تعدّ المحكمة الدستورية من الأعمدة الأساسية للنظام السياسي الديمقراطي الذي يبشر به دستور 2014. وقد دفعت أهميتها واضعيه لأن يلزموا أول مجلس نيابي يعمل في ظله أن ينتهوا من تركيزها بنهاية سنة تحتسب ابتداء من تاريخ التصريح بنتائج الانتخابات، وهي مدة قدروا أنها تتسع بما فيه الكفاية لسن قانون أساسي ينظم عمل تلك المحكمة وليتم اختيار قضاتها. تم إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية بتاريخ 21-11-2014. وإذ تأخر إنجاز بنائها التشريعي حتى تاريخ 03-12-2015 بصدور قانونها الأساسي، فإن مجلس نواب الشعب ما يزال متأخرا عن تعيين أعضائها.

تتكون المحكمة الدستورية حسبما بيّن النص الدستوري من إثني عشر عضوا يتقاسم تعيينهم بالتساوي مجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية. وفَصل قانونها إجراءات الاختيار تلك فأرسى قاعدة التتابع في التعيين والذي يعني ألا تنظر جهة في ملف التعيين المخول لها إلا بعد إتمام الجهة المسبقة عليه، علما أن القانون أعطى المجلس التشريعي الأولية في مسار التعيينات.

فيما تعلق الترشحات لحساب المجلس النيابي، أسند المشرع صلاحية تقديمها للكتل النيابية من جهة ولكل مجموعة من النواب غير منتمية لكتلة يساوي العدد المكون لها العدد الأدنى لتكوين كتلة نيابية (وهو 7) من جهة ثانية. واشترط القانون ألا يصرح بفوز المترشح إلا متى صوت لفائدته ثلثا نواب الشعب. وفيما فرض في صورة الفشل في توصل أربعة من المترشحين لنيل الثقة الواجبة أن تعاد الانتخابات مرتين بذات الشروط، نص على يعقب فتح آجال جديدة للترشحات في صورة الإخفاق في التوصل للنتيجة المرجوة جزئيا أو كليا. وتتم إذ ذاك معاودة ذات المسار الانتخابي بذات شروطه لعدد غير محدد من المحاولات.

احتاجت في هذا الإطار رئاسة المجلس النيابي ولجنته الفنية المتخصصة في الانتخابات سنتين كاملتين لضبط الترشحات لعضوية المحكمة[1]. وكان مرد هذا التباطؤ اللافت ما رافق ذلك العمل البيروقراطي البسيط في ظاهره من خصومات ساخنة بين الأحزاب السياسية موضوعها سعي كل منها لفرض مرور مرشحيه لجولة التصويت.فكان أن انطلقت مرحلة الانتخاب يوم 13-03-2018 بجلسة لم يفلح فيها أي مرشح لنيل الأغلبية اللازمة لفوزه بمقعد في الدستورية. وهنا تبين النواب حاجتهم لتوافق يحقق ما اعتادوا التوصل إليه في لجنة سموها لجنة التوافقات. ساعات قليلة كانت كافية لينتهي عمل اللجنة على اتفاق على أربعة مرشحين يمثلون أهمّ كتل الطيف النيابي بما في ذلك المعارضة. حمل النواب معهم الأسماء المختارة لجلسة اليوم الموالي[2] التي كان يظن أنها جلسة شكلية. إلا أن الأمور ذهبت عكس المتوقع، حيث حصلت مرشحة النداء روضة الورسيغني وحدها على ما يكفي من الأصوات للفوز فيما فشل المتوافق عليهم الآخرون عن ذلك.

كان سبب فشل التنزيل الانتخابي للتوافق استغلال جانب من النواب ما يفرضه القانون من سرية انتخاب للنكول خفية عن تعهد سابق[3]. تبع تلك الجلسة جلسة ثالثة[4] فشل فيها النواب مجددا في انتخاب ما تبقى من حصة تعييناتهم واستفحلت خلالها خلافاتهم فيما تعلق بالأسماء التي سبق أن اتفقوا عليها. ردّت الحكومة الأزمة للنظام الانتخابي غير المرن. واقترحت مخرجا منها وضع مشروع قانون[5] ينقح إجراءات انتخاب قضاة المحكمة الدستوريةمن المجلس التشريعي والمجلس الأعلى للقضاء في اتجاه يحافظ على أغلبية الثلثين في أولى دورات الانتخاب ويعتمد نصاب الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس في الدورة الثانية وأغلبية الحاضرين من النواب في الدورة الثالثة[6].

انتفضت المعارضة[7] وشق واسع من ناشطي المجتمع المدني ضد مشروع التعديل الذي اعتبروا أحكامه مدخلا لفرض وصاية من الأغلبية النيابية على المحكمة الدستورية، تلك المحكمة التي يجب أن ينتخب أعضاؤها توافقيا دون أدنى مقاومة. وبسرعة لافتة، أذعنت الأغلبية النيابية للصوت المعارض وقبلت أن تقبر مشروع القانون -ولو لحين- برفوف المجلس التشريعي لتواصل تكرار محاولات التوافق. ويبدو تسليمها السريع بما طلب منها مستغربا خصوصا في ظلّ ما عرف من سوابق تمسكها بمشاريع قوانينها. كما بدا لافتا أن من دافعوا على التوافق كسبيل وحيد لانتخاب قضاة الدستورية كانوا ممن يجاهرون بمعارضتهم للتوافق كآلية حكم تضرّ بقواعد الممارسة الديمقراطية وللجنة التوافقات التي تديره على مستوى المجلس النيابي. وكانوا يقدّرون أنها لجنة غير قانونية لكونه لم يرد لها ذكر بالنظام الداخلي لمجلس النواب ولكون ما يتم صلبها من صفقات وتنازلات يشكل تعديا على صلاحيات الجلسة العامة ودور النواب الوظيفي[8]. وبعيدا عن تقييمات المواقف عاد المجلس النيابي بتاريخ 24-07-2018 ليدير مجددا لعبة الانتخابات وسط حديث عن توافق على الحفاظ على التوافق القديم رغم قبول ترشحات جديدة.

انتهت الجلسة للفشل كما سابقاتها وكما كل محاولات التوافق التي لحقتها. وعليه، انتهت سنة 2018 دون نجاح في انتخاب المجلس التشريعي لمرشحيه فيما أنذرت جلسته العامة ليوم 06-03-2019 والتي انتهت لفشل جديد في ذات المسعى بإمكانية نهاية العهدة النيابية دون أن يتم إرساء المحكمة الدستورية.

يبدو عند هذا الحد الفشل في إرساء المحكمة الدستورية فشلا في تصورات تشريعية لم يجتهد من صاغها في البحث عن تصورات يمكنها أن تحقق هدفه الديموقراطي المتمثل في ضمان نصيب للمعارضة النيابية من ترشيحات قضاة المحكمة الدستورية. لقد ظن من صاغوا قانون المحكمة الدستورية أن سبيل تلك التمثيلية منح الأقلية صلاحية التعطيل فكان أن فرضوا على الجميع استجداء توافق صعب كما دفعوهم للقبول بلعبة الكواليس تلك اللعبة التي ضيعت المبادئ من دون أن توفر الحلّ.

نقدر هنا وبعدما بات الفشل في الانتخاب مزمنا، أن الحاجة باتت ملحة لأن نعيد طرح السؤال حول الآليات الممكنة لتحقيق الهدف بوسائل ديمقراطية، تلك الوسائل التي قد يكون أحدها تغيير قواعد الانتخاب بشكل يؤدي لأن يصوت النائب، ليس لجميع المرشحين، إنما لمرشح وحيد أو إثنين، على أن يفوز المرشحون الأربعة الحائزون على أكثرية الأصوات، بما يمكّن الأقلية البرلمانية من التأثير على النتيجة من دون الحاجة للاستعانة بأكثرية الثلثين المعطلة. كما قد يكون غيرها من الحلول التي يمكن الوصول إليها متى فكرنا خارج نسق التصور السائد.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

 


[1]   يراجع في خصوص  تعثر هذا المسار والمراحل التي مر بها – تقرير اللجنة الانتخابية حول  ترشيحات الكتل النيابية لعضوية المحكمة الدستورية – الدورة النيابية الرابعة 2017-2018  - مؤرخ في 15-11-2017  - منشور بموقع مجلس نواب الشعب -

[2]  الأربعة المتوافق في شأنهم هم: روضة ورسيغني مرشحة عن كتلة نداء تونس، سناء بن عاشور مرشحة عن كتلة  الحرة لمشروع تونس وكتلة الجبهة الشعبية والكتلة الوطنية، عياشي الهمامي مرشح كتلة الجبهة الشعبية والكتلة الديموقراطية.والاتحاد الوطني الحر وعبد اللطيف البوعزايزي مترشح من غير المختصين في القانون عن كتلة النهضة ..

[3]  انتخاب روضة ورسيغني عضوة بالمحكمة الدستورية الالتجاء لجولة ثالثة لانتخاب ثلاثة آخرين. الصباح نيوز – 14-03-2018

[4]  بتاريخ 21-03-2018

[5]  صادق مجلس الوزراء التونسي برئاسة رئيس الجمهورية على هذا المشروع بتاريخ 09-05-2018

[6]    الصيغة المقترحة لتنقيح يشمل الفصلين 11 و 12 من قانون المحكمة الدستورية "فإن لم يحرز العدد الكافي من المرشحين الأغلبية المطلوبة، يتمّ المرور إلى دورة ثانية يتمّ فيها انتخاب بقيّة الأعضاء بالاقتراع السرّي بالأغلبية المطلقة. وفي حالة عدم اكتمال العدد المستوجب من الأعضاء، يتمّ تدارك النّقص في دورة ثالثة بالمرشّحين المحرزين على أكبر عدد من الأصوات، مع مراعاة الاختصاص في القانون من عدمه. "

  1.   ورد في بيان صدر عن الحزب الجمهوري بتاريخ 09-05-2018 " وما ترتب عنه من إخضاع أعضاء المحكمة لإرادة الأغلبية الحاكمة بدل التوافق العريض عند اختيارهم ضمانا لاستقلاليتهم في أداء دورهم المحوري في مراقبة دستورية القوانين وضمان علوية الدستور وأحكامه وتغيير الأغلبية الموصوفة من الثلثين (145 صوتا) إلى الأغلبية المطلقة (109 أصوات) لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية من قبل مجلس نواب الشعب. وعبر الحزب عن رفضه اللجوء إلى تغيير قانون اللعبة أثناء سير العملية الانتخابية داعيا النواب الديمقراطيين والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني للتنسيق والتعبئة للوقوف في وجه ما اعتبره انحرافا خطيرا والدفاع عن إستقلالية المحكمة الدستورية التي ظلت لعقود حلما يراود التونسيين باعتبارها الركن الأساسي لدولة القانون والمؤسسات".

 

[8]  في موقف صدر عنها بتاريخ 09-11-2018 اعتبرت جمعية البوصلة وهي أهم الجمعيات المهتمة بمراقبة عمل مجلس نواب الشعب "أن تكرر لجوء مجلس نواب الشعب إلى لجنة التوافقات يعد خرقا للدستور و للنظام الداخلي للبرلمان... وتعسّفا على وظيفة هياكل السلطة التشريعية الوحيدة المسؤولة على سير العمل التشريعي".