تحولت مجلة الأحوال الشخصية التونسية في خضم الحراك الاجتماعي والسياسي الذي أعقب الثورة التونسية إلى عنوان للخصوصية الحضارية والى خط متقدم للدفاع عن الوحدة الوطنية ومكتسبات مجتمع الحداثة في مقابل خطر الردة الثقافية. هذه الردة التي يتهم أنصارها هذه المجلة بكونها سببت تفكك الأسرة وأدت لما يعتبرونه انحلالاً أخلاقياً بسبب خروجها عن نهج السلف الصالح. وهذا الأمر يفيد بأن قانون الأسرة التونسي لم يبق مجرد نظام قانوني ينظم العائلة وإنما أضحى مشتركاً اجتماعياً تتعاضد القوى الاجتماعية التي تؤمن بالدولة الحديثة في الدفاع عنه وتستشعر مبكراً الأخطار التي تهدده، خصوصاً منها تلك التي قد يتسبب في حدوثها تنامي نفوذ التيارات السياسية والجمعيات المدنية التي تسعى الى تغيير النمط المجتمعي وفق رؤيتها الأصولية المغرقة في السلفية.
كانت مجلة الأحوال الشخصية التونسية باعتبار تاريخ إصدارها الموافق لـ13 أوت/آب 1956 من أولى القوانين التي سنتها دولة الاستقلال، وهي مدونة صغيرة في حجمها إذ تتكون فقط من 169 فصلاً إلا أن المبادئ التي أرستها كانت كبيرة في أثرها بما يفسر عمق الصراع الذي يدور حولها.
أعاد واضعو نص قانون الأسرة ترتيب أمور العائلة التونسية، إذ منعوا إكراه الولي لمنظورته على الزواج وحددوا سن الزواج بأن جعل أدناه للفتاة سبعة عشر عاماً كاملة وللذكر عشرين عاماً، كما منعوا الزواج العرفي أي ذلك الذي يقوم على مجرد الإيجاب والقبول والإشهار دون كتابة. وفرضوا مقابل ذلك الصيغة الرسمية للزواج وجعلوا مخالفة الصيغ الرسمية للزواج جنحة جزائية، وانتهوا بأن أقروا المساواة الكاملة بين الزوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره، وحجروا تعدد الزوجات وجرّموا مخالفة ذلك فعالجوا ما كان في الأسرة من حيف ظاهر قبل سنها ومن مس بالطفولة والمرأة.
أنهى دخول مجلة الأحوال الشخصية حيز التنفيذ عهداً كانت فيه الأسرة جزءاً من مجال تحكم رجال الدين. إذ كان نظام الأسرة قبل دخولها حيز التنفيذ يخضع للانتماء الديني للأزواج في إطار فسيفساء تجيز للأقلية اليهودية أن تلتجئ لمجالس الأحبار أي محاكمها الطائفية في قضايا العائلة، فيما يعقد اختصاص النظر في قضايا الأغلبية المسلمة للمحاكم الشرعية. وبفضل ما أقرته أضحت أمور الأسرة مسألة مدنية بامتياز.
وكان الأثر المباشر لنقل أمور الأسرة من سلطة رجال الدين إلى فضاء المنظومة القانونية توحيد النظام القضائي، فقد كان تفعيل مجلة الأحوال الشخصية بوابة أنهت التمييز بين المتقاضين في الأنظمة القانونية التي يخضع لها أمر عائلتهم، إذ أعقب صدورها نص قانوني في 25 سبتمبر 1956 يوحد النظام القضائي التونسي وينهي العمل بالمحاكم الشرعية، فكانت المزية الأولى لهذا القانون التي تحققت.
لقد كانت المجلة في منطلقها فعل سلطة تصدى لموروث اجتماعي وأنماط تعامل أسري التقى فيه حكم المقدس بالعادات والتقاليد. واستدعى فرض التزام الأفراد بها الحرص على تأصيل أحكامها ببيان عدم تعارض منعها لتعدد الزوجات ومنع التطليق الشفوي مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد لعب شيوخ جامع الزيتونة دوراً بارزاً في تحقيق ذلك.
أعاد النظر في مجلة الأحوال الشخصية فتح باب الاجتهاد أمام فقهاء الشريعة في تونس، وكان الرأي الغالب بينهم أن تعدد الزوجات لم يجزه الشارع الإسلامي إلا بالنظر لمتطلبات نشر الدعوة في بدايتها وليس من ثوابت العقيدة، وانتهوا إلى أن اشتراط العدل للتعدد مع صريح الجزم بعدم إمكانه يجيز منع تعدد الزوجات. كما تمسك جمهورهم بكون التطليق القضائي يحقق مقاصد الشريعة في الحفاظ على الأسرة، إذ بينوا أن الطلاق يقتضي إيقاعه ضمن ظروف عائلية مستقرة أي لا يكون تحت تأثير النزوة والشهوة والغضب، والطلاق الحكمي يضمن ذلك.
