يفضّل أن يعرف عن نفسه بالمدافع عن حقوق الإنسان. وبالفعل تثبت مسيرته المهنية التى كان جلها في منظمات عديدة تونسية ودولية هذا النضال الحقوقي المستمر. حاليا، يشغل الأستاذ أحمد كرعود منصب رئيس المنتدى المتوسطي للذاكرة، وهو منتدى غير حكومي يعمل على توثيق أحداث ثورة الياسمين. إضافة إلى ذلك، فهو عضو فاعل في الهيئة الإدارية للمفكرة القانونية في تونس. نظراً لمتابعته للأحداث في تونس عن كثب من منطلق وطني ودولي، إرتأت المفكرة القانونية الخوض معه في حوار معمق عن مسار العدالة الإنتقالية وعمل هيئة الحقيقة والكرامة من جهة والحراك الحقوقي في تونس ما بعد الثورة، نقدا وتقييما من جهة أخرى.

 

هيئة الحقيقة والكرامة بين المزايا والضغوطات..

كرعود: بداية يجب أن نتذكر دائما أنه لولا الحراك الثوري في 2011 والتغيير الذي حدث على مستوى المشهد السياسي في تونس، لما كان وجد لا قانون 53 للعدالة الإنتقالية ولا هيئة الحقيقة والكرامة. فمرجعنا يجب أن يكون دائما الثورة وما يصب في مصلحة تونس والتونسيين. فالهيئة هي جزء هام من المسار ولكن في نهاية الأمر تبقى مجرد جزء. بإعتقادي، هذا المسار بدأ مع صدور أول مرسوم عفو عام إعادة تسوية وضعية العديد من الضحايا في الوظائف العمومية في 2011. وفي ظل عدم اطلاعي على تقرير الهيئة النهائي، تقييمي لعمل الهيئة سابق لأوانه حقيقة.

ولكن اليوم، يمكن أن أحدثك عن مسار عمل الهيئة.

من الناحية الإيجابية، إرتكاز عمل الهيئة على قانون هو في غاية من الأهمية. لأنه يشهد على ترحيب ودعم وقبول الدولة نفسها بالهيئة ليس من مجرد حزب أو مجموعة أو شخص. كما بموجب هذا القانون، خصصت الدولة للهيئة دعما لوجيستيا وبشريا وماديا واستقلالية بإتخاذ القرار والعمل. الأمر الذي منح الهيئة قوة كبيرة ورمزية كبيرة جدا، هذا من جهة. من جهة أخرى، كان للهيئة دعم كبير من مؤسسات حكومية دولية. يكفي أن نذكر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أهميته والذي كان أحد أبرز الداعمين الأساسيين لهذا لمسار العدالة الإنتقالية. كما وعبره ساهمت بعض الحكومات بدعم هذا المسار أيضاً. نذكر أيضاً أن العديد من المؤسسات والمنظمات الحقوقية غير الحكومية دعمت كثيرا هذا المسار، على غرار المركز الدولي للعدالة الإنتقالية، المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب، منظمة العفو الدولية، إلخ.

لكن بالرغم من كل هذا الدعم، لم يسمح للهيئة العمل بأريحية على مدار سنواتها الأربع. هذا بسبب عودة العديد من شخصيات النظام القديم للعمل السياسي في 2014. وعليه، لم تتعاون معها العديد من الوزارات والمؤسسات العمومية. وزارة الداخلية والتي تشكل الشاهد الأكبر والأهم على الانتهاكات والجرائم التى ارتكبها النظام القديم، رفضت تسليم أرشيفها. تدريجيا، العداء مع الهيئة أصبح واضحا للرأي العام التونسي. حيث ضجّت المنابر الإعلامية والصحف بالأخبار التى تشهد محاربة عمل الهيئة وتشويه صورتها. هذا بالإضافة إلى المشاكل الداخلية للهيئة والتى حدثت بين أعضائها أنفسهم. هذه الصراعات أنقصت كثيرا من ثقة الطبقة السياسية والرأي العام التونسي بعمل الهيئة، نسقه وتماسكه، وبمصداقية  قراراتها ونتائجها.

أما على مستوى نتائج عمل الهيئة، فيجب أن نتساءل هنا: "ماذا أنتجت الهيئة بعد أربع سنوات ونصف من العمل؟ أنا شخصيا أرى أولا أن الجلسات العلنية التي قامت بها الهيئة أفرزت معطيات عديدة أصبحت اليوم في أذهان التونسيين حقائق. على غرار الإنتهاكات الجسيمة التى مارسها النظام القديم والتي طالت جميع الفئات التونسية وجميع الأطياف السياسية والإيديولوجية، بداية مع الدستوريين أنفسهم إلى المعارضة من يساريين، ليبراليين، نقابيين، إسلاميين، حقوقيين، وغيرهم. كما أن أساليب التعذيب وطرق الإنتهاكات أصبحت كذلك واضحة بالنسبة للتونسيين.

ثانيا، التوثيق الذي تم عبر الجلسات السرية والمحاكمات أمام الدوائر القضائية المتخصصة. هذه المادة التوثيقية تساعد أصحاب الحق والمؤرخين والباحثين في المستقبل. حقيقة كنت أتمنى لو عملت الهيئة منذ البداية على مقترح مشروع لمؤسسة خاصة تعنى بأرشيفها وفق ما يسمح به قانون 53 أو تقترح إضافة قسم خاص إلى أقسام الأرشيف الوطني لحفظ أرشيفها. أنا أستغرب أصلا كيف بدأت الهيئة بالاستماعات السرية وأخذ المعطيات الشخصية من الضحايا دون إعلامهم كيف وأين ستحفظ هذه المعلومات. من الظاهر أن الهيئة لم تضع هذا الأمر من ضمن أولوياتها ولم يطالبها أحد بذلك أيضاً.

ثالثا، الدوائر القضائية المتخصصة والمحاكمات نشرت ثقافة اللجوء إلى القضاء كوسيلة أساسية في طلب واسترداد الحقوق من قبل المواطنين ليس من خلال الثأر بل من خلال محاكمات عادلة. هنا أشير إلى ضرورة إعادة النظر بغياب مسألة التقاضي على درجتين في قانون العدالة الإنتقالية. تطرح هذه المسألة إشكالية كبيرة في مدى إلتزام تونس بآليات المحاكمة العادلة ومدى رغبة أصحاب القرار إدماج الجلادين ومن شارك في الإنتهاكات في مسار العدالة الإنتقالية.

 

حقوق الضحايا ما بعد الهيئة

كرعود: مسألة جبر الضرر محسومة بنظري. فعلى المستوى المحلي، ضمن قانون 53 جبر ضرر الضحايا ورد إعتبارهم وكرامتهم. على المستوى الدولي، لدى الأمم المتحدة آليات وقواعد عمل لجبر ضرر الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ملزمة للدولة التونسية نظرا لالتزام تونس بالقانون الدولي. أعتقد أن من أبرز المشكلات التى واجهت العدالة الإنتقالية في تونس هي التجاذبات الإيديولوجية التى شوهت صور الضحايا ومطالبهم برد الاعتبار وجبر الضرر على وجه التحديد. أذكر هنا أن هذه المشكلة سبق وشهدتها عدة تجارب في العدالة الانتقالية حول العالم. في النهاية، يجب أن لا ننسى أن العدالة الإنتقالية، بالرغم من تركيزها على البعد الحقوقي، تبقى مسألة سياسية. فالعدالة الانتقالية تحكم بآلياتها على نظام حاكم سابق. لولا ضعف هذا النظام وهشاشته لما أمكن للنظام الحالي أن يحاكمه لأنه نظام إستبدادي في الأساس لا يقبل النقد. هذه مسألة سياسية بحتة وبالتالي فيها صراع سياسي وأيديولوجي، يمكن أن تستخدم العدالة الإنتقالية والضحايا فيها لتحقيق مكاسب سياسية. أتمنى على المنظمات والجمعيات الحقوقية أن تكون واعية بهذا. كما وأن أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة يمكن أن يؤسس لمستقبل حقوقي سليم لتونس ويعيد كتابة تاريخ البلاد. هذا الأمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى الضحايا ورد إعتبارهم، حيث ستلعب قصصهم الدور الأبرز فيه.

