"الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت على تقرير الحقوق والحريات العامة في صلبها حتى تكون قيداً على المشرّع العادي فيما يسنّه من قواعد وأحكام لا يخالفها بتقييد حرية أو حق ورد في الدستور مطلقاً، أو بإهدار أو انتقاص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستورياً، وإلا وقع هذا التشريع مشوباً بعيب مخالفة الدستور". هذه الحيثية وردت حرفياً في الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في 2 يونيو/حزيران 2013 في إطار النظر في مدى دستورية أحد بنود قانون الطوارئ في ما يتصل بتفتيش المنازل الخاصة من دون الحاجة الى أمر قضائي. ولكن عند قراءة الحكم، نلحظ أن القيد الذي وضعته تمثل بوجوب مراعاة بقية النصوص الدستورية على نحو قد يؤدي الى جعل قانون الطوارئ برمّته مخالفا للدستور[1]، فيما لم ترد أي إشارة فيه الى قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان أو مبادئه وفي مقدمها مبدأ "الحقوق التي يجب عدم المساس بها" في حالات الطوارئ الاستثنائية. فكأنما المحكمة تناست أو سها عنها أن قانون الطوارئ يعطّل بطبيعته ممارسة بعض الحقوق، مثل حق التجمع المكفول في الدساتير المصرية المختلفة.
وبذلك، بدت المحكمة العليا من خلال حيثياتها وكأنها تستشعر الحاجة الى تقييد قانون الطوارئ على غرار ما يؤول اليه المبدأ المذكور، وإن بدت على اضطراب اجتهادها وعدم وضوحه، أكثر راديكالية منه في تقييد هذا القانون. وعلى هامش ذلك، يبرز مفهوم "الحقوق فوق الدستورية" الذي نقرأه في توصيات لجنة العشرة لتعديل دستور 2012 وكأنه يأتي توضيحاً وتكليلاً لهذا الاجتهاد. 
مبدأ الحقوق "التي لا يمكن المساس بها"
مبدأ الحقوق التي لا يمكن المساس بها هو مبدأ نشأ بالقانون الدولي الإنساني للحفاظ على حقوق الإنسان الأساسيةبالنزاعات المسلحة الدولية والأهلية. ويتجلى مبدأ "الحقوق التي لا يمكن المساس بها" في اتفاقيات جنيف في المادة 3 الموحدة والتي تذكر الأفعال التي لا يجوز القيام بها تجاه المدنيين ونستنتج منها الحقوق التي لا يجوز تحت أي حال من الأحوال تعطيلها[2]، كذلك نصت المادة 75 من البروتوكول الأول والمواد من 4 الى 6 من البروتوكول الثاني[3]. وقد تم توسيع إطار تطبيق مبدأ "الحقوق التي لا يمكن المساس بها" ليطبق في حالات الطوارئ الاستثنائية. وقد تم النص على ذلك في الاتفاقيات الدولية المختلفة، أولاها كان العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية سنة 1966 الذي نص في مادته الرابعة على الحقوق التي لا يمكن تعطيلها في حالات الطوارئ الاستثنائية وهي: الحق في الحياة، حظر التعذيب تحت أي صورة من الصور، حظر الرق والعبودية، وحظر سجن شخص لعجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي[4].
ثم جاءت الاتفاقيات الإقليمية التي أبرمت في وقت لاحق لتوسع قائمة الحقوق التي لا يمكن المساس بها. فنجد أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الموقع عام 2004[5]، قد أضاف، في مادته الرابعة، على قائمة الحقوق التي لا يمكن تعطيلها في حالات الطوارئ لتشمل حق كل إنسان في محاكمة عادلة، ضرورة الحفاظ على قانونية العقوبة، حظر محاكمة شخص عن الجرم نفسه مرتين. كما أكد الميثاق على الحفاظ على المعايير الإنسانية لمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، وعلى حق الاعتراف بالشخصية القانونية، كما أكد على حرية الحركة للأشخاص، ومنع تقييد الحركة أو الإقامة الجبرية، وحق كل شخص في التمتع بجنسية، كما حظر الميثاق المساس بحرية الفكر والعقيدة والدين.
نحو إقرار مبادئ فوق دستورية في الدستور المصري القادم؟  
قانون الطوارئ يتعارض بطبيعته مع حقوق الإنسان؛ وفي حين أنه لا بدّ، حسب لورين فونتين، أن تعلو حقوق الإنسان الأساسية فوق قانون الطوارئ، يقتضي إذاً أن نضع هذه الحقوق في مكانة أعلى من قانون الطوارئ المذكور في الدستور. وهذا الأمر يتطلب أمراً من اثنين: فإما أن تعد هذه الحقوق "فوق دستورية"، وإما أن يتم إقرار قانون الطوارئ بنص تشريعي غير دستوري[6].  
وعند قراءة اقتراحات لجنة العشرة لتعديل الدستور[7] نلاحظ أنها قاربت الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن من زاويتين اثنتين:
-فهي "لا تقبل تعطيلاً، ولا انتقاصاً. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيّدها بما يمس أصلها وجوهرها" حسبما نصت المادة 68 المقترحة، وهو ما يعني أن المشرّع الدستوري يعلن أن هذه الحقوق حقوق "لا يمكن المساس بها" تحت أي ظرف، وهي الحقوق نفسها التي يكفلها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية كما تمت الإشارة اليه أعلاه. وهي خطوة إيجابية على طريق الالتزام بقواعد القانون الدولي وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وإن كنا نأمل أن تتبنى لجنة الخمسين لائحة الحقوق التي كفلها الميثاق العربي لحقوق الإنسان على أساس أنها أوسع وتشمل ضمانات قضائية كما أوضحنا.
-أما الزاوية الثانية، والتي لا تقل أهمية، فقد تمثلت في التعديل المقترح للمادة 189 والتي نصت على "وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات". وبذلك، تكون لجنة العشرة قد خصت هذه الحقوق بضمانة مزدوجة من خلال النص بعدم جواز تعطيلها في المادة 68 وعدم جواز تعديلها بالتقليل من ضماناتها في المادة 189.
ونأمل أن تبقي لجنة الخمسين، المنعقدة حالياً لمناقشة هذه الاقتراحات، على هذه الضمانات.    
نُشر في العدد الحادي عشر من مجلة المفكرة القانونية
[1] فتوح الشاذلي، الدستورية العليا في مصر بعد عشرين سنة من اللجوء اليها: على قانون الطوارئ مراعاة الحقوق المكرسة دستوريا، المفكرة القانونية، عدد 11.  
[2] راجع اتفاقيات جنيف لعام 1949.
[3] راجع البروتوكولات الاضافية الملحقة باتفاقيات جنيف 1949.
[4]وقعت مصر على العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية عام 1966 وصدقت عليه عام 1982.
[5] وقعت مصر الميثاق العربي لحقوق الانسان عام 2004، ولكنها لم تصدق عليه حتى اليوم، حسب الموقع الرسمي لجامعة الدول العربية.
[6]Laureline Fontaine, “La constitutionnalisation des pouvoirs d’exception comme garantie des droits? L’exemple des democraties est-europeennes a la fin du XXeme siècle”. 
[7] نشر نص التعديلات المقترحة من لجنة العشرة في جريدة المصري اليوم بتاريخ 22 أغسطس/أب 2013.