بتاريخ 2 يونيو 2013، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر حكماً تاريخياً في مضمونه ومداه. هذا الحكم تأخر صدوره لأكثر من عشرين عاماً، لكنه صدر في النهاية ليعلن بوضوح أن "القانون المنظم لحالة الطوارئ يتعين أن يتقيد بالضوابط المقررة للعمل التشريعي، وأهمها عدم مخالفة نصوص الدستور الأخرى، إذ إن صدور قانون الطوارئ بناءً على نص في الدستور لا يعني ترخيص هذا القانون في تجاوز باقي نصوصه". ونظراً لأهمية هذا الحكم، رأينا من الملائم أن نخصص له دراسة مستقلة في ظل الظروف التي تمر بها مصر وغيرها مما بات يُعرف بدول "الربيع العربي". فإذا كان الحكم قد فصل في واقعة محددة، إلا أن أسبابه تشير إلى إمكان شمول عدم الدستورية نصوصاً أخرى وردت في قانون الطوارئ متى كانت تخالف نصوصاً دستورية أو ترخص في تجاوزها، فتتحلل بذلك من الضوابط المقررة للعمل التشريعي.
واقعات الدعوى الدستورية:
في 20 أبريل 1993، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا صحيفة دعواه، يطلب فيها الحكم بعدم دستورية نص البند (1) من المادة الثالثة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ.
وتتلخص وقائع الدعوى في أن النيابة العامة أسندت إلى المدعي في الدعوى الدستورية أنه: أولاً: وضع هو وآخرون عمداً ناراً في الحوانيت المملوكة للمجني عليهم. ثانياً: وضع هو وآخرون عمداً ناراً في مبنى كنيسة ماري جرجس بالإسكندرية. ثالثاً: خرّب هو وآخرون مباني معدة لإقامة شعائر دينية (كنيسة ماري جرجس). وبعد القبض على المتهم وتفتيشه وتفتيش مسكنه، تم التحقيق معه وإحالته إلى محكمة جنايات أحداث الإسكندرية بالجناية رقم 350 لسنة 1992، نظراً لكونه حدثاً وقت ارتكابه الأفعال المسندة إليه. وفي جلسة 29/11/1992، دفع الحاضر عن المتهم (المدعي في الدعوى الدستورية) بعدم دستورية البند (1) من المادة (3) من قانون الطوارئ، لجهة تخويله رئيس الجمهورية أو من ينيبه (وزير الداخلية)، وهما ليسا من أعضاء السلطة القضائية، مكنة اعتقال وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما يخالف المادة (44) من دستور 1971، المقابلة للمادة 39 من دستور 2012، والتي قررت حرمة المساكن وحظرت دخولها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقاً للقانون. وطلب المدعي الحكم بعدم دستورية النص المطعون فيه.
وقد قدرت محكمة الأحداث جدية الدفع فصرحت بإقامة الدعوى الدستورية التي بقيت عالقة لدى المحكمة الدستورية العليا طوال عشرين عاما (1993-2013)، إذ تم رفعها في منتصف ولاية الرئيس الأسبق حسني مبارك (1993)، ولم يفصل فيها إلّا في أواخر عهد الرئيس السابق محمد مرسي (2013). 
حكم المحكمة الدستورية العليا وحيثياته:
التساؤل الأول الذي يطرح في هذا المجال يتصل بالمدة التي استغرقتها المحكمة لفصل هذه الدعوى الدستورية. فهل كانت هناك ملاءمة سياسية دفعت المحكمة إلى تأخير الفصل فيها، بحيث كان يمكن أن يؤدي الحكم فيها إلى تقييد السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه في قانون الطوارئ وفي عصور الاستبداد؟
لن نخوض في دوافع المحكمة الدستورية العليا أو الأسباب التي أدت إلى تأخير صدور هذا الحكم الهام، فالأهم أنه صدر ولو بعد طول انتظار، فصدوره متأخراً خير من عدم صدوره على الإطلاق. بدأت المحكمة حكمها برد الدفوع التي كانت قد تقدمت بها هيئة قضايا الدولة بخصوص مصلحة المدعي، ثم أوردت الحيثيات التي أدت إلى صدور حكمها على النحو الذي صدر به.
وفي هذا الصدد، بدأت المحكمة بتأكيد ما جرى عليه قضاؤها من أن الرقابة على دستورية القوانين إنما تخضع لأحكام الدستور القائم عند الحكم دون غيره، لأنها تستهدف صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه وإهدار ما يخالفها من التشريعات. وبناءً عليه، فقد باشرت المحكمة رقابتها على النص المطعون فيه من خلال أحكام دستور 2012 النافذ وقت صدور الحكم.
وبيّنت المحكمة أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى، فهو يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ووظائفها، ويؤكد ضمانات حمايتها. لذلك كانت قواعده وأصوله هي المرجع في تحديد ما تتولاه السلطات العامة من وظائف أصلية أو أعمال استثنائية وردت على سبيل الحصر والتحديد. ولما كانت الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت على تقرير الحقوق والحريات العامة في صلبها حتى تكون قيداً على المشرّع العادي في ما يسنّه من قواعد وأحكام لا يخالفها بتقييد حرية أو حق ورد في الدستور مطلقاً، أو بإهدار أو انتقاص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستورياً، وإلا وقع هذا التشريع مشوباً بعيب مخالفة الدستور.
وأكدت المحكمة أن قانون الطوارئ هو محض نظام استثنائي لا يجوز التوسع في تطبيقه، ويتعين التزام التفسير الضيق لأحكامه، والتقيد بالغاية المحددة منه وبما لا يخرج عن الوسائل التي تتفق مع أحكام الدستور، وذلك عند اتخاذ أي من التدابير المنصوص عليها فيه، وإلّا وقع ما اتخذ في حوْمة مخالفة الدستور.
