المشهد لافت جداً: وزير العدل شكيب قرطباوي محاطاً بكبار القضاة من أقرب المقربين من أعيان السلطة، يعلن في 5/9/2013 وعلى طاولة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، تحسين إنتاجية بعض المحاكم في بيروت، ليس بفعل إرادة القضاة وحماستهم في أداء وظائفهم، ليس بفعل استقطاب عناصر جديدة في القضاء، ليس بفعل تفعيل المؤسسات القضائية، إنما بفعل الإنجاز الذي نجحت وزارة العدل في تحقيقه "لأول مرة في تاريخ القضاء" (العبارة وردت في البيان المنشور في الوكالة): وهو تقييم إنتاج القضاة. فقد استعانت الوزارة بأحد القضاة الشبان لإجراء إحصاءات في محاكم لبنان في 2012 وأعادت الكرّة في 2013، فظهر لها تقدم ملحوظ في عمل محاكم بيروت، بحيث زادت الأحكام النهائية الصادرة عن محاكم استئناف العاصمة من 200 الى 400 أي بزيادة 100%، كما زادت إنتاجية محاكم أخرى ولو بنسب أقل[1]. الإعلان المذكور لم يكن الأول من نوعه، فقد كان قرطباوي أعلن سابقاً لدى افتتاح محكمة دوما في 12/8/2013 النتيجة نفسها. وبذلك، بدا الوزير وكأنه يجري تقييماً مزدوجاً: تقييماً للقضاة للسنة الثانية على التوالي، وتقييماً لنظام التقييم من خلال مقارنة عدد الأحكام على مدار سنتين متتاليتين.
إصلاح القضاء وقفاً على إرادة وزير
وقد خلص الوزير على ضوء هذه النتائج الى القول بأن "الإنتاج في أي مؤسسة يتحسن ويتضاعف عندما تكون هنالك إرادة ومحاسبة". وبالطبع، الإرادة التي توافرت هنا هي إرادة الوزير والمحاسبة التي حصلت هنا هي المحاسبة التي نجح هو في إرسائها من خلال التقييم المذكور بتعاون جد محدود من المؤسسات القضائية التي حضر رؤساؤها معه في القصر الجمهوري من دون أن يدّعي أي منهم أي دور أو مفخرة له في هذا العمل. فالقضاة، وفي مقدمهم كبارهم، هم محل الإصلاح وليس مصدره ولا حتى محوره، فيتم تفعيلهم وتأهيلهم وتقييمهم وتأديبهم وتوجيههم وتحديثهم، دائماً على وزن "تفعيل" من دون أن يكون لهم أي دور فاعل فيه.
وتالياً، بدت سياسة التقييم، على أهميتها، وكأنها ترسم الحدود بين السلطة التنفيذية والقضاء، بحيث تقود الأولى ممثلة مباشرة بالوزير، مباشرة ومن دون أي مواربة، عجلة الإصلاح، فتكون أي زيادة في إنتاجية القضاة حاصلة طبعاً بدفع منها. وبذلك، نكون قد انتقلنا من نظام يتوخى حفظ القضاة بمنأى عن أي ضغط من السلطة الى نظام لا يجد فيه القضاة إلا بضغط من هذه السلطة التي تسارع الى المفاخرة بذلك. ومن هذه الزاوية، وبمعزل عن النيات الإصلاحية الحسنة للوزير، يكون "التقييم" رغم جدّته وضرورته، استمراراً لنهج متواصل قوامه أن الإصلاح القضائي يأتي دوماً من وزراء العدل وبشكل أعم من السلطة التنفيذية، فيما يبقى القضاة (أقله الذين لا يتربعون على رأس الهرم) أسرى الدور المتروك لهم، مع ما يستتبع ذلك من خطورة على استقلاليتهم.
