لقد تميّزت سنة 2018 بصدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة[1]. هذا التقرير الهام والذي نضعه في خانة الوثائق الكبرى ذات الطابع البيداغوجي، والتي يؤمل أن تشكل أرضية لإثراء النقاش العام والمجتمعي في تونس. إلا أن دور هذا التقرير تجاوز منطقة النقاش والجدل ليتحول إلى مشروع قانون أمام مجلس نواب الشعب على أمل أن يتحول إلى نصّ قانوني ملزم. هذا الحراك الذي خلقه تقرير لجنة الحريات الفردية تزامن أيضا مع ظرف سياسي اجتماعي واقتصادي دقيق: صعوبات اقتصادية هامة تمرّ بها تونس انعكست مباشرة على ظروف عيش المواطنين، أزمة سياسية خانقة بين رأسي السلطة التنفيذية، واحتجاجات اجتماعية يقود الإتحاد العام التونسي للشغل جزءا منها، فيما تتزعم مجموعات شبابية غير مهيكلة حزبيا أو نقابيا جزءا آخر منها. يضاف إلى ذلك الاستعداد السياسي لسنة انتخابية تشريعية ورئاسية حاسمة. فإلى أي مدى سنحت أو سيسنح استمرار هذه الظروف الضاغطة لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة ومشاريع القوانين المنبثقة عنه، أن يجد مكانه في الخطاب العام وتحديدا في العمل التشريعي؟

 

قيمة مضافة في التاريخ الحقوقي الإنساني التونسي

إن ما ميّز تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة هو الإضافة الجوهرية إلى تصور منظومة حقوق الإنسان في تونس وخاصة بتأكيد التقرير على المنظومة الشاملة والكونية والمترابطة وغير القابلة للتجزئة لحقوق الإنسان. فتقرير اللجنة أعاد الحديث من جديد حول مكونات حقوق الإنسان التي تم تهميشها أو التغافل عنها منذ عهد الأمان الصادر في سبتمبر 1857 وأوّل دستور لتونس الصادر في 26 أفريل 1861. ويذكر أن هذا العهد كان بمثابة ميثاق تسوية بين سكان المملكة التونسية باختلاف أديانهم وأعراقهم ولغاتهم، يقوم على تأكيد قيمة الفرد. وقد غاب فيما بعد الفرد والحقوق الفردية عن دستور 1959 وعن الحوار السياسي الذي رافق ثورة جانفي 2011، حيث كان التأكيد والاهتمام منصبا على الحقوق السياسية بالأساس والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعد الحديث عن الفرد وحقوقه إلا مع نقاشات دستور 27 جانفي 2014 ليتم إقرار الحريات الفردية بكل صراحة إلى جانب الحريات العامة (الفصل 21 من الدستور). وقد أتى تقرير اللجنة كترجمة لهذا التوجه الدستوري، بما يربط مع "عهد الأمان". فبإقرار مبدأ المساواة التامة والفعلية بين الرجال والنساء في كافة الحقوق والحريات دون استثناء وحماية حرية الضمير وتكريسها وتأكيد حرية الفرد في اختيار توجهاته الجنسية وهويته الجندرية، يكون التقرير قد اقترح إتمام منظومة حقوق الإنسان في تونس وجعلها منسجمة مع المنظومة الكونية. وهو ما يؤكدّ من جديد استثنائية التجربة التونسية المؤسسة لديمقراطية قائمة على ما للفرد من قيمة في حياته الخاصة وعلاقاته.

 

في دينامية الجدل والنقاش حول التقرير

سببقى تقرير الحريات الفردية والمساواة إحدى أبرز ميزات العام 2018، حيث أوجد التقرير بصدوره حراكا سياسيا واجتماعيا هاما. فكانت صائفة 2018 فترة نقاش وجدل واسعين حول محتواه وآفاقه: فرغم اختلاف المواقف حول التقرير، من المؤكد أنه لم يترك أي جهة سياسية أو مدنية على الحياد. فالكلّ بيّن موقفه بين مؤيّد بتحفظ ومعارض للتقرير برمته... ومعارض جزئيا للتقرير.

 

الرفض المطلق والشيطنة:

طيلة صائفة 2018، شُنّت حملة شديدة للتشنيع بالتقرير ومهاجمة أعضاء اللجنة وخاصة رئيستها النائبة بشرى بلحاج. هذه الحملة الممنهجة والمنظمة قادتها مجموعات وشخصيات محسوبة أساسا على حركة النهضة والحركات السلفية و حزب التحرير وحزب المودة، إلى جانب مجموعة من أساتذة جامعة الزيتونة لعلوم الشريعة وأصول الدين. وكان لتنسيقية الدفاع عن القرآن والدستور دور هام في هذه الحملة وهي حركة يتزعمها وزير النهضة الأسبق للشؤون الدينية (2011-2013). وبلغت الحملة أقصاها بمسيرة 11 أوت أمام مجلس نواب الشعب لرفض تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، واستعملت الحملة في إطار أنشطتها وسائل الإعلام والندوات الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتواصلت الحملة لاحقا بعد إيداع مشروع قانون المساواة في الإرث أمام مجلس نواب الشعب بتنظيم وقفة احتجاجية لبعض أئمة الزيتونة يوم 6 جانفي 2019. هذا المشروع للمساواة في الإرث حاولت الحملة شيطنته بكل الوسائل بما في ذلك إصدار فتوى عن مجموعة من شيوخ الدّين بتكفير من سيصوت لقانون المساواة في الإرث وعدم جواز انتخابهم في الانتخابات القادمة.

 

الرفض الجزئي للتقرير:

بعض الحركات السياسية وأهمها حركة النهضة أبدت رسميا تحفظها ورفضها جزئيا للتقرير، في جانبه المتعلق بالمساواة في الإرث وذلك منذ 26 أوت 2018. بالمقابل، لم تُبدِ الحركة الإسلامية موقفا رافضا لبقية التقرير ومقترح مجلة الحريات الفردية وإن بقي موقفها قابلا للتأويل. فقد عبّرت الحركة في كتابها الموجه إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 10 أوت عن أهمية التقرير فيما يتعلق بالحريات الفردية، إلا فيما يتعلق بثوابت النصوص الدينية. وقد أشارت إلى أن التقرير يفتح النقاش حول أي حريات فردية نريد.

 

قبول تقرير اللجنة مع بعض التحفظ

كان لمنظمات المجتمع المدني الديمقراطي المؤمنة بمنظومة حقوق الإنسان الكونية الدور الأساسي لتقديم موقف متوازن من تقرير اللجنة. وإذ دافعت هذه المنظمات بكل وضوح عن اللجنة وعن التقرير، فإنها تحفظت على بعض النقاط التي ترى أنها لا تتلاءم مع منظومة حقوق الإنسان والتوجهات الحديثة لهذه المنظومة. فكان للإئتلاف المدني من أجل الحريات الفردية دور رئيسي في الحشد والمناصرة وإعادة التوازن.

وفي هذا الإطار، نظم الائتلاف مؤتمر تونس للحريات والمساواة بتاريخ 24 جويلية 2018 ليجمع الناشطين والناشطات والفنانين والفنانات والأدباء والشخصيات الوطنية لتأكيد المبادئ الثابتة فيما يتعلق بالحقوق والحريات. وقد جمعها الائتلاف في 10 نقاط أساسية، أبرزها إلغاء عقوبة الإعدام، المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال بما في ذلك في مجال الإرث وعدم تجريم المثلية وحماية الحق في الميول الجنسية والهوية الجندرية. وقد كان موقف هذه المنظمات واضحا: لا تنازل عن المنظومة الكونية أو عن مكتسبات الدستور، وتاليا الثناء على كل ما تضمنه التقرير من توجهات موافقة لهذه المنظومة، ورفض كل ما يتعارض معها. ثم كان تحرك 13 أوت 2018 ردا مباشرا على تحرك المحافظين يوم 11 أوت 2018، للتأكيد على المساواة التامة والفعلية بين النساء والرجال والتأكيد على أن الحريات الفردية جزء لا يتجزأ من معركة المساواة. هذا التفاعل الهام مع التقرير انخرطت فيها نقابة الصحافيين التونسيين والتي بدأت بتكوين وتدريب الإعلاميين حول الحريات الفردية وتقرير اللجنة إنطلاقا من جوان إلى موفي أكتوبر[2] 2018. وقد تم تدريب هؤلاء في مختلف مناطق الجمهورية في إطار ما سمته النقابة قافلة الحريات الفردية والمساواة، حيث عملت النقابة على تقديم تقرير اللجنة ومقترحاتها من ناحية وتنظيم نقاشات مع أعضاء اللجنة. وهو ما سمح من ناحية بنشر محتوى التقرير ورفع الالتباس والأفكار الخاطئة التي نشرت لغاية تشويهه طيلة صائفة 2018.

هذا العمل الذي قامت به النقابة مكّن أيضا من برمجة أكبر للحريات الفردية والمساواة في وسائل الإعلام على اختلافها وأدى إلى تحسين النقاش حول الحريات في وسائل الإعلام.

 

في الخيارات السياسية في مجال الحريات: الانتقائية

بالرغم من صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة عن لجنة كلّفّها رئيس الجمهورية بذلك (منذ 13 أوت 2017)، إلا أن الرّئاسة تعاملت مع مقترحات اللجنة بشكل انتقائي. ففيما أرفقت اللجنة تقريرها بمقترح مجلة الحريات الفردية وبمشروع حول المساواة التامة بين النساء والرجال بما في ذلك المساواة في الإرث، نلاحظ أن رئيس الجمهورية اكتفى في خطابه بمناسبة عيد المرأة في 13 أوت بالالتزام بالمساواة في الإرث فقط. وهو ما تمّ لاحقا بعدما أقرت الحكومة في جلسة ترأسها رئيس الجمهورية بنفسه، مشروع القانون المذكور لتعود وتودعه أمام مجلس نواب الشعب بتاريخ 25 نوفمبر 2018 تحت رقم 90/2018. 

وإذ يحظى هذا المشروع بأولوية النظر أمام اللجنة المعنية بذلك (لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية)، فإنه يقبل النقد لجهة الانتقائية المجحفة التي يرشح عنها. ومن الواضح أن هذه الانتقائية لم تتم لأسباب حقوقية بحتة، بل لأسباب سياسية واضحة وانتخابية أيضا. فاختيار المساواة في الإرث مسألة رمزية ذات دلالة واضحة من شأنها إحراج المحافظين والإسلاميين، الذين سيضطرون إلى الإفصاح عن موقفهم الرافض لما يعتبرونه مساسا بثوابت الدّين الإسلامي، على نحو يظهرهم مظهرا محافظا ومعاديا للمساواة، والأهم مظهر من لا يزال يخلط بين الدّعوي والسياسي. ومؤدى ذلك هو إعادة تذكير القاعدة الانتخابية التي صوّتت لرئيس الجمهورية (ولحزبه) في 2014 بوجوب الاتحاد حوله، دفاعا عن الدّولة المدنية العصريّة الحداثية التي تكرس المساواة بين الجنسين.

هذه المنهجيّة السياسية/ الانتخابية تقلّل كثيرا من قيمة ما كانت اقترحته لجنة الحريات الفردية والمساواة حتى فيما يتعلّق بالمساواة ذاتها، حيث أن اللجنة كانت اقترحت مشروع قانون شاملا من شأنه تحقيق مساواة تامة وفعلية بين النساء والرّجال في جميع المجالات. فجاء مشروع الرئيس ليحصرها في جانب واحد من المساواة. وقد تولت العديد من منظمات المجتمع المدني الاعتراض على هذا الموقف الانتقائي على أساس أن الحريات لا تروى بالرّي قطرة قطرة[3].

وقد سعت مجموعة من النواب إلى التخفيف من مفاعيل الموقف الرئاسي من خلال إيداعهم مجلة الحريات الفردية كما هي من دون أي زيادة أو انتقاص، في شكل مقترح قانون أمام مجلس نواب الشعب، بتاريخ 11 أكتوبر 2018[4]. وقد كان لإيداع المقترح على هذا الوجه دلالة هامة، حيث كان الموقعون على المشروع 16 نائبة ونائبا عن كل الكتل باستثناء حزب حركة النهضة. فهل تكون نتيجة هذا الإيداع رمزية محض، أم سيتوفر لهذه المجلة أفق نقاش برلماني في سنة الانتخابات التشريعية والرئاسية؟

 

أي آفاق للحريات الفردية والمساواة في 2019 ؟

من المنتظر أن يتم توظيف مسألتي الحريات الفردية والمساواة في الميراث في الحملات التشريعية والرئاسية بشكل واسع في سنة 2019.

ومن المنتظر بشكل خاص أن تعمل الرئاسة ومن بقي مواليا لتوجهاتها على جعل مسألة المساواة في الإرث محورية في 2019، بهدف التميز بخطاب حداثي يؤمل أن يكون خزانا انتخابيا لفئات عدة، في مقدمتها النساء، وذلك سواء تمت المصادقة على القانون أو لم تتم. وينتظر أن يترافق هذا الخطاب الرئاسي مع خطاب حول الخطر الإسلامي المحافظ الذي تمثله حركة النهضة بدليل رفضها الرسمي لمشروع القانون.

ولكن ماذا بشأن مجلة الحريات والحقوق الفردية؟ هنا، تجدر الإشارة إلى أنها حتى كتابة هذه الأسطر لم تعرض على أي من لجان المجلس، مما يجعل إنهاء مناقشتها ووصولها إلى الجلسة العامة خلال هذه السنة، أمرا متعذرا من الناحية الإجرائية، خاصة وأنها نصّ طويل ومعقد. وعليه، فإن إيداع هذا المشروع أمام المجلس سيبقى وفق تقديرنا مسألة رمزية سياسية يمكن استعمالها جزئيا أثناء الحملة الانتخابية من قبل الأحزاب والقائمات التي يمكن أن تجعل منها نقطة انتخابية لجلب جزء من الناخبين المؤمنين بالحريات الفردية، من النساء والشباب والأشخاص ذوي الجنسانية غير النمطية.

 

أي موضع لمنظمات المجتمع المدني؟

إن الدّور الذي قامت به منظمات المجتمع المدني في السنوات الفارطة وتحديدا في فترة (2016-2018) والذي أدى لمكاسب هامّة على مستوى الحريات الفردية والمساواة، أبرزها إقرار قانون القضاء على العنف ضد المرأة (11 أوت 2017) وإلغاء منشور منع زواج التونسية بغير مسلم (8 سبتمبر 2017) وإقرار قانون مكافحة الإتجار بالأشخاص (3 أوت 2016) وإقرار قانون القضاء على أشكال التمييز العنصري (23 أكتوبر 2018) وتنقيح قانون المخدرات (في 8 ماي 2017) ينتظر أن يتواصل خلال هذه السنة الانتخابية.

ومن أبرز اللاعبين في هذا المجال:

  • التحالف التونسي من أجل المساواة في الإرث[5] والذي ينتظر أن يواصل أعمال الحشد والمناصرة وصياغة ورقات العمل والضغط وخصوصا على النواب، وذلك إعدادا لمناقشة المشروع أمام الجلسة العامة.
  • الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية والذي يتعين عليه أن يعمل على تحديد خارطة النواب المساندين أو المعارضين أو المساندين بتحفظ لمجلة الحريات الفردية، والتواصل المباشر مع كل النواب الذي اقترحوا مشروع القانون ورؤساء كتلهم، فضىلا عن الاتصال بكل الأحزاب السياسية لتظهير موقف كل منها من المجلة ومن تصوّرها لمسار المصادقة عليها. كما يتعين على هذا الائتلاف التنسيق مع النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين حتى تكون مسألة الحريات الفردية حاضرة في كل اللقاءات الإعلامية مع المرشحين والمرشحات للبرلمان والرئاسة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟


 [1]أنظر أيضا، للكاتب، تونس وضعت تقرير مميزا حول الحريات الفردية"، المفكرة القانونية، تونس، 12 جوان 2018 وكذلك للكاتب، "لماذا نغفل عمّا تجمعنا في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة"، المفكرة القانونية، تونس، 20 جويلية 2018، وكذلك للكاتب، "تقرير اللجنة التونسية للحريات الفردية والمساواة أو عندما يصبح المفاهيم معنى"، المفكرة القانونية، تونس، العدد 12 سبتمبر 2018، كل المقالات متوفرة على موقع المفكرة القانونية الرابط: http://legal-agenda.com/makalat.php?type=1

[2]   أنظر موقع النقابة:www.snjt.org

[3] العبارة لرئيس جمعية النساء الديمقراطيات الأستاذة يسرى فراوس، يوم 13 أوت/آب 2018.

  1. المقترح عدد 71/2018 منشور على موقع المجلس: www.arp.tn/site/projet/AR/fiche_proj.jsp?cp=103748

[5] أنظر صفحة التحالف: www.facebook.com/pg/castitionEgaliteHeritage/notes