خلقت واقعة وفاة الطفلة روان ذات الأعوام الثمانية مؤخراً، بعد يوم واحد من زواجها من رجل أربعيني وإثر إصابتها بنزيف حاد بعد ليلة الدخلة، صدمة واسعة في اليمن والعالم، وذلك بعد أن تم تناقل الأخبار تناقلاً واسعاً عن هذه الفاجعة الحزينة في مختلف وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، وهو أمر أعاد استدعاء جدل قديم ومتكرر في اليمن حول قضية زواج الطفلات وعدم تحديد سن الزواج في القانون، علاوة على استجلابه هذه المرة تقريعاً دولياً واسعاً وغير مسبوق للسلطات في اليمن بشأن هذه الواقعة المؤلمة، عُبّر عنه بتصريح قاس لـكاثرين أشتون مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي قالت فيه إنها "شعرت بالرعب"، لتطالب أيضاً بمعاقبة المسؤولين عن الجريمة وسن تشريعات تُحدد سن الزواج وتحول دون تكرار الواقعة.
لم تكن هذه الواقعة المؤلمة التي قضت فيها الطفلة روان، أول حدث من هذا النوع يتم تناقله بهذا الشكل الواسع عن زواج الطفلات في اليمن وموت بعضهن من حين إلى آخر! حيث سبقتها واقعة شهيرة مماثلة في العام 2010 استرعت الاهتمام الدولي حينها أيضاً، وتوفيت فيها الطفلة إلهام مهدي شوعي التي كانت تبلغ من العمر حينها 13 عاماً، وذلك بسبب تمزق كامل في الأعضاء التناسلية ونزيف مميت بعد ثلاثة أيام من زواجها، وهو ما أثار في وقتها مواجهة واسعة بين الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والجماعات النسوية اليمنية من جهة، ورجال الدين المحافظين الذين يُعارضون أي تحديد لسن الزواج من جهة أخرى، وخرج حينها المئات في تظاهرات في العاصمة صنعاء مُطالبين بتعديل القانون لينص على تحديد سن الزواج، ليُنظم الإسلاميون في مواجهتهم تظاهرات أخرى في الشارع.
بالتأكيد تبدو قضية تحديد سن الزواج إحدى أكثر القضايا استقطاباً في اليمن، وهي قضية تُثار باستمرار لكونها تتغذى بوفرة الوفيات بين الطفلات اليمنيات اللواتي يتزوجن باكراً، حيث تفصح إحصائيات دولية مخيفة عن معدل وفيات مرتفع للغاية في اليمن متعلق بهذا الشأن، تموت فيه "365 امرأة و41 طفلاً رضيعاً من بين كل 100.000 ولادة حية. والأمهات الصغيرات اللاتي تقل أعمارهن عن 15 سنة هن الأكثر عرضة للوفاة بمقدار خمسة أضعاف من النساء اللاتي هن في العشرينيات من العمر، وذلك بسبب مضاعفات الولادة" وفق اليونيسيف، وهو ما يضع اليمن ضمن المعدل الأعلى في العالم.
يُمكن القول أيضاً إن النساء في اليمن عُرضة بشكل واسع للعنف، ويتوفرن على حماية ضعيفة عادة بسبب أشكال مختلفة من التمييز في المجتمع والقوانين، وهو الأمر الذي يتفاقم في حال الطفلات اللواتي يكنّ أكثر هشاشة في وضع كهذا، فلا يوفر القانون لهن أي حماية إزاء وقائع الزواج المُبكر. وهنا يُمكن الإشارة إلى أن قانون الأحوال الشخصية لا يتضمن أي تحديد لسن للزواج، بما يجعل من أي واقعة زواج لطفلة غير مُجرمة بالقانون، مهما كان الاستنكار العام لما قد يحدث للطفلة نتيجة العنف الجنسي الذي تتعرض له في ليلة الدخلة والذي يؤدي في بعض الأحيان إلى الوفاة كما حدث في حالة روان الأخيرة وقبلها إلهام.