وما يزيد الأمر مدعاة للانتقاد هو حصول هذا التقييم، من خارج الأطر المؤسساتية المنصوص عليها في قانون تنظيم القضاء العدلي، وتحديداً من خارج هيئة التفتيش القضائي التي يعود لها من حيث المبدأ مهمة إجراء التقييم والمحاسبة. وهذا الأمر يشكل سابقة في استيلاد الوزير لآليات موازية أو بديلة من المؤسسات القضائية القائمة، مؤداه في أحسن الأحوال تحقيق إنجازات يرجح أن تزول مفاعيلها، مهما برقت، فور انتهاء ولايته، فيما تترك المؤسسات الباقية في ترهلها من دون إصلاح. أما في أسوأ الأحوال، فقد تمنح هذه السابقة وزراء العدل اللاحقين، والذين قد يكونون أكثر تسيّساً وأقل اهتماماً بالإصلاح، فرصة في استيلاد الآليات التي يريدونها للتحكم بالقضاة.   
وأكثر من ذلك، وفيما جرى تقييم 2012 بالتنسيق الكامل مع المجلس بهدف تمكينه من إجراء المناقلات القضائية على أساس معايير موضوعية وفق ما أكده وزير العدل في عدد من تصريحاته[2]، فإن تقييم 2013 يجري منفصلاً تماماً عن مشروع المناقلات القضائية، وكأنه بات هدفاً بحد ذاته يراد منه تحسيس القضاة بوجود رقيب على أعمالهم، ومن دون أن يستتبع ذلك بالضرورة أي سعي الى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وهذا التحول إنما يرجع ليس فقط الى استقالة الحكومة مع إبقائها في مهمة تصريف الأعمال، بل أيضاً الى الخلاف الكبير حول مشروع المناقلات بين الوزير ومجلس القضاء الأعلى والذي وضعه قرطباوي برسم الرأي العام، مطالباً بتغليب المعايير الموضوعية المبنية على تقييم الأداء القضائي على الاعتبارات الأخرى[3]. ومن النافل القول إن الوزير لا يتحمل وحده المسؤولية عن تفرده في الإصلاح: فإذا كان الوزير مقداماً في أمور قد يكون فيها الإقدام في غير محله، فإن في انكفاء القضاة عن التحرك دفاعاً عن استقلاليتهم ما يصعب فهمه.
وختاماً، تجدر الإشارة الى خلو نظام التقييم من أي دور أو ضمانات جدية للقضاة إزاء التعسف، وتجري الإحصاءات غالباً خلال العطلة القضائية من دون علمهم أو استئذانهم. فالضمانة الوحيدة وردت في كتاب رئيس مجلس القضاء المؤرخ في 18/7/2013 الى رؤساء المحاكم الاستئنافية: فبعدما طلب منهم الترخيص للقاضي المكلف بالاطلاع على سجلات أقلام المحاكم وملفات الدعاوى الموجودة فيها وبتعميم هذا الترخيص على جميع السادة القضاة الرؤساء الإداريين للمحاكم وعلى جميع رؤساء الأقلام لتسهيل المهمة الإحصائية، طلب منهم لفت نظر القضاة الى إمكانية قيامهم بطلب نتيجة عمل محكمتهم قبل نشرها في التقرير العام عبر البريد الإلكتروني الشخصي للقاضي المكلف بالتقييم. وبالطبع، ليس لهذه الضمانة أي قيمة تذكر ما دام ليس هنالك أي مرجع محايد يمكن اللجوء اليه للتدقيق في التقييم المذكور.
المطلوب زيادة عدد الأحكام: أي قاض نريد؟
ولكن أخطر من ذلك، هو الهدف من تقييم القضاة، والذي بات ينحصر على خلاف السياسة المعلنة في 2012، في التقييم الكمّي. وبذلك، يقاس نجاح القاضي بعدد الأحكام التي يصدرها (وهو طبعاً عنصر هام في تقييمه)، من دون أن يكون لجودة أحكامه أو لاستقلاليته أو لكفاءته أو قدرته على تطوير الاجتهاد أي قيمة مضافة في تقييمه (وهذا هو الخطأ). وأولى نتائج هذا الأمر تؤول عملياً الى حث القضاة على تسريع وتيرة المحاكمات وتجنب أي إجراء أو تحقيق أو تمحيص من شأنه أن يطيل أمدها. ومن الطبيعي في قبالة ذلك، أن يشعر القاضي "المجتهد" أن الجهد الذي يبذله لاستخراج اجتهادات جديدة أو لتطوير تفسير القانون أو لفهم ظواهر اجتماعية لا يدخل قط في احتساب إنتاجيته، بل ربما يحسب كعامل سلبي في تطوره المهني ما دام من شأنه أن يؤدي الى تطويل أمد المحاكمة أو الى تأخير إصدار الحكم. وهكذا، يكرّم القاضي الذي ينتج كثيراً بمعزل عن جودة إنتاجه، فيما يعاقب بدرجة أو بأخرى القاضي الذي يتريث في إصدار أحكامه من دون النظر في ما إذا كان التريث ناجماً عن حرص منه على لفظ العدل.
