خمسة أشهر سجنا وخطية مالية بثلاث مائة دينار في حق امرأة تهجّمت على معلم بمدرسة ابتدائية ونعتته بأوصاف عنصرية ذاك هو اوّل تطبيق للعقوبات المنصوص عليها بالقانون المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري بتونس، قانون اعتبره البعض قانونا تاريخيّا لاعترافه وتجريمه خاصة لظاهرة التمييز العنصري ولما يحتويه من ضمانات من شأنها القضاء عليها.

 

إلى متى ظاهرة اجتماعية دون أساس قانوني يجرّمها؟

تونس هو أول بلد عربيّ يلغي الرق ويعتق العبيد اذ تمّ ذلك نهائيا عام ألف وثمانمائة وستة وأربعون خلال عهد أحمد الباي الأول وفي عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين بعد احدى عشر سنة من الاستقلال صادقت الجمهورية التونسية على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الاّ انّ التشريعات الوطنية بقيّت منقوصة وخالية من كل تنصيص صريح وخاص بتجريم التمييز العنصري.

وخلال الفترة الانتقالية التي عاشتها تونس عقب الثورة مثّل المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر النص التشريعي الوحيد الذي اقّر امكانية تجريم الاعتداءات القائمة على أساس عنصري حيث نصّ في فصل التاسع والستون على امكانية اثارة تتبعات في جنح  الثلب أو الشتم المرتكبة بواسطة الصحافة أو بأي وسيلة أخرى من وسائل الإعلام  إذا كان ذلك موجها إلى فئة من الأشخاص ممن ينتمون إلى أصل أو إلى عرق أو إلى دين معين وكانت الغاية منه التحريض على التباغض بين الأجناس أو الأديان أو السكان واقّر كذلك الفصل الثاني والخمسون من نفس المرسوم عقوبات سجنية لكل من يدعو إلى الكراهية بين الأجناس أو الأديان أو السكان وذلك بالتحريض على التمييز واستعمال الوسائل العدائية أو العنف أو نشر أفكار قائمة على التمييز العنصري.

وعلى الرغم من تكّرر حالات الاعتداء على أفراد تونسيين كانوا أم أجانب فإنه تعين أن ننتظر 2016 حتى تبادر مجموعة من النواب بتقديم مقترح تشريعي للقضاء على التمييز العنصري. الاّ ان هذه المبادرة لم تحظ بأي مناقشة وبقيت من ثم حبرا على ورق على الرغم من تأكيد رئيس مجلس نواب الشعب خلال الدورة البرلمانية ذاتها أهميتها في ظلّ تضاعف الاعتداءات وضغط المجتمع المدني.

وفي 2018، عادت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وأودعت لدى مجلس نواب الشعب مشروع قانون يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري مع طلب استعجال النظر ليتخلّى بذلك أصحاب مقترح القانون السابق ذكره عن مبادرتهم لصالح مقترح الحكومة.

 

ستّة أشهر لولادة مشروع قانون يجرّم التمييز العنصري

انطلقت لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بمجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع القانون خلال شهر أفريل من نفس السنة واستغرقت في مناقشته شهرين للتتوّصل إلى المصادقة على تقريرها خلال شهر جوان دون تمكّنها من تمرير مشروع القانون إلى الجلسة العامة للتصويت على فصوله سوى في شهر أكتوبر أي مع بداية الدورة البرلمانية الموالية والأخيرة من المدّة النيابية الأولى.

