بتاريخ 14/11/2018، أصدرت محكمة استئناف الجنح في بيروت قرراً بإبطال التعقبات بحقّ ثلاثة شبان، لبنانيين وسوري، ادّعي عليهم بإقامة علاقات جنسية مثليّة.[1] وكان المدعى عليه السوري الجنسية قد تعرّض للتعذيب خلال تحقيقات أولية تضمنت العديد من المخالفات. وفيما تضمن قرار المحكمة حيثيات هامة على صعيد حماية الفئات المهمشة، فإن أحد أعضائها (وهو القاضي ربيع معلوف) ارتأى الذهاب أبعد من ذلك، وذلك في المخالفة التي دوّنها في أسفله. وقد تميزت المخالفة في جانبين: الأول، التأكيد صراحة على عدم جواز تجريم المثليّة في لبنان، والثاني، التأكيد على وجوب إبطال إجراءات التحقيق في محاولة لمواءمة أصول المحاكمات الجزائية مع الحقوق الأساسية، لا سيما الحق بالخصوصية والحماية من التعذيب. وما يزيد من أهمية هذه المخالفة، هو أنها هدفت إلى تسجيل مواقف ذات أبعاد حقوقية مهمة، من دون أن يكون لها أي تأثير على نتيجة الحكم والتي حظت باتفاق أعضاء المحكمة كافة. وقبل المضي في استعراض تفاصيل هذه القضية في مسارها الطويل، تجدر الإشارة إلى أن المحكمة تكونت من رئيستها رلى الحسيني ومستشارتها كارلا شواح، فضلا عن المستشار المخالف منتدباً.

 

مخالفات جسيمة خلال التحقيقات الأولية

في عام 2015، ذهب سمير[2] إلى المديرية العامة للأمن العام لتجديد إقامته الدراسية. لكنه لم يعد إلى منزله إلا بعد تسعة أيام بجسد موجوع وروح مكسورة. فقد تم توقيف سمير نتيجة "معلومات" مجهولة المصدر بالاشتباه بميوله الجنسية المثليّة، وتعرّض لضرب عنيف. وإذ هدفت أعمال العنف إلى انتزاع اعترافات منه بأنه مثليّ، يرجح أن يكون الدافع إليها مزيجا من ممارسات التحقيق والاستقواء والفوبيا إزاء المثليّين واللاجئين السوريين على حد سواء. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المحققين فتحوا معه محضر تحقيق من دون إذن مسبق من النيابة العامة، وعمدوا إلى تفتيش هاتفه من دون الحصول على إذن قضائي. وكل ذلك، وبما لا يقل أهمية، من دون إعلامه بحقوقه. وبعد إحالته إلى مكتب حماية الآداب للتوسع في التحقيق وتعرّضه للمزيد من العنف هناك، تم استدعاء شابين لبنانيين تواصلا معه عبر الرسائل النصية والتحقيق معهما حول حياتهما الخاصة وميولهما الجنسية أيضاً. لم يتعرّض أي من هذين الشابين للضرب، إنما اكتفى المحققون بتعنيف سمير، الشاب الذي لجأ من بلاده بحثاً عن الأمان في لبنان ولمتابعة تعليمه.

أّخليَ سبيل الشابين اللبنانيين قبل سمير كون هذا الأخير لم يكن يحمل إقامة، فتمكنا من إبلاغ جمعية "حلم" عن التعذيب الذي تعّرض له. وقد أتاح ذلك لمحامين من "المفكرة القانونية"[3] طلب معاينة طبية لسمير. ورغم أن هذه المعاينة حصلت أثناء احتجازه ومن قبل طبيبة معتمدة من الأمن العام، فإنها خلصت إلى ثبوت وجود كدمات والم في ساقيه. وبعد إخلاء سبيله، عاد سمير ولجأ لمعاينة طبيب شرعي آخر أكثر احترافا، بحيث انتهى إلى إثبات العديد من آثار العنف على جسده. وفي تفاصيل أعمال التعذيب التي تعرّض لها سمير وفقاً لأقواله: الضرب المفرط بواسطة كرباج مكوّن من مجموعة كابلات كهربائية، وصفعات ولكمات وركلات بالأيدي والأرجل على مختلف أنحاء جسده، تهديد بالاغتصاب وبالخضوع لفحوصات شرجية (فحوصات "العار" التي كان تم منع إجراؤها بقرارات متتالية شاركت فيها نقابة أطباء بيروت ووزارة العدل والنيابة العامة التمييزية صوناً لكرامة الأفراد). يضاف إلى ذلك العديد من الشتائم والعبارات المذلة والمهينة واتهامه بكونه "شرموطة" و"لديه مرض السيدا" وبأنه "كلب سوري" و"مريض" و"مختل". كما تم إخضاعه لفحص "السيدا" الذي جاءت نتيجته سلبية. بعد التحقيق معه، لم يكن بإمكان سمير الوقوف أو النوم بسبب الألم، ونزف الدماء خلال التبوّل. لم يلقَ أي عناية طبية خلال فترة احتجازه، باستثناء إعطائه أدوية ساهمت في تخفيف آثار العنف عن جسمه.

لم تتوقف النيابة العامة الاستئنافية في بيروت أمام أي من مخالفات المحققين المثبتة في المحضر والتقرير الطبي، بل سلمت بما خلصت إليه التحقيقات وادّعت على الشبان الثلاثة بارتكاب فعل "المجامعة على خلاف الطبيعة" المنصوص عليه في المادة 534 من قانون العقوبات، هذه المادة التي لا تزال النيابات العامة تستخدمها لملاحقة المثليّين ومتغيّري الجنس. فقد ارتفع عدد التوقيفات بهذه التهمة من أقل من 50 شخص في العام 2012 إلى أكثر من 75 شخص سنوياً في العامين 2015 و2016 وفقاً لإحصائيات مكتب حماية الآداب، الذي أصبح في العام 2014 "مكتب مكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية الآداب". ويرجح أن يكون العدد الفعلي للتوقيفات المتعلقة بالميول الجنسية المثليّة أكبر، إذ لا يتم إحالة جميع الموقوفين إلى مكتب حماية الآداب، لا سيما الذين يتم توقيفهم خارج بيروت وجبل لبنان أو من قبل أجهزة أمنية أخرى.

 

القضاء يغرّم الضحية بسبب إدلائها بالتعذيب

في بداية مسار هذه القضية، تعاملت السلطات القضائية بعدائية تجاه سمير، وتنازلت عن مسؤوليتها القانونية في حماية الأفراد وخصوصا لجهة التحقيق جدياً في المخالفات التي نسبها هؤلاء للضابطة العدلية، وبخاصة أعمال التعذيب ومشروعية الأدلة التي استحصلت عليها.

أول هذا المسار تم أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت الناظر في المخالفات والجنح، ومنها "المجامعة المخالفة للطبيعة". أخبر سمير القاضي بأنه تعرّض للتعذيب وأن التحقيقات معه شملت مخالفات عديدة، وطلب إبطالها وعدم الأخذ بها ووقف محاكمته. تذرّع سمير بالتقريرين الطبيين، وشهادة الشابين المدعى عليهما معه على تعذيبه وعلى المحاضر التي تضمنت مخالفات واضحة. لكن القاضي رفض الاستماع إلى أي من هذه الدفوع قبل السير بمحاكمته، رغم أن القانون يفرض ذلك.[4]

وإذ استأنف سمير القرار بإهمال مطالبه أمام محكمة الاستئناف بيروت الناظرة في قضايا الجنح في هيئتها السابقة، لم تكتفِ هذه المحكمة برد استئنافه بل فرضت عليه علاوة على ذلك غرامة بقيمة 300 ألف ل.ل. لسوء استعماله حق التقاضي. وكان من المستغرب بل المستهجن أن تقرر المحكمة تغريم ضحية تطلب إبطال إفادتها الأولية المنتزعة تحت التعذيب الموثق في تقريرين طبيين، أحدهما نظمته طبيبة معتمدة لدى الأمن العام وخلال احتجازه في مراكزه. طعن سمير في هذا القرار أمام محكمة التمييز، إلا أن هذه الأخيرة بدورها رفضت طعنه لأسباب شكلية.[5]

وتبعا لردّ هذه الطلبات من دون أي تحقيق، انتهى القاضي المنفرد الجزائي إلى إدانة الشبان الثلاثة بالمجامعة خلافا للطبيعة سندا للمادة 534 من قانون العقوبات ومعاقبتهم بغرامة 500 ألف ل.ل. مستنداً إلى الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب وإلى المعلومات المستخرجة من هواتف الشبان من دون أي إذن قضائي.

واللافت أن القاضي أهمل هنا أيضا مجمل ما أثاره الشبان من حجج لديه، على الرغم من مباشرة سمير شكوى مباشرة ضد المحققين في الأمن العام والأمن الداخلي أمام قاضي التحقيق في بيروت، على خلفية التعذيب الذي تعرض له لانتزاع اعترافات منه تتصل بحياته الجنسية فقط بناء على "معلومات". وما يزيد من قابلية المواقف القضائية المشار إليها في هذه الفقرة للانتقاد، قوة الأدلة المبرزة على أعمال التعذيب وندرة لجوء ضحايا التعذيب إلى القضاء. ويعود ذلك الى صعوبة إثبات التعذيب والخوف من انتقام الأجهزة الأمنية المعنية من الضحايا وتكلفة التقاضي والدفاع المعترفة، خاصة أن ضحايا التعذيب يخضعون عادة للمحاكمة في القضية التي تم تعذيبهم خلال التحقيق بها.

 

محكمة استئناف بيروت ترفض معاقبة الميول الجنسية المثليّة

تبعا لاستئناف الحكم، عادت القضية أمام محكمة استئناف بيروت الناظرة في قضايا الجنح، لكن هذه المرة أمام هيئتها الجديدة. وعلى عكس موقف الهيئة السابقة، أصدرت هذه الهيئة قراراً مهماً من شأنه أن يصحّح المسار القضائي ويعزز دور القضاء في حماية الحقوق والحريات، خاصة لجهة توضيح نطاق الحق بالخصوصية.

ورغم اتفاق أعضاء الهيئة على إبطال التعقبات بحق الشبان الثلاثة لعدم تحقق الركن المادي من الجريمة، أي لعدم ثبوت إقدامهم على ممارسة علاقات جنسية "مخالفة للطبيعة"، فإن هؤلاء اختلفوا حول ضرورة التصدي للمسائل القانونية المثارة من قبل الشبان، سواء فيما يتصل بجواز تجريم المثليّة أو المخالفات المرتكبة في التحقيقات. ففيما رأى المستشار المخالف ضرورة للتصدي لهذه المسائل، رأت أكثرية المحكمة أن لا حاجة لذلك على أساس أن الأدلة المتوفرة في الملف غير كافية للإدانة، بمعزل عن مدى قانونية الحصول عليها. وللوصول إلى هذه الخلاصة، استندت المحكمة على عدم ضبط الشبان في الجرم المشهود، واستدعاء سمير بناء على معلومات فقط، وإنكار أحد الشبان قيامه بعلاقة جنسية مع رجال، وعدم وجود معرفة شخصية بين سمير والشاب الآخر الذي تراسل معه.

وبهذا تكون قد رفضت معاقبة المشاعر الجنسية (الميول الجنسية المثليّة) وفي الوقت عينه تشددت في الأدلة المطلوبة لمعاقبتهم على نشاطهم الجنسي (فعل المجامعة)، طالما لم يثبت قيامهم بأي علاقة جنسية وضبطهم بالجرم المشهود. ويأتي هذا الموقف في اتجاه مخالف تمامًا للموقف الذي كانت اعتمدته سابقاً محكمة الجنايات في بيروت (حزيران 2016) ومحكمة التمييز (تشرين الأوّل 2016) في إحدى القضايا، حيث قررتا معاقبة شاباً لبنانياً لمجرد أنه قال إنه مثليّ وأقام علاقات جنسية مثليّة، دون أن ينهض في الملف أي دليل على حصول أي فعل مجامعة محدد في الزمان والمكان.[6]

ويظهر تحليل الحكم من هذه الوجهة أن محكمة استئناف بيروت ذهبت إلى رفض تجريم ما يجري في نفوس الناس وفي غرف نومهم. وقد بدت من هذا المنطلق وكأنها تؤيد وجهة القرار الصادر عن محكمة استئناف المتن قبل بضعة أشهر (تموز 2018)،[7] والتي كانت حصرت تطبيق المادة 534 في الحالات " التي تخرج عن المفهوم التقليدي للعلاقة الجنسية الطبيعية بين رجل وامرأة، متى حصلت على مرأى من الغير أو مسمعه أو في مكان عام أو متى تناولت قاصراً يجب حمايته". فرغم أن محكمة استئناف بيروت، لم تعطِ تفسيراً صريحا لنص المادة 534، فإنه بالإمكان أن نستشف التفسير المذكور من رفضها الأخذ بأي دليل على علاقات مثليّة، من خارج حالات الضبط بالجرم المشهود.

وبذلك تكون المقاربة للحق بالخصوصية على مستوى محكمتي الاستئناف في بيروت والمتن أصبحت متشابهة إلى حد ما، بما يؤمن التوازن بين الحق بالخصوصية وما قد يراه المشرع ضروريا لحماية القيم الاجتماعية والقاصرين. ويؤدي ذلك الى رسم خيطا رفيعا يفصل بين ما يدخل في إطار الحياة الخاصة والذي ليس بإمكان الدولة والقضاء والمجتمع التعرّض له (المشاعر والعلاقات الجنسية الرضائية بين راشدين في الأماكن الخاصة مهما كان جنس الأشخاص)، وما قد يخرج عن إطار الحياة الخاصة ويسمح للمجتمع بالتعرّض له (العلاقات الجنسية في الأماكن العامة أو غير الرضائية أو التي تشمل قاصرين). 

وبانتظار إلغاء المادة 534، يبقى السؤال فيما إذا ما كانت النيابات العامة ستعمل على هدى هذا التوجه القضائي على نحو يضع حداً للملاحقات الحاصلة على أساس شبهة الميول الجنسية أو إقامة علاقات جنسية مثليّة في الحيّز الخاص. فهل ستستمر بفتح التحقيقات خارج حالات الجريمة المشهودة حول حياة الناس الخاصة وبناء على شبهات مجهولة المصدر؟ وفي حال مباشرة الملاحقة، هل ستتوسع في التحقيقات على غرار ما فعلته في هذه القضية وغيرها من القضايا،[8] بحيث تعمد إلى تفتيش الهواتف وتوقيف المشتبه فيهم تمهيدا للادعاء عليهم؟ وهل ستبقى رقابتها على عمل الضابطة العدلية ومدى شرعية الوسائل المستخدمة منها لجمع الأدلة، معدومة أو بحدها الأدنى، بما يشكل تعرضاً للحياة الخاصة والسلامة الجسدية؟

 

مخالفة مميزة للمستشار ربيع معلوف لإبطال التحقيقات: "ما بني على باطل، فهو باطل"

وفي حين تجنبت محكمة الاستئناف البحث في قانونية الأدلة وفي المخالفات المرتكبة من قبل الضابطة العدلية، ذهبت مخالفة مستشارها المنتدب ربيع معلوف أبعد من ذلك في اتجاه تسجيل عدد من المواقف القضائية الرائدة. فبعدما وافق القاضي معلوف على النتيجة التي وصلت إليها المحكمة بالأكثرية بإبطال التعقبات بحق الشبّان الثلاث، انحصرت لمخالفتهم في مناقشة الأسناد القانونية التي اعتمدتها للوصول إليها. وقد تميزت هذه المخالفة من زوايا عدة، أبرزها الآتية:

1- رفض تجريم العلاقات المثلية: بدأ معلوف بالإحالة إلى حكمه الصادر في كانون الثاني 2017 معتبراً أنه لا مجال لمعاقبة العلاقات الجنسية المثليّة[9] على أساس أنها ممارسة لحق طبيعي لا يجوز تجريمها استناداً إلى المادة 183 من قانون العقوبات التي تمنع تجريم "الفعل المرتكب في ممارسة حق دون تجاوز". وما يزيد من أهمية المخالفة في هذا الصدد، هو أنها تعبر عن استقلالية معلوف وثباته، على الرغم من كل الضغوط وردود الأفعال العلنية وغير العلنية التي تعرّض لها حكمه المذكور عند صدوره. ويذكر أن محامي "المفكرة" كانوا برروا انخراطهم في الدفاع عن الحكم المذكور تبعا للطعن به أمام محكمة استئناف المتن، بمجموعة من المعطيات، أهمها حق القاضي بالاجتهاد. وقد انتهى هذا الدفاع إلى القرار الصادر عن محكمة استئناف المتن والمشار إليه أعلاه، بتصديقه من حيث النتيجة التي وصل إليها.

 

2- رفض تفتيش الهواتف دون إذن من قاضي التحقيق: الميزة الثانية للمخالفة تمثلت في إدانة ممارسة تفتيش الهواتف الذكية، وما تحتويه من معلومات خاصة، من دون أي ضوابط. وعليه بعدما لحظ القاضي معلوف أن المحققين لم يستحصلوا على إذن من قاضي التحقيق قبل تفتيش هاتف سمير، اعتبر في موقف هو حسب علمنا الأول من نوعه، هذا الإجراء مخالفاً للحق بحماية الحياة الخاصة وللمادة 102 من أصول المحاكمات الجزائية وللقانون رقم 140/1999 الذي يحمي سرية المخابرات. وإذ يشكل هذا الموقف سابقة قضائية هامة تعمل المفكرة القانونية لإقرارها منذ سنوات، سنخصص مقالا على حدة للبحث فيها.

 

3- إبطال إفادة سمير بسبب الإكراه: الميزة الثالثة للمخالفة، وهي لا تقل أهمية عما تقدم، وهي تتّصل بأثر ثبوت أعمال التعذيب لدى الضابطة العدلية على إفادة سمير. وقد رأت المخالفة في هذا الخصوص وجوب إبطال الإفادتين اللتين أدلى بهما لدى الأمن العام ومكتب حماية الآداب، وذلك استناداً إلى التقريرين الطبيين اللذين "يرجحان بصورة كبيرة حصول الضرب والإكراه بمناسبة الاستماع للمستأنف في التحقيق الأولي". وقد برر معلوف موقفه هذا بموجب الاستماع إلى المشتبه فيهم دون إكراههم على الكلام تحت طائلة البطلان، ومبدأ شرعية وأمانة الإثبات أو ما سمّاه بمبدأ "الصدق في البحث عن الأدلة". وهذا المبدأ يفرض اتّباع الوسائل المشروعة والقانونية أثناء القيام بالتحقيقات الجزائية للبحث عن أدلة الجريمة. وبهذا يكون قد أقّر معلوف بما رفضت البحث به مجمل المراجع القضائية التي نظرت في هذه القضية سابقاً فيما شكّل مخالفة صارخة للقوانين واتفاقية مناهضة التعذيب. وقد أكّد في هذا الإطار على "دور القضاء الأساسي في قمع وسائل العنف والتعذيب تلك، التي لا تزال تستعمل للحصول على الاعترافات عوضاً عن القواعد الفنية والعلمية المتبعة للبحث عن المعلومات والأدلة." ويلحظ هنا أن القرارات القضائية السابقة بإبطال الإفادات المنتزعة تحت التعذيب خلال التحقيقات الأولية، تبقى نادرة وهامشية مقارنة مع انتشار مختلف أعمال الإكراه المستخدمة خلال هذه التحقيقات، خاصة بحق الفئات الاجتماعية المهمشة، مما ساهم في استمرار هذه الممارسات من قبل الضابطة العدلية دون أي محاسبة جدية.

 

4- إبطال مجمل التحقيقات المسندة الى إجراءات باطلة: الميزة الرابعة تمثلت في إبطال التحقيقات الأولية برمتها، بعدما شابت بعضها مخالفات كبيرة، وذلك عملا بقاعدة أن ما بني على باطل فهو باطل. فقد اعتبر معلوف أنه تم استدعاء الشابين اللبنانيين بناء لإجراءات قامت بها الضابطة العدلية خلافاً للقانون (انتزاع إفادة سمير تحت التعذيب واستخراج المعلومات من هاتفه دون إذن من قاضي التحقيق)، مما يفرض إبطال إفادتيهما نتيجة لإبطال الاجراءات الممهدة لها. وبهذه الخلاصة، يكون القاضي معلوف قد أقرّ مبدأ قانونيا هاما، ألا وهو بطلان إجراءات التحقيق التي تستند أساساً على إجراءات باطلة، وهو موقف لم يسبق أن تم رصده في أي قرار قضائي سابق نظراً لتحفظ معظم المحاكم إزاء إبطال إجراءات التحقيقات الأولية. وفي حين أن القانون ينص صراحة في بعض الحالات الخاصة على اقتصار البطلان على الإجراء المخالف للقانون دون غيره من الإجراءات اللاحقة، لم يشمل إفادة المشتبه فيهم لدى الضابطة العدلية من ضمن هذه الحالات. وعليه، جاءت مخالفة القاضي معلوف لتكريس المبدأ الذي يُبطل ما بنيَ على باطل واعتبار أن مفعول إبطال الإفادة الأولية لدى الضابطة العدلية وتفتيش الهواتف يمتد إلى الإجراءات اللاحقة المسندة إليهما والتي تعتبر إذ ذاك باطلة أيضاً، وتالياً لا يجوز الاستناد إليها كدليل صحيح ضد المدعى عليهم.