 

لجنة المساواة والحريات الفردية: مبادرة جيدة ولكن..

كرعود: مبادرة رئيس الدولة بتشكيل لجنة تعنى بالإصلاحات القانونية لضمان مبدأ المساواة والحريات الفردية خطوة في غاية من الأهمية. فبغض النظر عن الأهداف الكامنة وراء هذه المبادرة، يبقى وجودها مهما كونها خرجت عن رئاسة الجمهورية بنفسها. هذا يعني أن الطبقة السياسية أصبحت نسبيا واعية بالمطالب الحقوقية وراغبة بطرح قضايا حقوقية مجتمعية على الرأي العام لتخرجه من فكرة أن السلطة هي التى تفرض التطوير الحقوقي، كما شهدنا وقت بورقيبة وبن علي.

بل تطرح الدولة مبادرات تدخل مفهومي الحقوق والحريات في صلب الخطاب العام التونسي ليتمكن المواطن بلورة أفكاره للوصول بعدها لمرحلة يطلب هو بنفسه تغيير وتطوير المنظومة الحقوقية القانونية. برأيي، الإشكالية ليست في لجنة المساواة والحريات الفردية أو تقريرها بل كيف تم التعامل معها.

للأسف، تم التعامل معها بطريقة ضيقة جدا من قبل رئاسة الجمهورية والمنظمات والجمعيات الحقوقية على السواء. حيث تم حصر هذه المبادرة بالمساواة في الإرث فقط. إن كان يريد الرئيس السبسي المضي قدما بالمساواة في الإرث تحديدا، لكان سعى إلى تقديمها كمشروع قانون من البداية وأدخلها ضمن توافق حزبه نداء تونس مع حركة النهضة الإسلامية، دون هذه البلبة الإيديولوجية التى قامت ضد اللجنة. في الحقيقة، من أكثر الأمور التى تؤلمني هي عدم إلحاق هذا التقرير بحوار مفتوح بين الطبقة السياسية والرأي العام المحلي. هذا ما كنت أتمنى أن تقوم به الجمعيات والمنظمات الحقوقية ولكن، اقتصر ذلك على مبادرات صغيرة من بعض الجمعيات. للأسف لم تتمكن من محاربة وتجاوز الصراع الإيديولوجي بين التيار المحافظ والليبرالي في البلاد.

 

الحراك الحقوقي في تونس: فجوة بين المطلب والعمل

كرعود: في تونس هناك عالمان مختلفان: النخبة والعامة. النخبة هي التي تهتم بالشأن العام وهم من الحقوقيين، الصحفيين، السياسيين، والمفكرين الذين يتمحور اهتمامهم غالبا حول السلطة. والعامة، وبخاصة الفئات الهشة الفقيرة، التى لا تملك صوتا أو أحدا يتكلم عنها. هذه الفئات هي أقل تنظما من الحركات النقابية مثلا التى لديها الإتحاد العام التونسي للشغل ليرفع صوتها ويتحدث بإسمها ويدخل بصراع مع السلطة لتحصل على مكاسب. هناك فجوة كبيرة بين عمل النخبة ومطالب العامة، بالرغم من تلاقي الأمرين مرات، خصوصاً مع الحراكات النقابية والتى هي جزء لا يتجزأ من مطالب الشعب. عدا عن ذلك، هناك فجوة حقيقية تشكل خطرا كبيرا على مسار الإنتقال الديمقراطي في البلاد، إلا إذا تغيرت السياسات العامة للدولة التونسية لتأخذ بعين الإعتبار مطالب الجهات والفئات المهمشة في تونس.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