وانطلاقاً من ذلك، تبرز من خلال سياسة التقييم، ملامح القاضي النموذجي المطلوب تعميمها، والذي يتميز بندرة اجتهاده وقلة مراجعه واضمحلال ثقافته. ومن شأن ذلك بالطبع أن يمس بحقوق الدفاع وأن يعزز الآراء المسبقة والأحكام الجاهزة (النماذج) وأن يجعل التعليل والمنطق القضائيين سطحيين الى درجة كبيرة، وأن تزداد الشكوى من ظلم القضاة أو جهلهم إن قلّت الشكوى من بطء الفصل في قضاياهم. كما يبرز بنتيجة ذلك وجه القضاء كمرفق عام للقيام بخدمة معينة "سريعة"، مع تجريده من مجمل وظائفه المفترضة في حماية حقوق المواطنين وحرياتهم، أو أيضاً في تطوير القوانين وأقلمتها مع الحاجات الاجتماعية المستجدة. فكأنما المواطن يلجأ الى القضاء فقط لتعجيل حصوله على حقه، وليس أملاً بعدالة سلطة مستقلة، بإمكانها أن تنصفه في مواجهة أصحاب النفوذ. فماذا يفيدنا مجلس شورى دولة "منتج" إذا آلت أحكامه الى ترداد كلام السلطة بما فيها من قمع وإحباط لقطاعات إنتاجية واسعة، كما حصل مثلاً مع تكريس نظام الأمن العام في الرقابة المسبقة من خارج أي نص؟ 
وأخطر من ذلك هو جعل تعزيز إنتاجية القضاة ومحاسبتهم العنوان الأساسي بل الوحيد لإصلاح القضاء. وهذا أيضاً ما نقرأه مثلاً من خلال مشروع قانون تقصير العطلة القضائية من شهرين الى شهر واحد، من دون أن يترافق مع أي إصلاح آخر في اتجاه تعزيز ضمانات استقلالية القضاء أو حتى في وضع تنظيمات من شأنها تعزيز الإنتاجية. وبالطبع، المسألة تبلغ حد الكوميديا التي لا تضحك أحداً حين نسمع نواباً يتحدثون عن ضرورة زيادة إنتاجية القضاة فيما واحدهم بالكاد ينتج مادة ونصف تنظيمية سنوياً ويشكلون هم أغلى العاطلين من العمل[4].
في ظل أهداف كهذه، يشرئب شبح المحكمة العسكرية. محكمة تجيب عن أسئلة صعبة بنعم أو لا ومن دون أي تعليل، فتصدر يومياً عدداً هائلاً من الأحكام، ونصفق لها من أجل ذلك.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية
[1]وفي محاكم البداية بنسبة أربعة وأربعين في المئة، كما زادت قرارات القضاة المنفردين بنسبة ثلاثين في المئة.
[2]نزار صاغية، النوايا الحسنة في اصلاح القضاء: اصلاح الزواريب كبديل من اصلاح المؤسسات، المفكرة القانونية، العدد السادس، تشرين الأول/أكتوبر 2012.
[3]نزار صاغية، "في سابقة مميزة: وزير العدل ينتقد بشده مجلس القضاء الأعلى: ما تفعلونه ليس اصلاحا. وللقضاة والمحامين والمواطنين أن يعرفوا ذلك"، على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[4]سعدى علوه، "نوابنا أغلى العاطلين من العمل"، السفير، 27-2-2012.