وكانت صرامة الأحكام الجزائية التي تضمنتها المجلة والقوانين المكملة لها في غير صور الإقناع عامل ردع ساهم في تحولها إلى ممارسة عامة. فقد حرص المشرّع على تسليط عقوبة جزائية سالبة للحرية على كل من يتزوج خلافاً للصيغ الرسمية لعقود الزواج، كما سلط العقوبة ذاتها والتي تبلغ عاماً واحداً على من يتزوج بثانية ومن تقبل بالزواج ممن كان متزوجاً، ومنع تطبيق ظروف التخفيف.
وعلى اعتبار أن روح المساواة التي كرّسها المشرّع التونسي بين الرجل والمرأة في شؤون إدارة الأسرة والحقوق الزوجية تناغمت في حينها مع أسلوب الحياة العصرية التي سمحت بالتمدرس للمرأة وفرضت وجوب التشارك بينها وبين الرجل للقيام بالأعباء المالية للأسرة، فقد ساعد ذلك على حسن تقبلها اجتماعياً وأفضت دينامية التطور الاجتماعي الى تجاوز روح المساواة بين الجنسين في المعاملات لما تضمنه النص الأصلي لمجلة الأحوال الشخصية. وهو ما حتم التدخل التشريعي خلال سنة 1993 الذي أعطى قانون الأسرة بعداً أكثر تقدمية بعد أن قطع بشكل كبير مع مفهوم قوامة الرجل على المرأة ليتم الإقرار بوجوب إنفاق المرأة على أسرتها إن كان لها مال، كما تم بمناسبة ذات التدخل التشريعي الترفيع في السن الأدنى لزواج الفتاة إلى ثمانية عشر عاما وتوحيدها مع السن الأدنى للذكر على اعتبار أنها سن الرشد المدني، بما يعني إنهاء عهد تزويج القاصرات.
وبعد مرور ما يزيد عن نصف قرن على إرساء مجلة الأحوال الشخصية، وبعد أن تدعمت أحكامها بقوانين خاصة سايرت وجهتها التقدمية قانون 8 مارس 1958 الذي نظم الولاية على القصر وأجاز التبني، وبعد أن توالى التدخل التشريعي صلبها في اتجاه تدعيم مبدأ المساواة بين الزوجين في شؤون الأسرة، أسقطت ثورة 14 جانفي 2011 النظام السياسي الذي تمسك في خطابه الرسمي بكونه الحامي الوحيد لمكتسبات المرأة التونسية، فكان السؤال عن إمكانية حصول ردة تنهي ما تحقق.
بادرت غداة الثورة حركة النهضة، أهم حزب إسلامي تونسي، إلى إعلان تمسكها بأحكام المجلة وجددت اعتبارها إياها اجتهاداً محموداً. وكشف هذا الموقف عن نجاح قانون الأسرة التونسي في التحول الى ثابت ثقافي على اعتبار أن الحركة الإسلامية واجهت ضغطاً من قواعدها في اتجاه الحفاظ على قانون الأسرة والإعلان الصريح عن ذلك، وهو ما كان تطوراً لافتاً في ثقافة الحركة الإسلامية التونسية.
لم يكن الإعلان كافياً من وجهة نظر الحركة النسوية التي تجندت للحفاظ على المكتسبات وتدعيمها. فكان الدفاع عن حقوق المرأة عنوان المرحلة وعامل جمع لفعاليات المجتمع المدني والطيف السياسي، وكانت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي مناسبة ليؤكدوا تشبعهم بثقافة مجلة الأحوال الشخصية ورغبتهم في تدعيمها لا مجرد المحافظة عليها. فقد نجحوا في إقرار مبدأ المناصفة في الترشح بين الجنسين لها، وذلك بغاية حماية حق المرأة في الولوج لمركز صنع القرار الدستوري.
كان يتوقع لاحقاً أن تكون المسألة موضوعاً محسوماً في اتجاه تحول الحراك نحو الدفع إلى تحقيق تدعيم حقوق المرأة، غير أن مداولات نواب المجلس الوطني التأسيسي وتصريحات ممثلي الكتل النيابية بيّنت أن حماية مكتسبات الأسرة التونسية والحفاظ على النموذج التونسي الذي تميز بتحقيق توازن بين الأصالة والانفتاح أمر يستوجب مواصلة اليقظة.
فبعدما نجحت الأغلبية النيابية ذات المرجعية الإسلامية في تمرير اقتراحها بشأن الفصل 28 من مشروع الدستور التونسي المخصص لدسترة حقوق المرأة أن "حماية حقوق المرأة ودعم مكاسبها باعتبارها شريكاً حقيقياً للرجل في بناء الوطن ويتكامل دورها داخل الأسرة"، داخل لجنة الحقوق والحريات صلب المجلس الوطني التأسيسي، اعتبر التيار الذي يساند حماية حقوق المرأة ذو النفس الحداثي أن مقولة التكامل المقترحة هي تراجع عن مبدأ المساواة، ونجح في تحقيق تحرك شعبي هام يوم 13 أوت 2012  ليفرض على الأغلبية التراجع عن موقفها وإعلان قبولها بالتنصيص الصريح على المساواة بين المرأة والرجل في الدستور المرتقب.
