 يوماً على توقيفها.
الاستجواب أمام القضاء
نحا الاستجواب أمام المحكمة عموماً منحى الاستجواب أمام القوى الأمنية. فبدورها، وكما سنلفت له أدناه، تمحورت الأسئلة حول أيام عطل العاملة والجهة التي تتوجه اليها لتمضية هذه الأيام وعلاقتها مع الخارج. واستهلت الجلسة باستجواب المدعية من قبل المحكمة وتمحورت الأسئلة حول عدد القاطنين في المنزل، وتاريخ تفقدها للمجوهرات موضوع الدعوى وتاريخ تقديمها الشكوى، وما إذا كانت العاملة تقوم بالمس بالأغراض داخل الخزانة وتبين أنها لا تقوم بذلك. كما تم التطرق مجدداً الى حياة العاملة الشخصية حيث سُئلت المدعية إن كانت المدعى عليها تخرج من المنزل فأفادت بأنها كانت تخرج مرة في الشهر، وسُئلت كذلك عن تاريخ آخر مرة خرجت بها العاملة من المنزل. وبعد ذلك، انتقلت المحكمة الى استجواب العاملة المدعى عليها التي كررت إفادتها الأولية وأضافت أنها لم تشاهد مكان مجوهرات المدعية، مؤكدة مجدداً أنها لا تقوم بترتيب أو لمس الأغراض الموجودة داخل الخزانة. كما سُئلت عن حياتها الخاصة وإن كان لديها أي صديق وعن الجهة التي كانت تقصدها عند مغادرتها المنزل، ومجدداً يظهر أن أي علاقة خاصة للمدعى عليها هي موضع شبهة وتساؤل. كما طرحت عليها أسئلة من قبل وكيل المدعية الذي سأل إن كانت تسمح للبستاني بالدخول الى المنزل، وإن كانت المدعية تقفل الباب عليها عند مغادرتها المنزل (وأجابت العاملة بأنها لم تكن تقفل عليها الباب)، كما سألها إن كانت تملك خط هاتف خلوياً لبنانياً.
 وتقرر تأجيل الجلسة الى تاريخ 14/12/2011 لورود كتاب جواب شركتيwestern union  و money gramبشأن الحوالات التي تمت لحساب شخصين معينين في الفيليبين؛ وكان قد تقرر استفسارهما بشأن ذلك بناءً على طلب وكيل المدعية. وفيما ورد جواب شركة money gram  بعد ستة أيام من تحرير كتاب المحكمة بأنه لم يتبين أي عمليات تحويل من لبنان الى الفيليبين باسم أي من الشخصين المذكورين، ورد جواب شركة western union بعد أكثر من شهر على تحرير كتاب المحكمة (26/1/2012)، وقد جاء فيه أن المدعية صاحبة العمل قامت بتحويل 200 د.أ مرتين لأحد هذين الشخصين. وبذلك، وبدل أن تثبت المدعية قيام المدعى عليها بتحويل مبالغ مشبوهة الى الفيليبين، توفر إثبات معاكس على عدم حصول ذلك.
موقوفة "مخلى سبيلها" = موقوفة لصالح الأمن العام
بتاريخ 16/1/2012، قرر القاضي الناظر في الدعوى تخلية سبيل المدعى عليها دون كفالة وإطلاق سراحها فوراً ما لم تكن موقوفة بجرم آخر، وذلك نظراً "لماهية الجرم ومدة التوقيف"، ما دامت مدة التوقيف قد وصلت لثلاثة أشهر و24 يوماً وهو ما يناهز الحد الأقصى للتوقيف المسموح به وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية (4 أشهر محددة). وقد تم ذلك رغم اعتراض المدعية، وبعدما تركت النيابة العامة للقاضي الأمر لتقديره.