 

وبذلك، يكون القاضي معلوف قدم من خلال هذه المخالفة قراءة قانونية لأصول التحقيقات الجزائية توافق بين ضرورة الكشف عن الجرائم وعدم إعاقة العدالة من جهة، وضمان الحقوق الفردية الأساسية كحقوق الدفاع والحق بالخصوصية من جهة ثانية. وهذه القراءة إنما تستند على تصوّر للوظيفة القضائية بصفتها حامية للحريات وضامنة لالتزام الضابطة العدلية بالقوانين، وتاليا لشرعية الوسائل المستخدمة في البحث عن المعلومات والأدلة. وقد يتعين على القضاة الناظرين في القضايا التي تتعلق بالحريات الشخصية، وبوجه خاص القضايا المتصلة بالأفعال الجنسية، ممارسة رقابة مشددة على مشروعية الأدلة وصحة إجراءات التحقيق، لما قد تؤدي هذه الاجراءات من انتهاك للحق بحماية الحياة الخاصة.

جاءت هذه المخالفة لإنصاف سمير ورفيقيه بعد رحلة عناء طويلة أمام الضابطة العدلية والقضاء. إلا أن فصول قضيته لم تنتهِ بعد، إذ لا تزال الشكوى التي قدمها بحق عناصر الضابطة العدلية الذين اعتدوا عليه قيد الدراسة أمام قاضي التحقيق. وتلك قصة أخرى.

 

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Beirut Court of Appeal: Sexual Orientation is Not Punishable

 

 

 


[1]  محكمة الاستئناف في بيروت الناظرة في دعاوى الجنح (الغرفة الثامنة)، قرار صادر في 14/11/2008 برئاسة القاضية رلى الحسيني والمستشارين كارلا شواح وربيع معلوف (مخالفاً)

[2]  الاسم مستعار احتراما لخصوصية الأفراد

[3]  تضمن فريق الدفاع المحامين نزار صاغية وغيدة فرنجية ويمنى مخلوف

[4]  تنص المادة 73 من أصول المحاكمات الجزائية انه للمدعى عليه طلب ابطال إجراءات التحقيقات الأولية قبل استجوابه والسير بالدعوى ضده.

[5]  رفضت محكمة استئناف الجنح في بيروت طلب الاستئناف معتبرة انه لم يقدم أسباب الاستئناف، في حين تضمن طلبه أسباب واضحة. كما اعتبرت محكمة التمييز أن قرار القاضي المنفرد الجزائي بضم الدفوع الشكلية الى الأساس لا يفصل بالدفوع وتالياً لا يقبل الطعن، في حين أن القاضي المنفرد كان قد ردّ الدفوع دون أن يضمها للأساس.

[6]  كريم نمور، الحكم على الهوية في محكمة جنايات بيروت: المثلية والخصوصية ورهاب محكمة النظام لهما، نشر في العدد 42 من مجلة المفكرة القانونية - لبنان، آب/أغسطس 2016

[7]  محكمة الاستئناف الجزائية في جبل لبنان (الغرفة الثانية عشرة)، قرار رقم 330/2018 تاريخ 12/7/2018 برئاسة القاضية رندى كفوري، والمستشارين زيدان وبو نصار. والتعليق عليه من قبل المفكرة القانونية: "بعد 4 أحكام ابتدائية، استئناف جبل لبنان تعلن أن المثلية ليست جرماً"، منشور على موقع المفكرة القانونية تاريخ 13/7/2018

[8]  مثلا: سارة ونسا، "فحوصات العار" تستمر في "جمهورية العار": حين يصبح القانون والطب مجرد أدوات للإذلال والتخويف، نشر في العدد 18 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان، تموز 2014

[9]  القاضي المنفرد الجزائي في المتن (ربيع معلوف)، الحكم رقم 15/2017 تاريخ 26/1/2017، والتعليق عليه من المفكرة القانونية وجمعية حلم، "محكمة المتن تعلن مجدداً: "المثلية هي ممارسة لحق طبيعي وليست جريمة جزائية"، نشر على موقع المفكرة القانونية تاريخ 26/1/2017