وكان على الأغلبية النيابية الحاكمة أن تنتظر يوم 13 اوت 2013 لتشارك في الاحتفال بعيد المرأة التونسية بعدما اختارت في مواجهة الاتهامات المتكررة لها بمعاداة حقوق المرأة والسعي للانقلاب على مكتسباتها أن تسير مسيرة نسوية تحتفي بذكرى إعلان مجلة الأحوال الشخصية بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة التونسية. وكان التحرك رسالة من قبلها لمختلف الأطراف بمن فيهم مناصرات حركة النهضة الحزب الحاكم ذي المرجعية الإسلامية مفادها أن الحديث عن التراجع في مجلة الأحوال الشخصية لم يعد مقبولا.
يكشف التجاذب السياسي ذو العمق السوسيولوجي الذي تدور فعاليته في تونس أن حقوق المرأة أضحت جزءاً من الوعي الجمعي، إذ أنها بعد أن كانت جزءاً من مشروع تغيير المجتمع فرضته السلطة السياسية، تحوّلت إلى مكتسب اجتماعي تدافع عنه فعاليات المجتمع في خوف على استمراره من توجهات السلطة السياسية والثقافية. فبعد أن كان يوم 13 أوت عيداً رسمياً تعزف قوى المجتمع المدني عن المشاركة فيه وتتمسك بإحياء عيد المرأة بتاريخ عيدها العالمي أي يوم 8 مارس، بات 13 أوت عيداً شعبياً اكتفت السلطة سنة 2012 بمتابعة فعاليته لتراجع سريعاً مواقفها على ضوئها بحثاً عن إنهاء العزلة التي فرضت عليها بسبب موقفها، وتقرر أن تحتفل بها في شارع يحمل اسم رئيس الجمهورية الذي سنها وكانت الحركة الإسلامية تتهمه بتغريب المجتمع التونسي بسببها في إطار تحرك ذي دلالة عميقة.
نجح أنصار الدفاع عن مجلة الأحوال الشخصية في منع تحولها إلى مسألة تقبل التراجع عنها، وكان ذلك جزءاً من معركتهم من أجل تحقيق حرية المرأة التونسية. إلا أن تحقيق ما وعد به مشروع الدستور من تدعيم تلك الحقوق يحتم المضي قدماً في اتجاهين:
أولهما، تحقيق المساواة بين الجنسين في الممارسة الاجتماعية. فقد كشف مسح أجراه الوطني للأسرة والعمران البشري شمل عينة بـ2000 امرأة أن 47،6 بالمئة من النساء في تونس يتعرضن للعنف، سواء الجسدي أو الجنسي أو الاقتصادي أو النفسي، ولم تتقدم بشكاوى إلى القضاء سوى 17،8 بالمئة منهن. كما بينت الحقائق الاجتماعية التي كشف عنها تحرر الإعلام بعد الثورة تواصل التمييز بين الجنسين في الشغل. ويستدعي التصدي لهذه الظواهر الاجتماعية السلبية تنمية الوعي لدى المرأة بحقوقها القانونية.
وثانيهما، يتمثل في مواصلة النضال من أجل مراجعة جميع القوانين التي تتعارض مع مبدأ المساواة، ويبدو هذا الأمر صعباً في المرحلة الراهنة على اعتبار تمسك الأغلبية الحاكمة بطلب مراجعة قانون التبني بدعوى تعارضه الصريح مع الشريعة الإسلامية ورفضها الجازم لمراجعة قوانين المواريث ذات الأصول الفقهية.
بيّنت تجربة المرحلة الانتقالية أن الردة على حقوق المرأة التونسية والعودة بها الى حظيرة الطرف الذي يخضع لسلطة الرجل المستبد، أمر يصعب توقع حدوثه رغم وجود أطراف داخل المجتمع تصرّح بعدائها لها والتي تتمثل أساساً في التيارات المتشددة دينياً. ويعود الفضل في تحقق ثبات منظومة الحرية لأهمية تطور وعي المرأة التونسية بمكتسباتها. كما يعود كذلك لتمسك المجتمع التونسي بنمطه الاجتماعي رغماً عن تأثيرات موجات المد اليميني المحافظ الذي تنامى حجمه في الفترة الأخيرة. وفي مقابل ذلك، كشفت التجربة ذاتها عن صعوبة مواصلة تطوير الوضعية التشريعية لحقوق المرأة ما لم يتحول تكاتف القوى الاجتماعية التحررية لسلطة مضادة تقدر على الدفع بحقوق المرأة نحو التدعيم لتصبح مساواة تامة لا يعتريها أي تمييز بما يفيد الانتقال من الدفاع عن المكتسبات إلى مرحلة تحقيق الإنجازات، وهذا هو الحصن الحقيقي الذي يحفظ للمرأة حقوقها.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية