تسع فتيات حكم عليهن قاضي محكمة الطوارئ بالخرطوم  تاج الدين إدريس الشهر الماضي بالغرامة والجلد عشرين جلدة. لم يضبطن في أي وضع أو قضية من تلك التي اعتادت النساء في السودان الخضوع لعقوبة الجلد فيها، تهمتهن الوحيدة هي المشاركة في مظاهرات سلمية تدعو لإسقاط نظام الرئيس عمر البشير.

المحامون المتطوعون سارعوا إلى طلب وقف تنفيذ عقوبة الجلد مستندين على أمرين: الأول، أن قانون الطوارئ لم تكن تمت إجازته من البرلمان حتى لحظة صدور الحكم؛ والثاني رغبتهم في إستئناف الحكم الصادر بحق موكلاتهم بحسبان أن العقوبة متعسفة بالنسبة لشخص متهم بالتظاهر. وبالفعل حصلوا على مرادهم عقب إجازة الطوارئ، وكسبوا الاستئناف، ونجت الفتيات التسع من الجلد .

يعود تاريخ الجلد كعقوبة تطال الجميع إلى قوانين سبتمبر 1983 التي سنها الرئيس الراحل المشير جعفر نميري الذي قرر في أواخر سنوات حكمه فرض قوانين الشريعة الإسلامية في البلاد, إذ بدأ منذ ذلك الحين تطبيق حد الجلد للمضبوطين أو المدانين في حالات السكر أو الزنا أو القذف. ولم تستطع الحكومة الديمقراطية برئاسة الصادق المهدي بعد سقوط نظام نميري تجاوز تلك الأحكام رغم المطالبات المستمرة بالتخلي عنها، لكن كانت دوماً تظهر قوى سياسية تحذر بشدة من المساس بها رغم إعلان الكثيرين من السياسيين ورجال الدين إنها تطبيق مشوه للشريعة الإسلامية.

ورغم أن الجلد عقوبة في جرائم عديدة. إلا أن غالب ضحاياها من النساء، خصوصاً منذ صدور القانون الجنائي السوداني لعام (1991) وما تضمنه من مواد، باتت تعرف لاحقاً ب (قانون النظام العام)، والتي تطال بشكل كبير مظهر النساء ولبسهن، ما يوقعهن في متاعب قانونية متكررة، شكلت فيما بعد موقفاً إجتماعياً قسم الشارع السوداني وجعله على طرفي نقيض.

ولطالما حوكمت نساء بموجبه ونفذت بحقهن أحكام بالجلد بسبب إرتدائهن زياً لم يتوافق مع تقييم الشاكي أو إظهارهن تبرجهن أو تزيين شعرهن. وعادةً ما تتحول فيه القضايا أمام المحاكم لقضايا رأي عام يتم فيها التحشيد من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان والمرأة، لكن ليس مؤكداً نجاة المتهمات فيها دوماً من تنفيذ العقوبة.

ويقول المحامي أحمد محمود ل "المفكرة" إن عقوبة الجلد عقوبة مهينة ومذلة للكرامة الإنسانية وتتنافى مع الحقوق والمواثيق الإقليمية والدولية، لافتاً إلى أن قانون الطوارئ وأوامره لا تنص على عقوبة الجلد ضمن العقوبات التي نصت عليها الأوامر اللاحقة لإعلان حالة الطوارئ في الشهر الماضي.

إحدى الفتيات اللواتي نجون من تنفيذ عقوبة الجلد إيلاف جابر، قالت ل "المفكرة" إنها ما زالت تشعر بالذهول من الحكم الذي صدر بحقها، خصوصاُ وأنها رأت ما تعرضت له رفيقاتها لدى اعتقالهن من ضرب عنيف ومبرح. وأضافت أنها بكت حين سماع حكم القاضي الذي رد على اعتراض المحامين الفوري بقوله إنه لن يغير قراره "ولو نزل ملك من السماء". أردفت أنها شعرت بخوف لم تختبره طوال سنوات حياتها الثمانية عشرة. لكن المحامي أحمد محمود يرى أن القاضي إدريس استمدّ حكمه من منطوق نص أمر الطوارئ الذي فوض القضاة الحكم بالسجن مدة لا تزيد عن عشرة سنوات والغرامة ومصادرة الوسيلة أو المال المستخدم في أي فعل محظور بموجب أمر الطوارئ (بالإضافة لأي عقوبة منصوص عليها في أي قانون آخر) حسب نص أمر الطوارئ. كما يوفر للقاضي فرصة الحكم بالجلد وفق رأي المحامي بموجب مواد تتعلق بالشغب والإزعاج العام والإخلال بالأمن والسلامة. وهو ما استخدمه ذاك القاضي، طبقاً لمحمود. ويفصل المحامي أحمد محمود قوله بأن القانون الجنائي للعام (1991)  يفرد مساحة معتبرة لعقوبة الجلد، بنصه عليها في المواد (146) المتعلقة بجريمة الزنا ويعاقب عليها لغير المحصن بالجلد مائة جلدة، والمادة (148) المخصصة للواط ومواقعة المحارم، بمائة جلدة أيضاً، والمادة (151) المسماة بالأفعال الفاحشة، بأربعين جلدة، والمادة (152) المفرزة لما يسمى الزي الفاضح بأربعين جلدة، والمادة (153) المعنية بما يسمى العروض المخلة بالآداب العامة بالجلد ستين جلدة. كما تنص المادة (154) الخاصة بممارسة الدعارة والمفسرة بشكل يجعل إجتماع أي عدد من الرجال والنساء في مكان خاص أو مغلق تحت طائلتها، على عقوبة الجلد مائة جلدة، وتاليتها المادة (155): إدارة محل دعارة تعاقب بالجلد مائة جلدة، والمادة (156): الإغواء، بنفس عدد الجلدات. وينص حكم حد القذف وفق المادة (157) على الجلد ثمانين جلدة، وحكم المادة (160) المتعلقة بالإساءة والسباب على الجلد ثمانين جلدة أيضاً.

ويعلل المحامي أحمد محمود معارضته لعقوبة الجلد، فضلاً عن لا إنسانيتها حسب رأيه، بغياب معايير لتطبيقها بشكل  قانوني سليم، مذكراً بتسجيل فيديو رائج لسنوات ومعروف بفيديو "فتاة الكبجاب" الذي يظهر فتاة ينفذ عليها الجلد بواسطة جندي شرطة ووسط جمهور غفير من النساء والرجال، بينما تشترط الطريقة الشرعية أن تنفذ الحد إمرأة  تضع يدها الأخرى على المصحف بحيث لا تغلظ في الضرب، وبعيداً عن أعين الرجال، وتكون المدانة جالسة.

لم يبدُ الأمر هيناً عند إيلاف جابر. فطالبة التخدير بالجامعة الخاصة التي يرتادها أبناء الأغنياء قالت ل "المفكرة" إنها قضت لياليها الثلاث في السجن ما بين صدور الحكم وقبول الإستئناف تفكر في كيف سيكون جلدها. وهي تؤكد إنها ما كانت لتهتم للسجن حتى لو كان طويلاُ. إلا أنها لن تستوعب أن يتم جلدها لكونها أدينت بالتظاهر والجميع يشهد بسلميته. وتصف جابر حالتها مع رفيقاتها بأنهن قضين وقتاً كأنه دهر تحت شعور الرعب من فكرة الجلد، مشيرة إلى إنخراطهن في البكاء بسبب احساسهن بالعسف الذي تعرضن له. سيما وأنها شاهدت زميلاتها داخل حرم الجامعة في مظاهرة سابقة للقبض عليها، وهن يتعرضن لضرب وحشي من قوات رسمية اقتحمت المبنى الجامعي.

فور صدور حكم قاضي الطوارئ، أعاد قانونيون نشر منشور قضائي يعود تارخه للعام (1998) صادر عن رئيس القضاء الأسبق عبيد حاج علي يقول فيه "تلاحظ أن بعض المحاكم عند توقيعها لعقوبة الجلد لا تتقيد بالضوابط الشرعية المنصوص عليها بالقانون الجنائي لسنة (1991) وقانون الإجراءات الجنائية  لسنة (1991) والمنشورات السارية في هذا الصدد" ويمضي المنشور القضائي للتذكير بأن الرسول الكريم أوصى بالنساء خيراً، وأنه يجب عدم اللجوء لعقوبة الجلد بحق النساء إلا للضرورة القصوى، بإستثناء جرائم الحدود الشرعية، على أن تنفذ العقوبة بعد الكشف الطبي وبعد استيفاء فرص الطعن إذا رغبت المحكوم عليها. غير أن القاضي المعني بمحاكمة المتظاهرين اختار أن يحاكم المتهمات بالتظاهر بكلا القانونين: الطوارئ والقانون الجنائي السودان لعام (1991) والذي يعاقب على الشغب والإزعاج العام والإخلال بالأمن والسلامة بالجلد عشرين جلدة وفق منطوق المواد (67) و(68) و(69).

ويصف المحامي محمود إن إيقاع حكم الجلد بحق فتيات متهمات بالتظاهر ينمّ عن قسوة ورغبة في التشفي. كما يشير لإستبطان مفاهيم تجرم مشاركة النساء في التظاهر ورفع أصواتهن بالهتاف وأيديهن بالتصفيق بسلمية ويعتبرهن "عورة". كما يشير للتشوه الأخلاقي للقضاة الذين اختارتهم السلطة لتنفيذ الطوارئ ويكشف الخلل النفسي لمصدري مثل هذه الأحكام.

ربما أسعف أولئك الفتيات منشور رئيس القضاء الأسبق عبيد حاج علي، والذي استند عليه المحامون في طعنهم على الحكم، فحصلن على حكم يسقط عقوبة الجلد عنهن. لكن لم يفعل الحكم الأول بحقهن سوى تأكيد أن الأزمة تجلت في شقين هما عقوبة الجلد وما يتراءى بوضوح عن استهداف النساء في التظاهرات. سيكون المشوار طويلاً لإيداع أشكال التمييز والتعسف هذه ضمن ملفات الماضي في البلاد.

 

مقالات ذات صلة:

الطوارئ.. قانون إعتقال الدولة السودانية؟

الحصانات..عقبة العدالة لضحايا السلطة في السودان

"خور العفن" تتمدّد: السودان تبكي آخر ضحايا التعذيب

الرصاص المجهول وقصة المتظاهرين في السودان