تخلّلت اجتماعات لجنة الحقوق والحريات جلسات استماع إلى مختلف الأطراف الحكومية منها وغير الحكومية لتنطلق اللجنة بعد ذلك في مناقشة فصول مشروع القانون الذي أفرز النقاش في شأنه العديد من النقاط الخلافية. لعّل أهمّها تعريف التمييز العنصري ومعاييره حيث اقترح المجتمع المدني في شأنها إضافة كل من معيار الدين والأصل القومي أو الإثني ولاسيما معيار الجهّة والهوية الجنسية للأفراد ليكون بذلك مشروع القانون يتعّلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز المسلط في المجتمع التونسي والتي ليس لها أي أساس قانوني يجرّمها. إلاّ أنّ التصويت صلب اللجنة أفضى إلى رفض المقترحات المقدّمة لإضافة كل من معيار الدين والجهّة والهوية الجنسية والإبقاء على التعريف المقدّم من الحكومة مع إضافة معيار "الأصل القومي أو الإثني" فقط تماشيا مع التعريف الوارد بالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وأيضا على اعتبار أنّ مشروع القانون يتعلق بالأساس بالقضاء على أشكال التمييز العنصري وليس التمييز بشكل عام.

هذا ويمكن اعتبار مسألة إضافة معيار الجهة هو المعيار الأكثر إثارة للجدل على مستوى اللجنة ولاسيما الجلسة العامة حيث انّ الرفض الوحيد الذي سُجل بخصوص مشروع القانون أثناء التصويت عليه برمّته أساسه عدم تضمين هذا المعيار ضمن مشروع القانون.

مسألة توسيع مجال الأطراف التي يمكن لها رفع الشكاوى ضدَّ كل من ارتكب فعلا أو امتنع عن القيام بفعل أو أدلى بقول بقصد التمييز العنصري لتشمل الجمعيات وليس فقط الضحايا، أثار بدوره جدلا صلب اللجنة وهو مقترح مقدم كذلك من المجتمع المدني.

فقد اعتبر بعض النواب أنّه ليس من الضروري إضافة الجمعيات على اعتبار أنّ هذه الأخيرة من جهّة يمكنها أن تلعب دور تحسيسي وتحفيزي لدفع الضحايا لتقديم الشكاوى ومن جهة أخرى أنّ المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات يضمن لها ذلك بتكليف من الضحية ولا داع لهذا التنصيص صلب مشروع قانون القضاء على التمييز العنصري بالإضافة إلى التخوّف من إثقال كاهل الجهة المختصّة في تلقي الشكاوى.

 في المقابل، اعتبر بعض النواب أن إضافة الجمعيات من شأنه أن يشكّل حافزا لتقديم الشكاوى والتشجيع على القضاء على هذه الظاهرة خاصّة في ظلّ خوف بعض الضحايا من رفع الشكاوى وعدم ترسّخ ثقافة اللجوء إلى المحاكم حينما يتعلق الأمر بمثل هذه الاعتداءات معتبرين أنّ مشروع القانون لابّد أن يقطع مع هذه المخاوف.

ورُسي النقاش صلب اللجنة في الأخير على عدم تضمين هذا المقترح والتصويت على الإبقاء على الصيغة الأصلية للفصل.

كذلك مسألة توّفر شرط قصد الاحتقار أو النيل من الكرامة فيما يتعلق بتضاعف العقوبات أثار جدلا واسعا صلب اللجنة. فقد اعتبر النواب المدافعون على الإبقاء على هذا الشرط أنّ هذا القانون يهدف إلى معاقبة الأشخاص العنصريين وليس من يصدر عنهم قول أو فعل عنصري من دون قصد، مشيرين الى أنّ وسائل إثبات القصد ممكنة ومتوّفرة بالقانون التونسي. بينما رأى رافضو الإبقاء على هذا الشرط أنّ في حذفه اتجاه نحو المزيد من التشديد والصرامة في تطبيق القانون والقضاء على التمييز العنصري معتبرين أنّ العقوبات من شأنها تعميق الفوارق الاجتماعية. وفي نهاية النقاش، تمّ الاتفاق على الإبقاء على الصيغة الأصلية للفصل التي تقضي بتوّفر هذا الشرط لإقرار مضاعفة العقوبات.

هذا وإلى جانب إضافة معيار "الأصل القومي أو الاثني" أدخلت لجنة الحقوق والحريات على مشروع القانون قبل عرضه على الجلسة العامة بعض التعديلات تعّلقت بالأساس بمسألة حذف آجال إصدار المحكمة المختصة لحكمها بعد النظر في الشكاوى المرفوعة إليها ومسألة إحالة اللجنة الوطنية لمناهضة التمييز العنصري لتقرير سنوي إلى اللجنة المكلفة في مجلس نواب الشعب.