إن الاستقطاب الشديد في هذه القضية التي تُعتبر مصيرية لرجال الدين المُتشددين في اليمن جعلها باستمرار محل استثمار سياسي من قبل السلطات، خصوصاً ما قبل ثورة 2011، واستخدمها النظام السابق كوسيلة للمساومة والحصول على التنازلات من قبل الإسلاميين، حيث تم تعديل المادة رقم (15) من قانون الأحوال الشخصية رقم (20) لعام 1992 التي كانت تنص على أنه (لا يصح تزويج الصغير ذكراً كان أو أنثى دون بلوغه خمس عشرة سنة)، ليُلغى أي تحديد للسن بموجب القانون الحالي الذي عدل بعد حرب صيف 1994. وتنتمي مُعظم أشكال التمييز الحالية ضد النساء في الدستور والقوانين اليمنية، إلى تلك الفترة التي أعقبت انتصار الرئيس عبد الله صالح على الحزب الاشتراكي اليمني في حرب صيف 1994، وهي المعركة التي دخلها صالح مُتحالفاً مع الإسلاميين الممثلين في التجمع اليمني للإصلاح، ليشكل تنقيح المنظومة التشريعية من حقوق النساء أحد أشكال المكافأة التي مُنحت لهم في الأعوام التالية للحرب، ولاحقاً أحد عناصر المساومة معهم حين تشتد الضغوط المدنية لتعديل أحد القوانين المميزة تجاه النساء. وهذا ما حدث في معركة العام 2010 حين تم طرح مشروع تعديل لقانون الأحوال الشخصية يقضي بتحديد سن الزواج، حيث كان باستطاعة الحزب الحاكم حينها، المؤتمر الشعبي العام، حسم الأمر نتيجة الأغلبية التي يحوزها، إلا أنه ظل يساوم المعارضة الإسلامية في مجلس النواب بما يضمن له الحصول على مكاسب سياسية، وهو الأمر الذي تم في هذا السياق ليتم رفض مقترح التعديل حينها بعدما وصل الاستقطاب الى ذروته في الشارع بتظاهرات متبادلة بين المناوئين والمؤيدين للتعديل المُقترح حينها.
إن المواضيع الخاصة بحقوق المرأة تستدرج الإسلاميين اليمنيين خارج مواقعهم المحروسة جيداً، حيث يضطرون للإفصاح عن تناقضهم مع الجملة الحقوقية وانتقائيتهم تجاهها، ما يجعلهم مكشوفين أمام الآخرين. وفي هذا الصدد، فإن التجمع اليمني للإصلاح، الممثل الأكبر للإسلاميين في اليمن، يؤكد باستمرار على جلاء هذا التناقض، بين التزاماته المعلنة بحقوق الإنسان وبتصوره لـ"يمن حديث"، سواء في موقفه كتنظيم منفرد أو في إطار تحالفه السياسي مع أحزاب اللقاء المشترك، وموقفه الفعلي من حقوق المرأة، التي تبدو خارج هذه الالتزامات ولا تقع في صلبها بالنسبة اليه، ولذلك فإن ممثليه يترصدون لأي شأن يخص النساء، كما يتجلى في المعارك التي خاضوها قبل الثورة ضد الكوتا وتحديد سن الزواج، أو التي يخوضونها حالياً في إطار مؤتمر الحوار حيث يرفض أي مُقترحات تعمل على تحسين حقوق النساء، ومنها مقترح تحديد سن الزواج الذي تتضمنه أجندة المؤتمر، وإن كان وضعه وقدرته الحالية أضعف على مقاومة التغييرات التي تجري قياساً بما كان يستطيع أن يفعله سابقاً.
إن قضية زواج الطفلات في اليمن ليست حدثاً عابراً بالتأكيد، بل قضية مُعقدة ومُتشابكة، تتقاطع في أحد مستوياتها مع التعريف الأصولي المتشدد للقضايا الدينية والذي يحمي إرثاً من العادات والتقاليد المُحافظة، علاوة على كونها قضية تأخذ بُعداً اقتصادياً، حيث تبدو الكثير من وقائع الزواج المُبكر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفقر وسوء الأحوال المعيشية، وحيث يُمكن الرؤية بوضوح أن الكثيرين يقومون بتزويج بناتهم الصغيرات للتخلص من عبئهن عليهم في بلاد تعيش تدهوراً واسعاً من الناحية الاقتصادية. كما يأخذ الأمر أيضاً بعداً ثالثاً يتجلى في قضايا الشرف، حيث يتم تزويج الفتيات باكراً للحفاظ عليهن أخلاقياً، وكذلك الفتيان، وفق ما يرى قطاع كبير من اليمنيين المُحافظين. بالمجمل إذاً تبدو هذا الأبعاد المُتداخلة في قضية زواج الطفلات تعبيراً مُكثفاً عن التعقيدات التي تحول دون وجود حلول وطنية منظورة للتعامل مع هذه القضية، وإن كانت بالتأكيد لا تبرر التقصير والتعامل الانتهازي الرسمي مع هذه القضية التي طالما استثمرتها السلطات سياسياً.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية