"لمن القانون؟" سؤال يفرض نفسه على أيّ مجتمع يرغب في قياس منسوب ديمقراطيته. (1) فمن يصنع القاعدة القانونية بمعناها الواسع وما هي صفته التمثيلية؟ و(2) بما لا يقلّ أهمية، ما هي القوى القادرة على التأثير في صناع القاعدة القانونية، سواء في اتجاه دفعهم أو حثهم على وضعها أو ثنيهم أو منعهم من اتخاذها؟ و(3) ما هي المجالات المتاحة لاستخدام القاعدة القانونية في مواجهة صانعيها؟

 

من يصنع القاعدة القانونية؟

وسّع إجراء الانتخابات البلدية سنة 2018 من دائرة صنّاع القاعدة القانونية، على الصعيد المحلي. وقد بشرت بقرب تشبيب هؤلاء بعد أن كشفت نتائجها أن نسبة 37% من الفائزين بهذه المقاعد كانوا من الشباب الذين يقل سنهم عن 35 سنة و أن الفائزين بالمقاعد البلدية كانوا بنسبة كبيرة من النساء (47%) علما أن 68 امرأة تبوأن منصب رئيسات بلدية كانت إحداهن رئيسة بلدية تونس العاصمة. كما. كما نجح 144 شخصا معوقا في الوصول لعضوية المجالس البلدية[1]. إلا أن توسيع التشاركية في هذا المضمار يبقى نسبيا بالنظر إلى نسبة العزوف المرتفعة عن المشاركة في الانتخابات (63%).

على  صعيد  المجلس التشريعي، نشط ما اصطلح على تسميته محليا بالسياحة البرلمانية. وقد أدت هذه السياحة البرلمانية إلى اندثار كتل نيابية لأحزاب كانت تصنف في خانة الفائزين في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 وظهور كتل نيابية جديدة، استحالت سريعا أذرعا نيابية لأحزاب جديدة. وفيما دبّت في بداية سنة 2018 حياة نشيطة في مجلس نواب الشعب، سببها الحماسة في العمل على مشروع مجلة الجماعات المحلية، بات ذات المجلس عند نهايتها في حالة عجز عن توفير النصاب القانوني للمصادقة على النص الكامل لمشروع قانون التقاعد رغم مصادقة أعضائه قبل ذلك بأغلبية مريحة على كل فصول ذات القانون. أشر اضطراب الأداء هذا إلى كون الأزمة السياسية التي شطرت السلطة التنفيذية وشقت الائتلاف الحاكم انسحب أثرها على التوافق النيابي الذي كانت تدار به أعمال التشريع.

ومن أبرز نتائج هذا الانشطار هو فشل مجلس النواب في إرساء المحكمة الدستورية فضلا عن عدد من الهيئات المستقلة الدستورية.

 

القوى القادرة على التأثير في صناع القاعدة القانونية؟

في سنة 2018، رفعت السلطة السياسية شعار الإصلاحات الكبرى. ولم يكن من البداية خافيا أن جانبا هاما من تلك الإصلاحات التي توصف بالمؤلمة تم التخطيط لها وتصورها من المقرضين الأجانب الذين باتوا يقايضون توفير موارد الموازنة على شكل قروض بإجرائها.

 

الحفاظ على المكاسب في مواجهة الإصلاحات المطلوبة من الخارج

تعلقت جرعات الإصلاح التي خطط لإنفاذها في سنة 2018 بالعمل على تخفيض كتلة التأجير في الوظيفة العمومية وذلك من خلال تنقيص الأعوان عبر غلق باب الانتداب والتسريح الاختياري وتجميد الموارد المالية المرصودة للتأجير من خلال تجميد المرتبات إلى حين و تجميد جرايات المتقاعدين بشكل نهائي. وإذ أنذر الإصلاح في أول ورشاته بتسارع خطوات تفقير الطبقة الوسطى وضرب الحقوق المكتسبة للمتقاعدين، نجح الاتحاد العام التونسي للشغل في دعم الحراكات المقاومة لها وصولا إلى حماية حقوق المتقاعدين وتمكين الشغالين من زيادات في الأجور ترقع مقدرتهم الشرائية المتآكلة بفعل التضخم وزيادات الأسعار. ذات الهيكل النقابي ساند عمال الحضائر في مطالبهم الرامية للخروج من نطاق العمل الهش، مما أرغم الطرف الحكومي على توقيع اتفاق يقر لهم بجانب من حقوقهم. كما سجل في السنة نفسها نجاح لنقابة الصحافيين في الدفاع عن الحقوق المهنية لمنظوريها الذين كانوا في جانب كبير منهم ضحايا لتنكر أصحاب المؤسسات الإعلامية لبنود الاتفاقية المشتركة الخاصة بهم. كما نجحت الهيئة الوطنية للمحامين في الحفاظ على السر المهني لحرفائهم، وفي إبطال المواد الواردة في قانون المالية العامة في هذا الخصوص. وكان تمّ تبرير هذه المواد بضرورة التصدي لتبييض الأموال ومصالح تونس الاقتصادية في علاقتها بدوائر المال العالمية.

جعل هذا الحراك سنة 2018 كما السنوات التي سبقتها سنة النقابات والقطاعات، تلك الهياكل المهنية التي استحالت بعد الثورة أهم فاعل سياسي تعكس قوتها عزلة  الجانب الأكبر من الأحزاب السياسية عن مجتمعها الذي تتحدث باسمه.

في موازاة ذلك، كشفت الهجرة السرية وما خلفته من ضحايا لقوارب الموت عن عمق الأزمة الاجتماعية كما أشرت تظاهرات الشارع العنيفة بداية 2018 وحركة الاعتصامات غير المؤطرة (وغالبها من المعطلين عن العمل) التي شملت مختلف جهات البلاد وكانت في جانب منها عنيفة ومعطلة لحلقات الإنتاج عن كون جانب هام من المجتمع التونسي لم يجد في قواعد الممارسة الديمقراطية سبيلا للتعبير عن ذاته ومواقفه.

وكانت عند هذا الحدّ سنة 2018 في علاقتها بالحقوق الاجتماعية سنة معارك للحفاظ على المكتسبات أكثر منها سنة لتطويرها. فلم يتم خلال هذه السنة تسجيل أي إنجاز حقوقي على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفيما يظهر قانون الأمان الاجتماعي (الذي تم إقراره في بداية 2019) للوهلة الأولى ضمن القوانين الآيلة إلى منح حقوق اقتصادية لفئات معينة، فإن التعمق فيه إنما يثير القلق إزاء الأهداف الكامنة وراءه. فهو يظهر في السياق الحالي بمثابة وصفة ستعتمد لمعالجة ظاهرة تآكل الحقوق الاجتماعية التي قد تنتج عن الإصلاحات المطلوبة من الخارج، ومنها توصيات صندوق النقد الدولي. وتشمل هذه الظاهرة، ليس فقط المس بالمكاسب العمالية أو مجالات العمل، إنما أيضا تراجع مجانية أو نوعية المرافق العمومية وفي مقدمتها المرافق التعليمية.

 

الحقوق الفردية يعطلها التسييس والأدلجة

رغم النقاش الواسع الذي شهدته الحقوق الفردية في الساحة العامة بفعل مبادرة رئيس الجمهورية باجي قائد السبسي بإنشاء لجنة الحقوق الفردية والحريات وإعلان هذه اللجنة تقريرها الغني جدا حول مكامن المسّ بقيم حقوق الإنسان والحريات الفردية، فإن الحصيلة الحقوقية على صعيد هذه الحقوق والحريات بقيت شبه معدومة. وقد جاءت هذه الحصيلة مخالفة للسنوات السابقة، حيث تمّ إقرار قوانين بالغة الأهمية، أبرزها قانون حماية النساء من العنف. ففي ما عدا إقرار ثلاث اتفاقيات دولية، تم في هذه السنة إقرار قانون واحد ذات طابع حقوقيّ هو قانون التمييز العنصري والذي يبقى مجال تطبيقه محدودا في تونس. وقد يكون أحد أهم أسباب الفشل في استثمار مخرجات اللجنة حقوقيا، هو التوجه المبكر والمكشوف لصاحب المبادرة (رئيس الجمهورية) وللفاعلين الحزبيين في استغلال هذه المخرجات في نزالهم السياسي والانتخابي. على ضوء هذه التجربة، يجدر التساؤل حول المفاعيل السلبية التي قد تنتج عن الأدلجة والتسييس على قدرة الحراكات الحقوقية في تحقيق أهدافها.

 

الضحايا واستحقاقات العدالة الانتقالية

على صعيد هيئة الحقيقة والكرامة، بدا الضحايا قادرين بفعل حراكاتهم على التأثير على مقرراتها. إلا أن استجابة الهيئة لمطالب هؤلاء، بدت مهددة من جانبين إثنين. فمن جهة أولى، توجهت الهيئة إلى تضخيم عدد الضحايا حسبما صرح به العديد من قياداتهم. فتضخيم هذا العدد ومعه كلفة جبر الضرر يشكل في ظل محدودية موازنة الدولة تهديدا حقيقيا لحقوق هؤلاء. ومن جهة ثانية، وفيما تم التعويل لتحقيق المحاسبة على إحالة ملفات الضحايا إلى الدوائر المتخصصة للعدالة الإنتقالية، فإن التدقيق في شروط عمل هذه الدوائر يظهر أفخاخا عدة قد تؤدي إلى انهيار المسار القضائي برمته. من هذه الأفخاخ، خلوّ غالبية الملفات من أبحاث جدية ووافية، وأيضا الإشكالات التي شابت صحة المحاكمة أمام هذه الدوائر، ومنها الخلل التشريعي المتمثل في انعدام طرق الطعن بأحكامها، والذي قد ينتهي إلى إبطال كل أعمالها في حال إثارة الدفع بعدم دستوريته.

 

أي استخدام للقاعدة القانونية لإنصاف المعنيين بها أو مواجهة صانعيها؟

أخيرا، نتساءل عن مدى نجاح الحراكات في استخدام القاعدة القانونية لمواجهة السلطة السياسية أو لتعزيز حقوقها. وبالطبع، المجال الأكثر خصبا في هذا المجال هو عمل القضاء وهيئات الرقابة التقليدية وغير التقليدية، في اختصاصاتها المختلفة.

وأول ما نلحظه في هذا المجال هو أنّ استدامة الخلاف بشأن المرشّحين للمحكمة الدستورية شكل عائقا أمام إرساء هذه المحكمة ومعها تفعيل الحق الديمقراطي في الدفع في دستورية القوانين. ويحول هذا الأمر دون تمكين المتقاضين من المساهمة في تنقية الترسانة القانونية من القوانين غير الدستورية ومن حثّ المشرّع تاليا على تسريع وتيرة العمل على مواءمة القوانين الوضعية مع الدستور الجديد. ومن المعلوم أن الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين تنحصر صلاحيتها في مراقبة دستورية مشاريع القوانين وبطلب من أعضاء في السلطة السياسية حصرا.

ولكن ماذا بشأن سائر الهيئات القضائية؟ ما هي تصورات القضاة لوظائفهم وما لا يقل أهمية ما هي تصورات المتقاضين لهذه الوظائف؟ وأبعد من التصورات، كيف عمل القضاء فعليا في سنة 2018؟ هل عمل من وحي وظيفته التقليدية كخادم للقانون وتاليا لمن صنعه، أم عمل من وحي دوره المكرس في الدستور والذي يجعل منه حاميا للحقوق والحريات؟ في هذا المجال، وإذ سجّلنا بإيجابية بعض الأحكام القضائية الرائدة في مجالي المحاكمة العادلة والحريات المدنية (حرية التعبير ومكافحة الفساد)، فإن هذا التيار يبقى بعيدا عن أن يصبح الحالة العامة داخل القضاء. وفيما ما تزال محاولات التقاضي الاستراتيجي ضعيفة في تونس، فإن جمعية أنا يقظ تميزت لجهة مطالباتها في النفاذ للمعلومة ومبادرتها الى صياغة تحرك مكافح للفساد وما تفرع عن ذلك من خطاب مؤثر في المجال العام.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

In 2018, Whom Did the Law Serve in Tunisia?

 

 


[1] المرأة، الشباب، ذوو الإعاقة في الانتخابات البلدية التونسية: نجاح سياسة التمييز الإيجابي بالأرقامالمفكرة القانونية | 2018-05-14