ورغم هذا القرار، نقرأ في محضر جلستي الأول والثالث والعشرينمن شهر شباط/فبراير 2012 العبارات التالية: "حضر الاستاذ (...) عن المدعى عليها المخلى سبيلها والتي تعذر إحضارها كونها موقوفة لصالح الامن العام". ونلحظ هنا اجتماع الأضداد في هذه العبارة، بحيث ورد فيها أنها موقوفة رغم قرار القاضي بإخلاء سبيلها، على نحو يشكل مساً خطيراً في القرارات القضائية. ورغم ذلك، لم يبادر القاضي الى إحالة مسألة الاحتجاز التعسفي الى النيابة العامة، لا بل تقرر إرجاء الجلسة مجدداً الى 12/3/2012 أي لـ29 يوماً. ونلحظ هنا كيف أصبح القاضي يؤجل مواعيد الجلسات لتواريخ متباعدة (شهر تقريبا) على عكس بداية المحاكمة حيث كان يتم الالتزام بالتأجيل ضمن مواعيد قصيرة (بين أسبوع وأسبوعين كحد أقصى)، ومرد ذلك يعود على الأرجح لوضعية المدعى عليها التي قامت المحكمة بإخلاء سبيلها بحيث لم يعد لإطالة أمد المحاكمة وفق رأي المحكمة أي تأثير سلبي على حريتها، ما دام التوقيف الذي حصل بعد ذلك انما يتصل بتعليمات الأمن العام وليس بالقضاء. وبالطبع، تقدير المحكمة على هذا الوجه ليس في محله ما دام توقيفها من قبل الأمن العام حصل بمناسبة الادعاء عليها ومحاكمتها، وهو يشكل قانوناً احتجازاً تعسفياً سافراً وجرماً بمفهوم أحكام المادة 8 من الدستور اللبناني معطوفة على المادة 367من قانون العقوبات.
واللافت أن المحكمة ظلت بعد ذلك ترسل برقيات لسوق الموقوفة لحضور جلسات المحاكمة، من دون أن يتم سوق المدعى عليها اليها.  
ترحيل العاملة دون إعلام القضاء وقبل صدور الحكم
علامة أخرى نجدها في الملف وتعكس مسار التعامل مع العاملات في الخدمة المنزلية، ومفادها ترحيل العاملة المدعى عليها خلال المحاكمة، وقبل صدور الحكم، ومن دون إعلام أي من القاضي الناظر في النزاع أو المحامي الذي يمثلها.
فبعد تغيب العاملة عن عدد من الجلسات، وجه كاتب المحكمة بتاريخ 9/3/2012 رسالة الى المديرية العامة للأمن العام لمعرفة إن كانت المدعى عليها لا تزال موقوفة، فجاء الجواب بأنها "غير موجودة في سجلاتهم". وفي جلسة 12/3/2012 حضر وكيل العاملة المدعى عليها "المخلى سبيلها" وصرح أن العاملة "لا تزال موقوفة في سجن طرابلس بانتظار إحالتها الى المديرية العامة للأمن العام"، كما تبين أن مذكرة تخلية السبيل لم ترسل الى السجن، علماً أنه مر شهر و26 يوماً على إصدارها. فأرسل إشعار بهذا المعنى الى السجن مع تسليمه باليد لمحامي العاملة مع إرجاء الجلسة الى 25/6/2012 (أي بعد ثلاثة أشهر و13 يوماً). وفي جلسة 25/6/2012 وإذ صرح وكيل المدعية أنه تم ترحيل العاملة، فإن وكيل العاملة صرح بالمقابل أنه ليس على علم بهذا الأمر!! وتبعا لذلك، سطرت المحكمة كتاباً الى المديرية العامة للأمن العام لمعرفة ما إذا ما كانت العاملة لا تزال موجودة على الأراضي اللبنانية، فأتى جواب الأمن العام في 26/9/2012 بأن العاملة غادرت الأراضي اللبنانية الى الإمارات العربية المتحدة في 21/4/2012.
ويسجل هنا أن قرار إخلاء السبيل الذي تأخر لأشهر إبلاغه من السجن، أدى عمليا ليس الى الإفراج عن المدعى عليها وإتاحة الفرصة لها للدفاع عن نفسها إثباتاً لبراءتها في الدعوى المرفوعة ضدها، بل الى ترحيلها من قبل المديرية العامة للأمن العام من دون إعلام أي من المحامي ممثلها أو المحكمة الناظرة في القضية واللذين بقيا وكأنهما آخر من يعلم. وعليه، يظهر بوضوح أن العاملة تصبح عند الادعاء عليها من قبل صاحب (ة) العمل بأي أمر (مهما كان واهيا) معرضة للتوقيف الاحتياطي لأشهر طوال ولمحاكمة قلما تساق اليها. فإذا توافر لها من يطلب إخلاء سبيلها أقله عند انتهاء الحد الأقصى للتوقيف الاحتياطي، فإن إخلاء السبيل لا يؤدي قط الى تحسين وضعها: إنما يخرجها من السجن الى نظارة الأمن العام، حيث تحتجز لفترة قد تطول أو تقصر وفق مدى استعداد صاحب العمل المشتكي تأمين نفقات السفر، ليصار من ثم الى ترحيلها خارج لبنان من دون أي تنسيق مسبق مع القاضي لمعرفة مدى حاجته الى وجودها أو استجوابها وأيضا من دون تمكينها من الطعن بمشروعية قرار ترحيلها.
وانطلاقا من ذلك، تبرز إشكالية في الكثير من القضايا في الاعوام المنصرمة، وهي علاقة الامن العام والقضاء الذي تمنع ولايزال يتمنع، مثل ما تثبته وقائع هذه القضية، عن تنفيذ أحكام صادرة عن السلطة القضائية، معتبراً أن "سلطته هو يلي بدها تمشي"[1]. وما قام به الامن العام بترحيل العاملة الاجنبية قبل صدور الحكم القضائي، لا يشكل فقط إعراضاً عن تنفيذ قرارات قضائية، انما أيضا استخفافاً تاماً بالقضاء وبالمحاكمة التي لم تبلغ خواتيمها بعد.
 وتبعاً لترحيل العاملة، أصدر القاضي قراراً في 27/3/2013 ببراءة العاملة لعدم كفاية الدليل. وقد أتى الحكم بعد ان دامت القضية أكثر من سنة ونصف وبعد أن أبقيت العاملة محتجزة لما يقرب من أربعة أشهر احتياطيا وهو الحد الأقصى للتوقيف في الجنح ولما يقرب من ثلاثة أشهر تعسفاً (شهرين بسبب التأخر في ابلاغ السجن قرار إخلاء السبيل + شهراً بسبب إجراءات الأمن العام) أي ما مجموعه سبعة أشهر قبلما يصار الى ترحيلها.
تقديم شكوى بدء احتجاز العاملة ادعاء النيابة العامة جلسة أولى اخلاء سبيل اشعار بإخلاء السبيل ترحيل العاملة  الحكم بالبراءة
22/9/ 2011 22/9 27/9 5/10 16/1/2012 12/3 21/4 27/3/2013

وتاليا، أمام معطيات مماثلة، من المشروع التساؤل عن القيمة الفعلية لحكم براءة العاملة بعدما تم توقيفها وترحيلها من دون تعويض؟ فقد حكم عليها بالاحتجاز والترحيل بمجرد ادعاء صاحب/ة العمل عليها رغم خلو ادعائه من أي دليل، فيما بقي الحكم القاضي بالبراءة مجردا عن أي أثر فعلي بالنسبة الى العاملة التي لم تعرف أصلا على الأرجح بصدوره. وبذلك، تتبدى علاقة الاستغلال في أبشع صورها لجهة استباحة حرية العاملة مع تجريدها من أي ضمانة قضائية: تجل آخر لنظام الكفالة الذي آن أن نضع حدا له وللظلم الناتج منه.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية
[1] يراجع مقال سارة ونسا، القضاء يدون اقوالا منسوبة للأمن العام: "سلطتنا نحن يلي بدها تمشي وليس سلطة القضاة" ويطلب المساءلة، نشر في العدد الاول من المفكرة القانونية، تموز 2011.