سجلت المفكرة القانونية مؤخراً تشبث قاضيي تحقيق في بعبدا وبيروت بملاحقة مدمنين كانا قد تعهدا بالإذعان لتدابير العلاج وطالبا بإحالتهما الى لجنة مكافحة الإدمان المنشأة بموجب قانون المخدرات 1998 والتي بدأت عملها فعلياً ولو بصعوبة بالغة منذ بداية 2013. ويشكل موقف هذين القاضيين مخالفة واضحة للمادة 194 من قانون المخدرات التي تلزم القاضي الواضع يده على الملف بإجابة طلبات مماثلة كلما ثبت لديه أن المدمن موضوع الملاحقة أذعن للعلاج، وتالياً بوقف السير بإجراءات التحقيق أو المحاكمة بحقه مؤقتاً حتى انتهاء علاجه. فإذا أتم علاجه بنجاح بشهادة اللجنة، تتوقف الملاحقة بحقه نهائياً.
في القضية الأولى، وبعدما رفض قاضي تحقيق بعبدا إحالة المدمن الى اللجنة، كلفه بالتقدم بفحوصات مخبرية أسبوعية الى قلم المحكمة تفيد عن مدى وجود أو عدم وجود مخدرات في جسده، تماشياً مع الاجتهاد الذي كان قد اتبعه بعض القضاة قبل تفعيل اللجنة في سعي منهم الى ملء الفراغ الحاصل آنذاك، وهو أمر يفقد اليوم مبرره بالكامل. وقد حرم القاضي بموقفه المذكور المدمن، ليس فقط من منحة القانون بوقف الملاحقة في حال التعهد بالعلاج، إنما أيضاً، وهو أمر لا يقل أهمية، من حقه المكرّس في قانون المخدرات بتلقي علاج مجاني وبالتمتع بمتابعة جدية من قبل أطباء ومعالجين نفسيين بغية تخلصه من ارتهانه الجسدي والنفسي للمادة المخدرة، وهو أمر لا يتحقق إلا بإشراف اللجنة. ويذكر أن المدمن نفسه كان قد تقدم من قبل بطلب تركه أو تحويله الى قاض بعدما تجاوزت مدة احتجازه لدى الضابطة العدلية 4 أيام، لكن النيابة العامة استغرقت أياماً عدة في النظر في طلبه، فبلغت مدة احتجازه ما يقارب الأسبوعين.
أما في القضية الثانية، فقد كرر المدمن الملاحق مراراً طلبه بإخضاعه للعلاج، دون جدوى. وبعد مساع عدة، أصدر القاضي على غرار ما تقدم، قراراً يلزم المدمن بإبراز فحص مخبري يشمل كل أنواع المخدرات في الجلسة المقبلة المخصصة لاستجوابه. وإذ أعاد المدمن تكرار طلبه بوقف الملاحقة وإحالته الى لجنة مكافحة الإدمان، رد القاضي الطلب شفاهية بحجة أنه غير موقوف، وأن بإمكانه أن يتوجه بنفسه الى اللجنة للمطالبة بالعلاج. وبهذه الفتوى، يكون قاضي التحقيق المذكور قد أضاف شرطاً جديداً الى قانون المخدرات للإحالة الى اللجنة، مفاده أن يكون المدمن موقوفاً. وبذلك، وبخلاف تصور القانون الذي أناط بالقاضي مهمة الضغط على المدمن لإرغامه على العلاج في مجمل مراحل المحاكمة، بدا المدمن مصمماً ومصراً على العلاج، يطالب به المرة تلو المرة، في محضر قاض لا يكترث مطلقاً بذلك.
والى مخالفة المادة 194 المشار اليها أعلاه، يستوجب هذان القراران الملاحظات الآتية:
1-أنهما يخالفان مبدأ قانونية الجرم والعقوبة (nullum crimen, nulla pœna sine lege)، من خلال الافتراض أن الإدمان يبرر الملاحقة بحد ذاته، فيما المادة 127 من قانون المخدرات تشترط عنصراً آخر لملاحقة المدمن أو لمعاقبته مفاده أن يرفض الإذعان لإجراءات العلاج المنصوص عليها في القانون أو أن لا يثابر عليها؛
2-أنهما يؤديان في أحسن الأحوال، أي إذا نجح المدمن في إبراز نتائج سلبية للفحوصات المخبرية في أي من الحالتين، الى متابعة الملاحقة والظن فيه من دون أن يكون بوسع القاضي وقف التعقبات نهائياً عنه. فتبعاً لرفض القاضي إحالته الى اللجنة، كيف عساه أن يستحصل منها على شهادة بشفائه، وهو شرط ضروري لوقف ملاحقته نهائياً وفق المادة 195 من قانون المخدرات؟ وألا يؤدي ذلك الى إبقاء المدمن حبيساً في دوامة الملاحقة والوصم الاجتماعي مع إدراج حكم إدانة في سجله العدلي؟
3-أخيراً، يجدر التساؤل عن أسباب تشبث القضاة في ملاحقة المدمنين على هذا النحو رغم تفعيل لجنة مكافحة الإدمان. فهل هو ناتج من تقاعس الدولة في تفعيل دور اللجنة لأكثر من 15 سنة، ما أنشأ عرف حاجة (بإلزام المدمن بإبراز فحوصات مخبرية)، انتهى الى حجب اللجنة ومعها نصوص القانون المتصلة بها بالرغم من تفعيلها؟ أم أنه ناتج من أمركة (Americanization)السياسة المتصلة بمحاربة المخدرات، وبتعميم منطق العقاب ليشمل المدمن الى جانب المروّج الصغير كما التاجر الكبير؟ أم أنه بكل بساطة ناتج من التجريم النمطي الذي وقع القاضي ضحيته على نحو يقوده الى حكم مسبق مآله عدّ المدمن مجرماً ولو من دون نص.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية