فرض القانون التونسي للعدالة الإنتقالية أن تكون هيئة الحقيقة والكرامة هي المؤسسة التي تلعب دور المحرك الدافع لكل مسارات تلك العدالة. واقتضى ذات القانون أن تكون مدة عمل تلك الهيئة أربع سنوات تحتسب بداية من تاريخ تسمية أعضائها (والذي حصل في أيار 2014) مع إجازة تمديدها لسنة واحدة. وفي ظل خلافات عميقة بين الهيئة والحكومة التونسية، قررت الهيئة تمديد ولايتها حتى آخر 2018. وقد شهد هذا العام إحالة مئات الملفات القضائية إلى الدوائر المتخصصة للعدالة الإنتقالية المنشأة بموجب القانون نفسه والتي يتعين عليها أن تنظر في هذه الملفات وفق الأصول الجنائية المعتادة.

في سياق رغبة المفكرة في تقييم عمل هذه الهيئة نظرا لأهمية التجربة، عمدنا إلى إجراء سلسلة من المقابلات. ومنها المقابلة المنشورة هنا مع رئيس جمعية "الكرامة ورد الاعتبار" كريم عبد السلام.

 

المفكرة: يُذكر أنك كنت من أوائل الذين بشروا بالعدالة الانتقالية كجزء من وصفة الانتقال الديمقراطي. أين أنت اليوم من هذه العدالة؟

عبد السلام: بعد تفكير وتجربة طالت نسبيا، بتّ أعتقد في كون العدالة قيمة مطلقة لا تقبل الإضافة ولا التحديد. فكل تقييد يمس بها كحق وكل إضافة فيها توظيف يقيده. أجد هنا متى فكرت صعوبة في تصور أن إضافة توصيف الانتقالية للعدالة فعل غايته تحقيق العدالة. أقدر بالتالي أن العدالة الانتقالية ليست عدالة وإنما هي بالأساس مشروع تسوية بين قوى حاكمة صاعدة وأخرى إلى تراجع. ويدفع الوعي بهذه الحقيقة، أي بتنافي المؤسسة في تصورها الاصطلاحي والمفهومي مع قيم العدالة المطلقة، إلى رفض كل ادعاء يسوّق له، مفاده أن هذه العدالة عادلة صحيحة ولها قواعد واضحة المعالم ومتفق عليها. ربما هي كانت في منشئها وفي الحاجة إليها مسألة سياسية أو أداة إدارة وتحكم في سقف الاستحقاقات أي الحقيقة والمحاسبة والعلاقة بالتاريخ.

ما أطرحه من سؤال هنا ليس دعوة للعودة عن الطريق ولكن هو تنبيه لضرورة تنسيب الأفكار والمواقف كما هو دعوة لطرح براغماتي في التعاطي مع ما يبدو للبعض قيما مطلقة للعدالة الانتقالية لا يمكن التنازل عنها. لو نظرنا في التجارب المتعددة لهذه العدالة التي عرفتها المجتمعات خلال العقدين الماضيين، لتبينا بوضوح أهمية تنسيب الأفكار وأهمية الوعي بكون الغاية الحقيقية للعدالة الانتقالية ليست بالضرورة العدالة بمفهومها المبدئي.

أنا أعتقد بشكل جازم أن إستيلاد فكرة العدالة الانتقالية كان وسيلة لقوننة التغيير ووضع ضوابط له والتحكم في سرعة تدفقه والحد من سقف حقائقه. إذن العدالة الانتقالية هي إجراء سياسي بآليات قانونية. لذلك لا يمكن أن نتحدث فيها عن نجاح نموذجي ولا عن فشل كامل. فالعدالة الانتقالية هي عدالة تسوية ويجب أن نفهم ذلك وأن نكون واعين له في كل حديث يهدف لأن يكون موضوعيا عن تجربة من تجاربها ومنها التجربة التونسية.

 

المفكرة: هل يتوافق التصور النظري أو الإطار التشريعي للعدالة الانتقالية التونسية مع ما تطرح من تصور؟

عبد السلام: أقدر أننا ومن خلال التصور التونسي، حاولنا أن نؤسس لجيل جديد من العدالة الانتقالية وأظن أننا حققنا نجاحا في هذا الجهد النظري والتشريعي على أكثر من مستوى، من أهمها:

  • خلافا للتسعة وأربعين التجربة السابقة في المجال، كان قانون العدالة الانتقالية التونسي النص الوحيد الذي كرس دون ميز ما يصطلح على تسميته بمبادئ تلك العدالة أي كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإعادة الاعتبار ومنع التكرار،
  • تقديم تعريف قانوني دقيق للضحية يمر من الضحية المباشرة أي من تسلط عليه الانتهاك إلى الضحية غير المباشرة أي محيطه الأسري ليصل إلى الجهة الضحية،

هذا النجاح، وهنا أتحدث دوما على مستوى المنطلقات النظرية، وضعنا له وعلى مستوى ذات النص القانوني فخاخا كان بإمكان كل متابع أن يتبين من البداية أنها ستعيق جهد تحقيق المبادئ المعلنة ومن أهمها:

  • التوسع غير المبرر في مدة التقليب في صفحة الماضي بحثا عن الانتهاكات وطلبا للحقيقة. لقد اختار المشرع التونسي في جهد كان يفترض أن يكون موضوعه البحث في انتهاكات سلطتها الدولة على مواطنيها أن يعود لما قبل تأسيس تلك الدولة أي إلى الفترة الاستعمارية. ويظهر هذا الاختيار بمثابة التوظيف السياسي للمسار من جهات سياسية أرادت تصفية حساباتها مع رموز دولة الاستقلال. كما يظهر تعويما للسؤال يمنع كل إمكانية للتوصل لجواب موضوعي.
  • التوسع في نطاق التجريم عند تحديد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تستدعي المحاسبة القضائية بشكل أفضى للتنصيص على أفعال في خانة الجرائم لا يجرمها القانون المحلي التونسي مثل الدفع للهجرة الاضطرارية وتدليس الانتخابات ومطالبة القاضي المحلي بأن يصدر في شأنها أحكاما جنائية بما يعني نسف قيم العدالة الجزائية وإغراق المحاكم بالبحث في قضايا غير مجرمة. وكان هنا أيضا للارتجال في المواقف السياسية وعدم الوعي بطبيعة تلك العدالة النسبية دور في هذا التوجه.

لقد وجهنا العدالة الانتقالية منذ البداية نحو الخصام السياسي في حين أنها وسيلة تسوية له بما كان من نتيجته أن كانت مخرجات عملنا عليها دون إنتظاراتنا.

 

المفكرة: وإذا نظرنا إلى مكونات العدالة الانتقالية واحدا واحدا: ما هو تقييمك لما جرى على صعيد كشف الحقيقة؟

عبد السلام: يستدعي الحديث عن تقييم لمسار كشف الحقيقة بداية السؤال عن الحقيقة بمعنى ما هي الحقيقة التي كان مطلوبا كشفها. حسب رأيي الحقيقة حقيقتان أساسيتان لكل منهما آلياته:

  1.  حقيقة تاريخية: يكون هدف كشف هذه الحقيقة تقديم قراءة جديدة للتاريخ تخرج عن سردية الصوت الواحد وتستدعي الرأي المغيب. وهنا يجب أن تكون هذه الحقيقة حقيقة علمية بمعنى لا تكون نتيجة لسردية جديدة ذات بعد واحد.
  2.   حقيقة الانتهاكات وهي حقيقة جنائية يجب أن تلتزم بقواعد الإثبات الجزائي وحياديته.

كان يمكن أن نأمل في تحقيق ناجح في التوصل للحقيقتين وفق شروطهما لو أننا التزمنا من البداية وكما أسلفت بعدم إغراق مسار العدالة الانتقالية في مدة زمنية طويلة. لو اكتفينا هنا بفترة حكم بن على والانتهاكات التي تمت فيها والحركة التاريخية المتصلة بها لكان الجهد أفضل وإمكانيات النجاح واقعية ولكن ولأننا ذهبنا لتوسيع غير مبرر لساحة البحث عن الحقيقة فقد حكمنا ومن البداية على رحلة بحثنا أن تكون سطحية.

هذه السطحية التي تجلت فعليا في مخرجات البحث إذ:

  • على مستوى الحقيقة التاريخية أعدنا وبكل بساطة إنتاج سردية جديدة صنعها هذه المرة الضحايا. فكان أن غاب عن عمل مؤسسات العدالة الانتقالية كل فعل غربلة أو تنسيب لكل السردية والأهم والأخطر أن تلك السردية لم تلتزم بالسياقات التاريخية للمفاهيم والقيم فكان أن تحولت لمحاكمة للتاريخ بتصورات مسقطة من الحاضر ومن غير تدقيق.
  •  على مستوى حقيقة الانتهاكات: لم ننجح في هذا السياق في تجاوز الحلقة الأولى الظاهرة منها أي حلقة الجلاد في مفهومه الواسع بما يعني أننا لم ننجح في تفكيك المنظومة والوصول لكل الفاعلين فيها خصوصا منها الخفيين وهذا لا يبشر بشيء إيجابي فيما تعلق بمنع التكرار.

 

المفكرة: تقييمك فيما يتعلق بمسار جبر الضرر؟

عبد السلام: للأسف استعمل ملف جبر الضرر من القائمين على العدالة الانتقالية بتونس كرافعة لجلب الضحايا واستدامة تبعيتهم. وكان هنا وعد العطاء المجزي الطعم الذي قدم لجمهور الضحايا بغاية استغلال هشاشتهم الاقتصادية وحاجتهم المشروعة لجبر ضررهم ليغطي على الفشل وليكون هؤلاء حزاما بشريا للهيئة في خياراتها الصدامية.

اليوم ومن خلال مخرجات عمل هيئة الحقيقة، يظهر جبر الضرر كما لو كان هدف العدالة الانتقالية وفي هذا انحراف كبير عن قيم العدالة مطلقا إذ أن جبر الضرر لا يمكن بحال أن يعد هدفا للعدالة بقدر ما يجب أن ينظر له كوسيلة تغيير اجتماعي تهدف لنزع سبب من أسباب التوتر الاجتماعي أي الشعور بالضيم والظلم وهي في كل حال وسيلة ضرورية لمنع الصدام لكنها ليست هدفا في ذاتها.

على مستوى ثان لا يقل أهمية، نلاحظ في عمل هيئة الحقيقة والكرامة، أن هذه الهيئة وللغايات السياسوية التي سبق ذكرها انتهجت مقاربة كمية في بحثها عن الضحية عنوانها الأهم تضخيم جمهور الضحايا بحثا عن قاعدة مساندة أوسع. هذا التوجه قد يكون خدم الهيئة في معاركها الجانبية لكنه أدى لتسميم مسار العدالة الانتقالية من خلال تحويل جبر الضرر لما يشبه فرصة تكسب لضحايا غير حقيقيين وسيؤدي فعليا لمنع جبر الضرر.

فمن المتعارف عليه أن مراحل الانتقال السياسي هي مراحل صعوبات اقتصادية. وهذا أمر يلاحظ اليوم بيسر من كل متتبع للحالة التونسية. كان يفترض بالتالي عند التعاطي مع استحقاق جبر الضرر التنبه لهذا المعطى ضمانا لفرص حقيقية لتنفيذ مقررات جبر الضرر.

كان يمكن هنا فيما تعلق بالانتهاكات البعيدة زمنيا والتي جبر الزمان جرحها في كثير من الأحيان أن يتم اعتماد الرمزية في معاير "جبر الضرر" من خلال التركيز أكثر على رد الاعتبار والتكريم. فيما كان يجب أن يتم الحرص على ألا يشمل التعويض المالي إلا الفئات التي ما زالت تعاني في معيشتها آثار الانتهاكات التي تعرضت لها. أظن أن توظيف الهيئة لهذا الملف في غير أهدافه كان من أبرز عناوين فشلها التي ستتأكد يوما بعد يوم.

 

المفكرة: والمحاسبة؟

عبد السلام: اخترنا في التجربة التونسية القضاء المحلي كساحة لمحاسبة قضائية لمن يتهمون بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويفرض هذا وبشكل مبدئي أن ننظر في احترام هذا القضاء في عمله على هذا الملف لقواعد المحاكمة العادلة لأن احترام هذه القواعد يعني أن نؤسس حقيقة الانتقال الديمقراطي وخروجنا عنها يعني أننا انحرفنا عن هذا الهدف. وفي هذا الإطار، لاحظنا مجموعة من الإخلالات الهامة:

  • طلبنا من قضاة الدوائر المتخصصة المنشأة الحكم جزائيا في وقائع غير مجرمة في القانون التونسي ولا في قانون دولي نافذ بالبلاد التونسية أو خارجها. وأتحدث هنا عن جرائم الاختفاء السري وتدليس الانتخابات والدفع للهجرة الاضطرارية. فهل نطلب من القضاة الانتصاب كمشرعين فيحكموا وفق أهوائهم بما يخالف مبادئ المحاكمة العادلة؟
  • منحنا هيئة الحقيقة والكرامة صلاحية إجراء بحث قضائي دون أن تكون خاضعة لأي شكل من أشكال الرقابة القضائية أو ملزمة باحترام مسطرة إجراءات قانونية. وهذا أدى فعليا لعبث كبير في الأبحاث تكشف الأيام كل يوم بعضا من فصوله.
  • خرقنا مبدأ التقاضي على درجتين وهو مبدأ أساسي وجوهري من مبادئ المحاكمة العادلة.

يتبين مما سلف أن الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية في تصورها القانوني الصرف لا تحترم قواعد المحاكمة العادلة بما يعني أنها محاكم استثنائية تنتج عمليات قصاص بغطاء القانون. ومما يزيد في أزمة هذا البناء القانوني ممارسات هيئة الحقيقة والتي أفقدت المحاكمات كل شفافية ومن هذه الممارسات إحالتها لملفات للمحاكم دون أبحاث.

أنا اعتقد جازما أن الدوائر المتخصصة محاكم تعيد الزج بالقضاء في التوظيف السياسي وهذا يجب أن يكون مدانا من الجميع وأولهم من ناضلوا من أجل المجتمع الديمقراطي ورفضوا الاستبداد. كما يجب على القضاة التنبه له والتصدي له على القضاة تجاوز ما يسلط عليهم من ترهيب في الموضوع ليؤكدوا للجميع أنهم قضاة مستقلون. وهذا وحده يحقق ما كان يطمح له المناضلون أو ما يسمى اليوم في عرف العدالة الانتقالية الضحايا.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Abdelsalam: Transitional Justice is a Tool for Compromise not Political Conflicts