ففيما يخصّ حذف الآجال، قامت هذه الإضافة على أنّ هذه الآجال خيالية ولا يمكن الالتزام بها عمليا خاصة في القضايا الجزائية التي تتطلب إجراءات التحرّي والتثبت فيها مدّة زمنية أطول يمكن أن تتجاوز الشهرين خاصّة في ظلّ الظروف التي تعمل بها المحاكم العدلية بتونس وما تمتاز به من بطء في إصدار الأحكام.

أما فيما يخصّ مسألة إحالة تقرير سنوي إلى اللجنة المكلفة في مجلس نواب الشعب، يتضمّن مشروع القانون في فصله الحادي عشر إلحاق لجنة وطنية تسمى "اللجنة الوطنية لمناهضة التمييز العنصري" بالوزارة المكلفة بحقوق الإنسان، اعتبر عدد من النواب أن ثمة ضرورة أن تحيل هذه اللجنة تقريرا سنويا إلى اللجنة المكلفة في مجلس نواب الشعب وذلك في إطار الدور الرقابي الذي يمكن أن يلعبه المجلس على السلطة التنفيذية، الشيء الذي انتهت اللجنة بالموافقة على تضمينه صلب مشروع القانون.

ويلحظ أن اللجنة المذكورة تعنى وفق القانون بجمع ومتابعة مختلف المعطيات ذات العلاقة وبتصور واقتراح الاستراتيجيات والسياسات العمومية الكفيلة بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وتضبط بمقتضى أمر حكومي كيفية إحداثها ومشمولاتها وتنظيمها وطرق تسييرها وإجراءات عملها وتركيبتها على أن يراعى في ذلك مبدأ التناصف وتمثيلية المجتمع المدني.

وفي 9 من أكتوبر 2018، تمّكنت الجلسة العامة من تمرير مشروع القانون والمصادقة عليه فصلا فصلا بـ 125 صوتا مع وذلك على إثر نقاش عام دام أكثر من خمس ساعات تعالت خلاله أصوات المدافعين عن مشروع القانون وعن ضرورة القضاء على هذه الظاهرة الاجتماعية وتجريمها لكّن قلّة قليلة من أولئك رأوا أنّنا ليس في حاجة لمثل هذه المبادرات التشريعية وأنّ الاعتداءات الحاصلة في المجتمع التونسي على أساس التمييز العنصري لا ترتقي إلى مرتبة ظاهرة اجتماعية تتطلب الوقوف عندها وإصدار نصّ تشريع خاص بها[1].

 

ولكّن هل أنّ تمرير القوانين هو وحده كاف فعلا للقضاء على ظاهرة التمييز العنصري؟

صحيح أنّ تونس تمّكنت من المصادقة على مشروع قانون يقّر بوجود التمييز العنصري ويحمي الضحايا ويجرّم الاعتداءات المسلّطة على أساس تمييز وخاصة يؤثث لثقافة احترام الآخر وقبول الغير، بل أكثر من ذلك، لم يبق هذا القانون حبرا على ورق وانّما تمّ تطبيقه لأول مرة بعد ثلاثة أشهر فقط من المصادقة عليه كما سبق بيانه. ولكّن الأهّم من القانون هو تغيير العقليات والقطع مع الثقافات البالية التي كانت ومنذ الأزل لا تنفك تقصي الآخر بسبب اختلافه. الأمر الذي يحتاج ليس فقط لنصّ   تشريعي خاص به وإنّما يستدعى تطوّرا فكريا وثقافيا.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

 


[1] النائبة هالة الحامي عن كتلة حركة النهضة خلافا لنواب آخرين من نفس الكتلة صرّحت خلال النقاش العام صلب الجلسة العامة انّ مشروع القانون مسقط ولا توجد مظاهر حقيقية بالمجتمع التونسي تستدعي الحديث عن ظاهرة اجتماعية يستوجب القضاء عليها نصّا تشريعيا.