ولما كان دستور 2012 قد نص في المادة 74 منه على أنّ: "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة". ونصّ في المادة 148 على أنّ: "يعلن رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي الحكومة حالة الطوارئ على النحو الذي ينظمه القانون"، ومن ثم فإن قانون الطوارئ يتعين أن يتقيد بالضوابط المقررة للعمل التشريعي، وأهمها عدم مخالفة نصوص الدستور الأخرى، "إذ أنّ صدور قانون الطوارئ بناءً على نص في الدستور لا يعني ترخيص هذا القانون في تجاوز باقي نصوصه".
وإذ نصت المادة 34 من الدستور على أنّ: "الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس"، ونصت المادة 35 على ضرورة صدور أمر قضائي مسبّب يستلزمه التحقيق لإمكان القبض على الشخص أو تفتيشه أو حبسه أو منعه من التنقل أو تقييد حريته بأي قيد في غير أحوال التلبس، ونصت المادة 39 على أنّ: "للمنازل حرمة، وما عدا حالات الخطر والاستغاثة، لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبأمر قضائي مسبب يحدد المكان والتوقيت والغرض". وتطبيق هذه النصوص يتنافى مع ما ورد في قانون الطوارئ من ترخيص بالقبض والاعتقال والتفتيش للأشخاص والأماكن دون إذن قضائي مسبب، فذلك يهدر حريات المواطنين الشخصية ويعتدي على حرمة مساكنهم، ما يمثل خرقاً لمبدأ سيادة القانون الذي يعد أساس الحكم في الدولة.
ولا ينال مما تقدم القول بأن قانون الطوارئ إنما يعالج أوضاعاً استثنائية متعلقة بمواجهة نذر خطيرة تتهدد معها المصالح القومية بما قد ينال من استقرار الدولة أو تعرض أمنها وسلامتها لمخاطر داهمة، أو أن حالة الطوارئ بالنظر إلى مدتها وطبيعة المخاطر المرتبطة بها لا تلائمها أحياناً التدابير التي تتخذها الدولة في الأوضاع المعتادة، ذلك أنه لا يجوز أن يتخذ قانون الطوارئ الذي رخص به الدستور ذريعة لإهدار أحكامه ومخالفتها وإطلاقه من عقالها، إذ أن قانون الطوارئ – أياً كانت مبرراته - يظل على طبيعته كعمل تشريعي يتعين أن يلتزم بأحكام الدستور كافة، وفي مقدمتها صون حقوق المواطنين وحرياتهم.
منطوق الحكم وآفاق المستقبل:
من حيثيات الحكم، انتهت المحكمة إلى أن ما نص عليه قانون الطوارئ من الترخيص بالقبض والاعتقال وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، يخالف أحكام المواد 34، 35، 39، 81 من دستور 2012. وبناءً عليه حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنه البند (1) من المادة (3) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ.
ولكن، ماذا بعد هذا الحكم؟ لقد قرر الحكم بوضوح أن القانون المنظم لحالة الطوارئ يتعين أن يتقيد بالضوابط المقررة للعمل التشريعي، وأهمها عدم مخالفة نصوص الدستور الأخرى. بيد أن هناك نصوصاً في قانون الطوارئ بها شبهة مخالفة لنصوص دستورية متكررة في الدساتير المصرية المتعاقبة منذ دستور سنة 1923، ونكتفي ببعض الأمثلة:
-المادة (9) من قانون الطوارئ تجيز لرئيس الجمهورية أو لمن يقوم مقامه أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة طوارئ الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام. هذا النص يخالف المادة 75 من دستور 2012 المعطل ونصها: "لا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي، والمحاكم الاستثنائية محظورة"، والمادة 15 من الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو 2013 "لكل مواطن حق الالتجاء لقاضيه الطبيعي". ونأمل أن يتبنى الدستور الجديد المادة 75 من دستور 2012.
-المادة (12) من قانون الطوارئ تحظر الطعن بأي وجه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة طوارئ. هذا النص يخالف المادة 75 من دستور 2012، والمادة 15 من الإعلان الدستوري: "يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء".
-المادة (13) من قانون الطوارئ تجيز لرئيس الجمهورية حفظ الدعوى قبل تقديمها إلى المحكمة والإفراج المؤقت عن المتهمين المقبوض عليهم. والمادة (14) تجيز لرئيس الجمهورية أن يلغي الحكم الصادر بالإدانة بعد التصديق عليه أو أن يخفف العقوبة أو يوقف تنفيذها. فما مدى توافق هذا النص مع المادة 16 من الإعلان الدستوري "لا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة". ونأمل أن يتضمن الدستور الجديد نصاً مماثلاً لنص المادة (16) من الإعلان الدستوري.
إذا لم نتعلم شيئاً من فترات الاستبداد، فسوف نعود إليه مرة أخرى. وقد علمتنا تجارب الحياة القانونية أن الاستبداد ينشأ ويقوى في ظل النصوص القانونية التي تقيد الحقوق والحريات العامة للمواطنين وتعتدي على استقلال القضاء العادي وتكرّس المحاكم الاستثنائية والتحايل على حق المتهم في المحاكمة أمام قاضيه الطبيعي. إن الشعوب لا ترزأ بالمجرمين أو المستبدين، لكنها تنتج هؤلاء وهؤلاء عندما لا تتعلم من تجاربها في فترات الاستبداد.
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية