يضطلع مجلس النواب في تونس حسب أحكام دستور 2014 دورا محوريا في وضع القوانين وتركيز المؤسسات الضامنة لتحقيق انتقال ديمقراطي سلس وسليم. فللمجلس دور مهم في تأسيس حياة سياسية ديمقراطية وذلك من خلال دوره التشريعي وذلك سواء فيما يتعلق بوضع النظام القانوني للمؤسسات الدستورية أو فيما يتعلق بالتشريع في مواد تتعلق بالحقوق والحريات. كما للمجلس دور انتخابي مهم يمكنه من تركيز عدد من المؤسسات الدستورية والتي من دونها لا يمكن أن يكون النظام السياسي متوازنا.

وقد قام المجلس خلال سنة 2018 بالتصويت على 58 مشروع قانون، تمت المصادقة على 56 منها بينما لم تتحصل بقيتها على الأغلبية المطلوبة للمصادقة عليها.

وبالتدقيق في القوانين التي صادق عليها مجلس النواب خلال سنة 2018، نجد أنه قد تمت المصادقة على 16 قانونا أساسيا مقابل 40 قانونا عاديا، منها 31 قانونا يهتم بالمصادقة على اتفاقيات دولية. كما اتسم التشريع خلال سنة 2018 بطفرة القوانين ذات الطابع الاقتصادي والمالي والتي يتعلق أغلبها بالموافقة على اتفاقيات دولية لمنح قروض ومساعدات مالية والتي بلغت 19 قانونا ومنها كذلك قوانين المالية أو القوانين ذات الصبغة الجبائية وقد بلغت 8 قوانين. وإن دلّ هذا العدد الكبير من القوانين ذات الطابع الاقتصادي على شيء، فإنه يدلّ على عمق المشاكل الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد منذ فترة.

ننشر هنا الحلقة الثانية من تقريرنا عن تشريعات سنة 2018، والتي نتولى فيها عرض القوانين الصادرة في هذه السنة والتي تدخل في إحدى الفئات الآتية: (6) الخدمات العامة والتنمية، و(7) أوضاع الموظفين العموميين، و(8) المالية، و(9) الضرائب والأملاك العمومية، و(10) تنظيم الحياة المدنية والوئام الاجتماعي و(11) السلط المحلية واللامركزية.

 

1- الخدمات العامة والتنمية:

من أجل دعم قطاع الخدمات ودفع عجلة التنمية، صدر عدد من القوانين تتعلق في تشجيع النشاطات الاقتصادية، علما أن غالبها اتصل بالموافقة على اتفاقيات قروض أو هبات أو تعاون مع دول أخرى. ومن أبرز هذه القوانين، الآتية:

 

  • القانون عدد 20 لسنة 2018 المؤرخ في 17 أفريل 2018 المتعلق بالمؤسسات الناشئة أي (Startup)

يهدف هذا القانون إلى تمكين هذا الصنف من المؤسسات من عديد التشجيعات سواء من ناحية إنشائها. إذ يمكن القانون العون العمومي أو العون بالقطاع الخاص الحصول على عطلة بهدف بعث مؤسسة ناشئة أو سواء من ناحية تغيير صبغة المؤسسات الموجودة إلى هذا الصنف وكذلك بتمكينها من عديد الامتيازات الجبائية منها (الفصل 13 و14) أو الإجرائية كأن تتكفل وزارة الاقتصاد الرقمي بإجراءات التسجيل وإجراءات الملكية الفكرية وغيرها (الفصل 12).

كما يحدث القانون لجنة لإسناد علامة المؤسسة الناشئة صلب وزارة الاقتصاد الرقمي وهو ما يمكن أن يتنافى من جهة وعقلية الوزارة التي يجب أن تحاول اللجوء تدريجيا إلى أساليب أكثر عصرية في التصرف في الملفات ومن جهة أخرى مع التوجه المنشود من خلال هذا القانون الذي يهدف إلى تشجيع الاستثمار الخاص وعدم التعويل على القطاع العمومي في التشغيل. ولذلك فإن إرساء هذه اللجنة لا يجب أن يؤدي إلى انتداب أعوان جدد صلب الوزارة بل يجب الاكتفاء بالأعوان الموجودين بالوزارة لتسييرها.

 

  • اتفاقية لتشجيع مشاريع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

كما صادق المجلس بخصوص المؤسسات الاقتصادية على القانون عدد 8 لسنة 2018 المؤرخ في 12 فيفري 2018 المتعلق بالموافقة على عقد الضمان عند أول طلب مبرم بتاريخ 8 نوفمبر 2017 بين الجمهورية التونسية والبنك الأوروبي للاستثمار والمتعلق بخط التمويل المسند لفائدة بنك الإسكان لتمويل مشاريع المؤسسات الصغيرة جدا والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والمؤسسات ذات الحجم البيني. ويهدف هذا القانون إلى دعم دور المؤسسات الإقتصادية في تنمية الاقتصاد الوطني وتطوير مردوديتها والنهوض بالتشغيل وتطوير الصادرات والنفاذ إلى الأسواق الخارجية وإلى تمكين هذه المؤسسات من النفاذ إلى التمويلات الضرورية للقيام باستثماراتها على الوجه الأكمل. ويغطي خط التمويل المسند في إطار هذا القرض نشاط عدة قطاعات صناعية وخدماتية من بينها خاصة التكنولوجيات الحديثة والصحة وصناعة الأدوية والتعليم والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية.

 

  • مشروع الإدماج الاقتصادي للشباب:

تمت أيضا المصادقة بمقتضى القانـون عدد 15 لسنة 2018 على اتفاق القرض المبرم بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير لتمويل مشروع الإدماج الاقتصادي للشباب (مبادرون) الذي يهدف حسب تقرير لجنة المالية والتخطيط والتنمية إلى تقديم حزمة من الخدمات المصممة خصيصا لطالبي الشغل من الفئات الهشة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة وكذلك خدمات موجهة للمؤسسات الصغرى والصغيرة والمتوسطة لتطوير سلاسل القيمة ذات القدرة التشغيلية العالية.

 

  • قوانين متصلة بتحسين الخدمات العامة المتصلة بالمياه

كما صادق المجلس كذلك على مجموعة من القوانين المتعلقة بالتصرف في المياه وهي:

ولئن جاءت هذه القوانين لتحسين الموارد المائية للدولة ووضع نظام دائم يضمنها، إلا أن أغلبها تؤسس لنفس المقاربة المعتمدة منذ فترة طويلة والتي أدت إلى جعل تونس بلدا تتجاوز حاجته للمياه موارده المتعلقة بها. إذ يتناول عدد كبير من هذه القوانين آليات كحفر الآبار التي تستنفذ بشكل كبير الموارد المائية الباطنية للأرض وكذلك إنشاء سدود أخرى. وهو ما يجعلنا نتساءل عن إرادة النواب بتحديث الآليات التي تمكّن من دعم الموارد المائية للدولة دون استنزاف الموارد الباطنية ودون التكثيف من التلوث الذي يمكن أن تسببه السدود.

 

  • قوانين أخرى:

كما تمت المصادقة على بعض الاتفاقيات بهدف تطوير الطرقات وهي القانون عدد 16 المتصل بتمويل مشروع الطريق السيارة "تونس جمة" والقانون عدد 22 المتصل بتمويل مشروع الطريق السيارة الوسط.

كما تمت كذلك المصادقة على مجموعة من القوانين المتعلقة بالحصول على قروض وهبات لإنجاز عدد من المستشفيات وتحديدا "مستشفيين صنف "ب" بمدينتي الجم وسبيبة"(القانون رقم 18) وبناء وتجهيز أربعة مستشفيات جهوية من الصنف "ب" (القانون رقم 19).

كما يشار إلى القانون عدد 17 للمساهمة في تمويل مشروع "السكن الاجتماعي"(المرحلة الثانية)"، والقانون عدد 28 لتمويل برنامج دفع الاستثمار وتعصير المستغلات الفلاحية.

 

2- أوضاع الموظفين العموميين

قام المجلس بالمصادقة على جملة من القوانين من أبرزها الآتية:

  • القانون عدد 5 لسنة 2018 المؤرخ في 23 جانفي 2018 المتعلق بالمغادرة الاختيارية للأعوان العموميين، والذي صادقت عليه الجلسة العامة في 10 جانفي 2018.

يتعلق هذا القانون بتمكين الأعوان العموميين بطلب منهم من المغادرة الاختيارية للقطاع العام مقابل الحصول على منحة تساعده على بعث مشروع في القطاع الخاص. ويهدف هذا المشروع بالأساس من جهة إلى التقليص من عدد الأعوان العموميين إذ تمثل النفقات المتعلقة بهم كاهلا على ميزانية الدولة ومن جهة أخرى إلى التشجيع على الاستثمار، إذ أن أغلب الأعوان العموميين قد اكتسبوا خلال مسيرتهم قدرة معرفية تمكنهم من إدارة مشاريع خاصة وإنجاحها. وقد أعطى القانون عديد الامتيازات الأخرى للأعوان الذين يرغبون في المغادرة من بينها التمتع بالتغطية الصحية خلال السنة الموالية للمغادرة (الفصل 6).

  • القانون عدد 38 لسنة 2018 المؤرخ في 19 جوان 2018 المتعلق بإحداث تعاونية أعوان وزارة العدل والمؤسسات العمومية الخاضعة لإشرافها من غير القضاة وأسلاك قوات الأمن الداخلي.

ويهدف هذا القانون إلى إحداث جمعية تعاونية تتولى حسب الفصل الرابع منه "القيام بكل عمل احتياطي تكميلي، على أساس التعاون والتضامن، لفائدة منخرطيها المباشرين والمتقاعدين وأزواجهم وأراملهم وأصولهم الذين هم في كفالتهم وأبنائهم الذين تجب عليهم نفقتهم غير المنخرطين في نظام مماثل. كما تتولى القيام بكل عمل يرمي إلى النهوض بالجوانب الاجتماعية والثقافية لمنخرطيها". ويهدف هذا القانون المحدث للجمعيات التعاونية إلى تمتيع الموظفين المعنيين وعائلاتهم بعديد الحقوق المادية وتنظيم الانتفاع بها ويجعل الوزارة المعنية مكلفة باقتطاع معاليم الانخراط بها وتحويلها.

يأتي هذا القانون ليتوج نضالا نقابيا هاما لموظفي العدلية كانوا هم دون سواهم من دون تعاونية. يذكر أن للقضاة ولأعوان السجون مع قوات الأمن وكذلك لغالبية الموظفين العاملين في وزارات أخرى تعاونيات خاصة بهم.

لكن بالمقابل، لا يجب إغفال أن مثل هذه القوانين وإن كانت في جانب منها مهمة لضمان ودعم بعض الحقوق للموظفين وعائلاتهم، فإنها أيضا تتسبب في إرساء أعباء جديدة على عاتق الدولة خاصة لكونها شركات تخضع لإشراف وزير العدل (حسب الفصل الأول من القانون) إضافة إلى كون نظامها القانوني نظاما قديما جدا يعود إلى فترة ما قبل الاستقلال (الأمر العلي المؤرخ في 18 فيفري 1954 المتعلق بالجمعيات التعاونية) وهو ما يخلق عديد المشاكل العملية التي تزيد على حجم المشاكل التي تعاني منها الهياكل التابعة للدولة. هذا فضلا عن إن من شأن إنشاء تعاونيات مماثلة أن يولد تمييزا بين موظفي القطاع العام.

 

3- المالية:

تمّت خلال سنة 2018 المصادقة على ستة مشاريع قوانين ذات صبغة مالية أمام مجلس نواب الشعب.

 

  • قانون المالية لسنة 2019:

من أبرز هذه المشاريع، مشروع قانون المالية لسنة 2019 والذي أثار جدلا واسعا خاصة خارج المجلس. فقد تضمّن مشروع القانون عديد الأحكام التي تضرب بعديد المبادئ الدستورية عرض الحائط.

ومن بين هذه الأحكام، نذكر أساسا مسألة رفع السر المهني أي أن يتم السماح لمصالح الجباية بطلب المعلومات المتعلقة بالخدمات تخضع للسر المهني. وهو ما أثار غضب المحامين لكونهم أكثر فئة معنية بهذا الأمر. وقد تم الطعن في مشروع قانون المالية أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين التي أقرت عدم دستورية هذا الحكم، على خلفية أنه لا يمكن رفع السر المهني لما سيؤديه من صعوبات في التطبيق من شأنها المساس بمبدأ الأمان القانوني وإلى النيل من الحق في المحافظة على السرّ المهني والضمانات المكفولة بالفصلين 24 و49 من الدستور.

ويجدر التذكير بأنه غالبا ما تطرح مشاريع قوانين المالية مشكلا إجتماعيا عند إعدادها. فكما هو الشأن بالنسبة لمشروع قانون المالية لسنة 2019، كان الأمر عند إعداد قانون المالية لسنة 2018 والذي تكونت على أساسه حملة "فاش نستناو" وكذلك بالنسبة لمشروع قانون المالية لسنة 2017 الذي أسس لقواعد ضريبية جديدة على المهن الحرة، فكان مناسبة لحراكات واسعة.

 

  •  ماذا عن قوانين غلق الميزانية ؟

فضلا عن ذلك، تمت المصادقة على 4 قوانين بغلق ميزانية الدولة لسنوات 2013، 2014، 2015 و2016. وتعتبر المصادقة على مشاريع قوانين غلق الميزانية بعد مرور وقت طويل أمرا يمكن أن يمس من شفافية المعاملات المالية للدولة والتي نص الدستور بخصوصها على "حسن التصرف في المال العام"، كما يمس ب"مبدأ المصداقية" La sincérité budgétaireالذي يفرض على الدولة أن تحسن تقدير الموازنة وهو شيء لا يمكن أن يتم سوى من خلال تقييم الموازنات السابقة خاصة من خلال قوانين غلق الميزانية. فكيف يعقل أن يتم إقرار هذه القوانين بعد سنوات من إقرار مالية السنوات 2015 حتى 2018؟ وكيف يعقل أيضا أن يتم إقرار قانون مالية 2019 من دون أن يتم إقرار قانون غلق موازنة 2017 قبل ذلك؟

فضلا عن ذلك، طرح عدد من مشاريع هذه القوانين عديد الإشكالات سواء صلب المجلس أو خارجه، وبخاصة بما يتصل بمشروع القانون بغلق الميزانية لسنة 2013، بما يتصل بتحويل مبلغ 1000 مليون دينار من الرصيد المتبقي لدى البنك المركزي التونسي بعنوان التفويت في قسط من رأس مال شركة اتصالات تونس لفائدة ميزانية الدولة، حسبما أشارت إليه منظمة البوصلة.

كما تمت المصادقة أيضا على قانون مالية تكميلي لسنة 2018. 

 

  • الضرائب والأملاك العامة

في هذا المضمار، صادق المجلس على القانون عدد 37 لسنة 2018 المؤرخ في 6 جوان 2018 المتعلق بتنقيح بعض أحكام مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات الذي قام بتنقيح الفصل 48 منها. وينص هذا التنقيح على ضبط بعض الشروط اللازمة لتمكين المؤسسات البنكية من شطب الديون غير القابلة للاستخلاص والتي تم في شأنها تكوين المدخرات اللازمة من موازنتها.

ويهدف هذا القانون بالأساس إلى تجاوز الهنات التي طرأت على النظام القانوني المتعلق بالجباية على البنوك إذ حسب تقرير لجنة المالية والتخطيط والتنمية لم ينص الفصل 48 من مجلة الضريبة لم ينص صراحة على طبيعة الحكمة المستوجب لشطب الديون البنكية غير القابلة للاستخلاص وهو ما يستوجب توضيح هذا الأمر عبر جعل شروط شطب الديون البنكية أكثر مرونة، بما يساعد البنوك على تطهير موازنتها.

 

4- تنظيم الحياة المدنية والوئام الاجتماعي:

في هذا الإطار، تم وضع عدد من القوانين ذات الطابع التنظيمي، أبرزها الآتية:

  • القانون عدد 52 لسنة 2018 المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات والذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في تونس بجلسته العامة المنعقدة في 27 جويلية 2018. يهدف هذا القانون في الفصل الأول منه "إلى تدعيم شفافية المعاملات الاقتصادية والمالية عبر تجميع المعلومات والبيانات والوثائق الخاصة بالأشخاص الطبيعيين والمعنويين والترتيبات القانونية الناشطين في المجال الاقتصادي وبالجمعيات لحفظها ووضعها على ذمة العموم وهياكل الدولة المعنية بتلك المعلومات".

وعلى إثر تقديم مشروع هذا القانون، أبدت عدد من منظمات المجتمع المدني في تونس اعتراضاتها عليها لما اعتبرته مسّا لحرية نشاط الجمعيات، نظرا للرقابة المفرطة التي يؤسسها والتي يترتب عنها حجم كبير من الالتزامات على عاتق مسيري الجمعيات ويجعلهم مهددين في صورة عدم الامتثال لها بعقوبات مالية مشددّة.إلا أن عديد النواب صلب اللجنة التشريعية أصروا على إضافة الجمعيات إلى المؤسسات التي ينطبق عليها هذا القانون على أساس أنها "أصبحت فاعلا أساسيا في الدورة الاقتصادية في إطار الاقتصاد الاجتماعي التضامني بما يتوجب توفير كل مقومات الشفافية لا سيّما في المعاملات المالية ووجوب توفر كل المعطيات المتعلقة بتركيبتها وأنشطتها وتمويلها".

وقد جاء في وثيقة شرح الأسباب أن الجمعيات التي يهدف المشرع إلى إقحامها صلب هذا القانون هي أساسا الجمعيات الناشطة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتى لم يضع لها المشرع نظاما قانونيا بعد والجمعيات المختصة في التمويل الصغير والتي خصّها المشرّع بنظام قانوني خاص دون غيرها. فتضمين الجمعيات باختلاف أصنافها ضمن هذا القانون تحت غطاء تأسيس رقابة على صنف أو صنفين منها هو تغيير غير مبرر للوضعية القانونية للجمعيات وإخضاعها لنظام قانوني لا يخصّها ولا يعنيها نظرا لكونها لا تهدف إلى تحقيق الربح المادي.

وفيما قدم عدد من النواب طعنا في عدم دستورية مشروع هذا القانون مثيرين عديد النقاط الدستورية والإجرائية، إلا أن الهيئة لم تقتنع سوى بمخالفة مشروع القانون لضرورة حماية المعطيات الشخصية للأفراد مما استوجب ردّه للمجلس. وعلى هذا الأساس أعاد المجلس النظر في النقطة التي تم ردّها وقام بإعادة النقاش فيها وتحويلها باتجاه أقرت الهيئة بدستوريته.

كما تمت المصادقة أيضا على قانونين متعلقين بتنظيم بعض المهن الخاصة وهما:

  •  القانون الأساسي عدد 9 يتعلق بتنظيم مهنة العدول المنفذين:

لا يتطرق هذا القانون إلى مهام العدول المنفذين والتي توجد بعديد النصوص القانونية الأخرى بقدر ما يتجه نحو تنظيم مهنتهم تعويضا عن القانون الملغى بموجبه والذي يعود لسنة 1995. وقد تم إيداع مشروع هذا القانون منذ سنة 2014 ولم يتم التطرّق إليه إلا خلال هذه السنة. وقد أسس هذا القانون إلى تركيز نظام للتكوين المستمر لعدول التنفيذ حتى يتمكنوا من مواكبة التطورات القانونية إضافة إلى إرسائه لنظام رقابة على الدفاتر. كما أعطى هذا القانون أيضا سلطة للعدول المنفذين في طلب المساعدة الفورية للقوة العامة عند منعه من القيام بمهامه وأرسى كذلك تنظيما لهياكل المهنة. 

  • وكذلك القانـون عدد 43 والمتعلق بإتمام القانون المتعلق بممارسة مهنتي الطب وطب الأسنان وتنظيمهما. ويضيف هذا القانون الأخير فصلا وحيدا يهدف إلى إتمام القانون عدد 21 لسنة 1991 المؤرخ في 13 مارس 1991 المتعلق بممارسة مهنتي الطب وطب الأسنان وتنظيمهما وذلك بالتنصيص على إمكانية ممارسة الطبيب أو طبيب الأسنان لمهنته في إطار الطب عن بعد في إطار السعي إلى تعميم تغطية كافة الجهات بطب الاختصاص بالخدمات الصحية. ومؤدى هذا القانون هو تاليا فتح مجال استخدام تكنولوجيات المعلومات والاتصال في الممارسة الطبية.

 

5- السلط المحلية واللامركزية:

صدر في 9 ماي 2018 القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018 المتعلّق بمجلة الجماعات المحلية. هذا القانون الذي كان يجدر وضعه تنزيلا للدستور منذ السنوات الأولى لوضع الدستور تأخر حتى سنة 2018 وتم وضعه تحت ضغط استحقاق الانتخابات النيابية. وقد تضمن نص المجلة 400 فصلا تم تبويبها ضمن كتابين: كتاب أول يتعلق بالأحكام المشتركة بين جميع الجماعات المحلية وكتاب ثان يتعلق بالأحكام الخصوصية لكل صنف من أصناف الجماعات المحلية (أقاليم، جهات وبلديات). إذ أعطت المجلة للجماعات عديد الصلاحيات منها الذاتية أي التي تمارسها الجماعة بذاتها ومنها المشتركة أي التي تمارسها بالتنسيق والتعاون مع السلط المركزية ومنها المنقولة أي التي تنقلها لها السلط المركزية (الفصل 13). كما أسست كذلك إلى مبادئ وإجراءات تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية والحوكمة المفتوحة والتي تحدد كيفية مشاركة المواطنين خاصة في إعداد مشاريع التنمية والتهيئة الترابية وإبداء آرائهم بخصوص العمل البلدي وكذلك إمكانية إجراء استفتاء على المستوى المحلي (القسم الخامس من الباب الأول). كما وضحّت كذاك صلاحيات الجماعات في علاقة بالعقارات الموجودة فوق إقليمها وكيفية تصرّفها في الممتلكات وتسيير المرافق العمومية الراجعة لها (الباب الثاني).

لكن المجلة وإن أكدت على مبدأ التدبير الحر صلب الفصل 4 منها إلا أنها جعلت المجالس البلدية في رقابة دائمة من قبل السلط المركزية. بل إن عديد الصلاحيات لا يمكن للجماعات المحلية ممارستها من دون الرجوع إليها. إذ يمكن للوالي الاعتراض على عديد الأعمال التي تقوم بها الجماعات المحلية مثلما هو الحال بالنسبة للصفقات مثلا (الفصل 163) أو الميزانية (الفصل 175). كما لا يمكن للجماعات المحلية التصرف بحرية في عديد المصالح فوق إقليمها مثلما هو الحال بالنسبة للشريط الساحلي الذي يخضع التصرّف فيه موافقة وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي التي تشرف عليها وزارة الشؤون المحلية البيئة.

رغم العديد من نقاط الاختلاف، لم يتم رفع طعن بعدم دستورية القانون سوى من قبل نائبة واحدة مما أدى إلى رفضه شكلا. وتجدر الإشارة إلى أن عديد النواب قد أثاروا شبهات بعدم دستورية مشروع مجلة الجماعات المحلية عند النظر فيه. نذكر من بينها الصلاحيات الواسعة التي تم إعطاؤها للوالي في رقابته على أعمال الجماعات المحلية والتي يمكن أن تصل إلى توقيف المصادقة على ميزانية الجماعة المحلية، ممّا يمكن كذلك أن يؤدي حلّ مجلسها (الفصل 170). وكذلك الدور الكبير الذي يقوم به كاتب عام الجماعة المحلية الذي هو تابع للإدارة المركزية ممّا يقلّص من تفعيل مبدأ التدبير الحر.

وقد تضمّنت مجلة الجماعات المحلية تنزيلا لمختلف مستويات اللامركزية التي نصّ عليها الدستور (بلديات، جهات، وأقاليم) إلا أنه لم يتم خلال سنة 2018 سوى تنظيم انتخابات بلدية في شهر ماي تم على أساسها تركيز المجالس البلدية دون أن يتم تنظيم انتخابات جهوية تمكّن من استكمال تركيز جميع مستويات اللامركزية.

كما أن مجلة الجماعات المحلية قد أسست لضرورة سن قرابة 38 أمرا حكوميا لتفعيل عديد الأحكام المالية والتنظيمية لعمل المجالس البلدية وهو ما لم يتم إلى حدود موفى شهر فيفري 2019 حيث لم يتم إصدار سوى 4 أوامر حكومية فقط. ويجدر التذكير بأن المجلة قد نصت في الفصل 385 منها على ضرورة أن تصدر كل هذه الأوامر قبل يوم 15 فيفري 2019. 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