نقل دستور الجمهورية الثانية القضاء في تصوره المؤسساتي لموقع السلطة المستقلة، بما شكل قطيعة هامة مع تصور سياسي كان سائدا قبل نفاذه، مفاده اعتبار القضاء مجرد مرفق عمومي. واستدعى تنزيل التصور الدستوري الجديد بالتالي إصلاحات تشريعية كبيرة، تهدف إلى بناء مؤسسات قضائية جديدة أو تأهيلها على نحو يكمل رسم ملامح السلطة. وقد شدّد الدستور على أهمية هذا الفعل من خلال تحديد آجال قصوى لإرساء مؤسستين من مؤسسات قضاء السلطة وهما المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية.

بعد تعثر وتأخير، نجحت السلطة السياسية في إرساء المجلس الأعلى للقضاء في منتصف سنة 2017 ولكنها لم تتوصل إلى حدود نهاية الثلاثية الأولى من سنة 2019 لإرساء المحكمة الدستورية. فكان بالتالي فعلها التأسيسي فيما تعلق بإرساء مؤسسات قضائية جديدة من علامات ضعف أدائها، هذا الضعف الذي يستحيل عجزا متى طرح السؤال حول عملها على ملف الإصلاح المؤسساتي للقضاء خلال الدورة النيابية الرابعة ونصف الدورة الخامسة والأخيرة من عمل المجلس النيابي.

ويلحظ في هذا السياق أن السلطة السياسية لم تعهد طيلة سنة 2018، مجلس نواب الشعب بأي مشروع قانون يمكن أن يصنف في خانة مشاريع إصلاح مؤسسات القضاء، مما يعكس تجاهلا لاستحقاقات ضاغطة. مرر خلال ذات السنة البرلمانية بنجاح عدول التنفيذ قانونهم الأساسي الذي كان نائما في رفوف المجلس التشريعي منذ سنة 2014. كما عادت الحياة خلالها وبفعل ضغط المقرضين الأجانب الحياة لمشروع قانون محكمة المحاسبات بعد سبات.

 

مشاريع الإصلاح: الاستحقاق المؤجل

تتعدد ورش الإصلاح القضائي. وتظهر المحكمة الإدارية والنيابة العمومية والتفقدية العامة للشؤون القضائية وإصلاح المحكمة العسكرية من أهم حقولها التي ظلت بورا في سنة 2018.

 

القضاء الإداري: مجلة القضاء الإداري حديث يؤدي للمجهول

أسس الدستور في فصله 116 لقضاء إداري متعدد المحاكم لا مركزي في امتداده الأفقي وفرض إصدار قانون ينظم عمله. فكان أن بادرت رئاسة المحكمة الإدارية منذ سنّه لإعلان تكوين لجنة من قضاتها عهدت لها بإعداد تصور لمجلة القضاء الإداري. وقد تعهدت الرئاسة بعرضه على الحكومة وبالعمل على تبني هذه الأخيرة له ليكون مشروع قانون يتعهد به المجلس النيابي قبل موفى الشهر الثامن من سنة 2018[1] وهو وعد لم يتحقق. فكان أن لعب القضاء هنا ممثلا في رئاسة المحكمة الإدارية دورا في تعطيل إصلاحه.

 

التفقدية العامة للشؤون القضائية: لجان.. مشاورات.. فتعطيل

أوكل القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء للمتفقد العام للشؤون القضائية مهام البحث في الشكايات التي تتعلق بالقضاة. كما أسند إليه صلاحية البت في مآلها سواء بالحفظ أو بإحالة المشتكى به على المجلس الأعلى للقضاء كجهة تأديب. وفرض ذات القانون أن "يضبط القانون صلاحيات التفقدية العامة للشؤون القضائية طرق سيرها"[2]. أعلنت وزارة العدل تفاعلا مع المقتضى التشريعي نهاية سنة 2016 عن تكوين لجنة فنية صلبها عهدت لها بمهمة صياغة نص قانوني ينظم عمل التفقدية العامة للشؤون القضائية في إطار تشاركي. في نهاية الشهر الثاني من سنة 2018[3]، أعلنت الوزارة عن فراغ تلك اللجنة من صياغة تصورات أولية للمشروع وأن وزير العدل تولى عرض تلك التصورات على هياكل القضاة لإبداء الرأي فيها، وعاد عند هذا الحد المشروع للتعطل. ويبدو هذا التعطل على علاقة مباشرة بما برز من مواقف قضائية من المشروع المقترح. ويؤدي تأخير إرساء التفقدية العامة للشؤون القضائية إلى فراغ مؤسساتي على مستوى المحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات، حيث لا يوجد فيها أي هيكل سابق من مهامه تفقد القضاة. كما يؤدي ذات التأخير لأن تواصل التفقدية العامة لوزراة العدل التعهد بتأديب القضاة وفق النص الترتيبي المنظم لعملها والذي بات واضحا اليوم مخالفته للقانون. هذه المخالفة التي دفعت رئيس المجلس الأعلى للقضاء لان يصارح نواب الشعب عند سماعهم له بمناسبة مناقشة موازنة مجلسه لسنة 2018 بحقيقة بطلان كل أعمال التأديب الجارية للقضاة حاليا.

 

النيابة العمومية: إلى أين؟

حسم الفصل 115 من الدستور التونسي ما سبق المصادقة على نصه من جدل حول استقلالية النيابة العمومية عن وزارة العدل بأن نص صراحة على كون "قضاتها يمارسون المهام الموكولة لهم بالقانون وفي إطار السياسة الجزائية للدولة طبق إجراءات يضبطها القانون". ويوجب تفعيل هذا التصور الدستوري تبيان كيفية ضبط مدلول السياسة الجزائية للدولة كتبيان آليات تطبيق جهاز النيابة العمومية لها. ويفترض هنا أن يتدخل المشرع في إطار ضبطه للنظام العام للقضاء العدلي أو في سياق خاص ليصوغ تصورا للنيابة العمومية يحدد صلبه علاقتها بالسلطة السياسية. كما يعيد ضبط هيكلتها بشكل يسمح بأن يكون لها رئاسة موحدة تحدد أهداف عملها وتقييم أداءها.

غاب تماما سنة 2018 والسنوات التي سبقتها كل حديث عن هذا الإصلاح المتأكد رغم كثرة الحديث السياسي عن عمل النيابة العمومية وأهمية الانتقادات الحقوقية التي توجه لها. ويؤدي هذا التقصير إلى تواصل النيابات العامة حتى اليوم عملها دون تنسيق بينها ولا سعي لتطوير أدائها بالنظر لكون النظام القضائي الذي لازال يحكمها يفرض أن تكون لكل محكمة استئناف نيابتها المستقلة عن غيرها. وهو أمر كان من نتائجه مواصلة الجانب الأكبر من العاملين بالادعاء العام الالتزام بمبادئ توارثوها في عملهم تتمثل في الإحالة بالأحوط وممارسة الطعون في مختلف القضايا التي يصدر فيها الحكم بترك السبيل طلبا للإدانة  وهي ممارسات تمس الحريات العامة كما تضر بالحق في المحاكمة العادلة علاوة على إثقالها كاهل المحاكم بنزاعات غير مؤيدة ولا مبررة.

 

المحكمة العسكرية: قيم الدستور المنسية

عرف الدستور المحاكم العسكرية بكونها "محاكم متخصصة في الجرائم العسكرية" وترك للقانون أمر "ضبط اختصاصها وتركيبتها وتنظيم الإجراءات المتبعة أمامها"، بما يلائم تصوره لها، ذاك التصور الذي يخالف واقعها كمحاكم يحدد اختصاصها الحكمي بالاستناد لمعيار شخصي يفرض لها ولاية كاملة على كل المحاكمات الجزائية المتعلقة بجرائم نسب فيها الاتهام لعسكري أو اقترفها مدني في حق عسكري أثناء مباشرة مهامه أو بسببها.

وهنا احتاج المرور إلى مرحلة اعتماد المعيار الموضوعي في تحديد اختصاص تلك المحاكم مرحلة انتقالية تواصل فيها المحاكم العسكرية نظر القضايا وفق الاختصاص المسند لها بالقانون. فكان أن نص الدستور على ذلك من باب إمهال المشرع.

كان يظنّ أن حكم المؤقت الانتقالي لن يطول لكون فلسفة المحاكمة العادلة في دستور الجمهورية الثانية اعترفت للمتقاضي بحق أصلي في الالتجاء لقاضيه الطبيعي وحجرت استحداث محاكم استثنائية تحجب عنه حقه هذا. وهذا يتعارض مع ما منح للمحاكم العسكرية في ظله من صلاحية محاكمة للمدنيين. لم تعهد جهتا المبادرة التشريعية التنفيذية أي الحكومة ورئيس الجمهورية خلال الأربع دورات الأولى من عمل مجلس نواب الشعب بأي مشروع لقانون يصلح القضاء العسكري. كما سجل تواتر لمحاكمة مدنيين أمام المحاكم العسكرية بتهم المس بهيبة الجيش الوطني. وقد دفع هذا التقصير كما التعدي على قيم الدستور نوابا من المعارضة لطرح مبادرة تشريعية هدفها تنقيح مجلة المرافعات والإجراءات العسكرية في اتجاه يكرس التصور الدستوري للمحاكم العسكرية[4]. أشّر المقترح على وعي نيابي بالإشكال الحاصل لكن لا ينتظر فعليا أن يثمر إصلاحا تشريعيا اعتبارا لكون مقترحات القوانين لا تحظى بأولوية نظر بما يؤدي لأن تظل في غالب الأحيان حبيسة رفوف اللجان التشريعية.

 

محكمة المحاسبات: استحقاق معطل .. ضغط خارجي يحركه

تقدمت الحكومة لمجلس نواب الشعب التونسي بتاريخ 16-06-2016 بمشروع القانون الأساسي عدد 38 لسنة 2016 المتعلق بمحكمة المحاسبات والذي كان الهدف منه وكما ورد بشرح أسبابه "الإرتقاء بالنصوص المتعلقة بمحكمة المحاسبات إلى ما جاء بالدستور وتعزيز موقعها كهيئة قضائية وكجهاز أعلى للرقابة يعمل على تحقيق الاستعمال الأمثل والمشروع للأموال العمومية وفقا لمبادئ الشرعية والنجاعة والشفافية والمساءلة والنزاهة". علاوة على "تكريسه في جوانبه المتعلقة بتنظيم محكمة المحاسبات وإجراءاتها القضائية  مبادئ المحاكمة العادلة التي جاء بها الفصل 108 من الدستور وخاصة منها حق التقاضي والدفاع وضمانات التقاضي على درجتين وعلنية التصريح بالحكم".

تعهدت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب بدراسة المشروع لكنها لم تعمل عليه.

ومن دون سابق إنذار، تدخل في منتصف سنة 2018 صندوق النقد الدولي ليذكّر بأن إهمال السلطة السياسية مشروع القانون الذي يرسي محكمة المحاسبات يعني تقصيرا منهم في تحسين حوكمة التصرف في المال العام وأن من شأن هذا التقصير أن يؤدي إلى حجب أقساط القروض عنهم.

حرك تهديد دوائر المال العالمية المجلس النيابي الذي شرع بداية من 18-06-2018 في نظر مشروع القانون. وعليه، أنهت بتاريخ 13-03-2019 لجنة التشريع نظرها فيه وأحالته للجلسة العامة بمجلس نواب الشعب وذلك من دون أن تمس بأي من أحكامه الضامنة لاستقلالية المحكمة، خلافا لما درج عليه عرفها فيما سبق لها من عمل على تشريعات القضاء. كما دفع ذات التهديد المجلس لأن يضمن مشروع القانون الأساسي للميزانية بندا يعتبر محكمة المحاسبات من المهمات الخاصة، بما يعني استقلالية في ميزانيتها عن الحكومة. وهو تنصيص دفع لاحقا الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب عند مصادقتها على المشروع وبفعل ضغط القضاة "لأن تعتبر الهياكل القضائية العدلية والإدارية والمالية التي تنص على الاستقلالية المالية والإدارية من المهام الخاصة".

 

قانون العدول المنفذين: ثمرة جهد

تقدمت وزارة العدل بتاريخ 26-08-2014 للمجلس الوطني التأسيسي الذي كان يباشر حينها المهام التشريعية بمشروع قانون جديد لقطاع العدول المنفذين "يضمن بشكل أفضل تنفيذ الأحكام كما ورد بشرح أسبابه". نومت أدراج لجنة التشريع العام مشروع قانون العدول المنفذين طويلا ولم تعمل عليه إلا بداية من تاريخ 09-03-2017 متى نجحت هياكل العدول في صناعة حلفاء لها داخل المجلس وخارجه فرضوا تغيير المشهد في اتجاه انتهى بالمصادقة على المشروع بتاريخ 16-01-2018.

شجعت تلك الخطوة الإصلاحية الهياكل المهنية كعدول الإشهاد على مطالبة وزارة العدل باستعجال صياغة مشروع قانون أساسي جديد لقطاعهم. هذا المشروع الذي ينتظرون أن يكون منطلقا لتحديث قطاعهم الذي لازال في نظرهم يخضع لقيود فرضها بعض الربط بينه وبين التصور الديني لمهام عدالة الإشهاد. هنا فرضت احتجاجات عدول الإشهاد أن تعاود اللجنة الفنية بوزارة العدل الحوار معهم بشأن تصورات مشروع القانون الذي كانت قد شرعت في العمل عليه سنة 2014. ولكن تلك المعاودة سريعا ما انتهت بعد توضح أن ما يطالبون به من حماية لمجال اختصاصهم سيؤدي لصدام مع هياكل المحامين وغيرهم من الهياكل المهنية التي يشتغل المنتمون لها في مجال التحرير القانوني.

فكان أن بدا عند هذا الحد العمل على إصلاح مؤسسات القضاء في السنة الأخيرة من عهدة السنة النيابية فعلا صعبا يحتاج إلى توافقات وجرأة سياسية تمنع حسابات الاستقرار الحكومي والانتخابات التي كانت على الأبواب من تحريك قطارها المتباطئ بما يفرض التصريح بكون العهدة النيابية الأولى أخلفت لحدّ بعيد ميعاد بناء قضاء الجمهورية الثانية.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

 


[1]  اتحاد القضاة الإداريين: "لجنة إعداد مشروع قانون مجلة القضاء الإداري ضعيفة التمثيلية و تفتقر إلى الشفافية"  28-05-2018 نورة الهدار – المغرب

[2]  الفصلين 58 و59 من القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 مؤِرخ في 28 أفريل 2016 يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء

[3]  التفقدية العامة لوزارة العدل قريبا في هيكلة جديدة – ليدرز – 20-02-2018

[4] مقترح قانون عدد 85 لسنة 2018