في إطار عملها على توثيق الحياة القانونية في تونس، تخصص "المفكرة" جزءا هاما من عملها  لرصد وتوثيق الحراكات الحقوقية في تونس. ولهذا الرصد، الذي عملنا عليه للمرة الأولى في سنة 2017، أهداف عدة.

أولا، أنه يشكل شرطا للإحاطة بالحياة القانونية في تونس، بحيث لا تقتصر هذه الحياة على ما تنتجه السلطات والمؤسسات العامة، إنما تشمل أيضا الحراكات والمطالب الاجتماعية، ومنها ما تعبر عنه المنظمات الحقوقية. والرصد يضمن من هذه الناحية قياس درجة الوعي أو الاهتمام الاجتماعي بحق معين في فترة معينة،

ثانيا، أنه يسمح بمقارنة الأولويات التي تعبّر عنها الحراكات الاجتماعية بأولويات السلطات والمؤسسات العامة. فهل تتشابه هذه الأولويات أم أنها تتباين فيما بينها؟ وفي حال التباين، أي دروس يمكن إذ ذاك أن نستنتجها على صعيد الحياة الديمقراطية ككل، وبخاصة على صعيد التشاركية وصحة التمثيل الانتخابي؟ 

ثالثا، أنه يسمح بمقارنة أولويات هذه المرحلة بمراحل أخرى من تاريخ تونس، أو أيضا بأولويات مجتمعات أخرى وبخاصة في المنطقة التي نعيش فيها.

وقبل المضي في عرض نتائج هذه التحقيقات، نشير إلى أنَّ هذا التقرير غير نهائي وستعمل "المفكرة" على استكماله وجعله أكثر شمولية للعمل والحراك الحقوقي في تونس على ضوء المعلومات التي قد نحصل عليها لاحقا أو الملاحظات التي قد نتلقاها من الأشخاص المعنيين.

 

منهجية صياغة التقرير

تتميز الحراكات الاجتماعية، ليس فقط في عناوينها والمطالب التي ترشح عنها وما تعكسه من أولويات، ولكن أيضا بالوسائل المستخدمة وبمدى نجاحها في تحقيق أهدافها. ومن هنا، ارتأينا أن نقسم هذا التقرير إلى ثلاثة أجزاء. يتناول الجزء الأول عناوين الحراك الحقوقي فيما يتناول الجزء الثاني الوسائل التى استخدمتها الجمعيات والمنظمات الحقوقية في حراكها. أما الجزء الأخير من التقرير ، فهو يتضمن النتائج التي وصلت إليها هذه الحراكات.

ولإنجاز هذا العمل، اعتمدنا منهجية مركبة، تقوم على الأمور الآتية:

  • متابعة الحراكات الحاصلة خلال العام، وهي تشمل جلّ ما تمت الدعوة إليه من اعتصامات واجتماعات عامة،
  • البيانات والوثائق التي نشرتها المنظمات الحقوقية،
  • مقابلات مع عدد كبير من الناشطين الأكثر حضورا في هذه الحراكات. وقد شملت هذه اللقاءات الأشخاص الآتية أسماؤهم: أ. أمين غالي، رئيس مركز الكواكبي للتحول الديمقراطي، د. وحيد فرشيشي، رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية (عدلي)، أة. سلوى كنو، رئيسة جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية، أة. يسرى فراوس، رئيسة جمعية النساء الديمقراطيات، أ. جابر واجه، منسق الإئتلاف من أجل الحريات الفردية في منظمة الشبكة الأورو-متوسطية، أ. محمد منصور، رئيس جمعية إبصار لتثقيف الأشخاص ذوي الإعاقة، أ. كريم سيالة، مدير برامج في شبكة مراقبون، أ. على بوسالم، جمعية موجودين، أ. حسين بوشيبة، منسق حملة ملفي أيش صار فيه يا هيئة، أ. شهاب الدين تليش، الناطق الرسمي بإسم التنسيقية الوطنية للقرآن الكريم والدستور والتنمية العادلة، أ. عبدالرحيم الخليفي، أمين مال وعضو الهيئة الوطنية للجمعية التونسية لأئمة المساجد، أ. يسري مزاتي، رئيسة المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق ذوي وذوات الإعاقة. كما نشكر شباب حملة فيشو نستناو، التى إنطلقت معارضةً على قانون المالية لسنة 2018، على مشاركتنا آرائهم.

 

عند استعراض الحراكات الحاصلة في 2018، أمكن تصنيف سبعة حراكات ضمن خانة الحراكات الحاصلة بشأن حقوق اقتصادية واجتماعية. هذه الحراكات هي الآتية: #فيش_نستناو؟ و"الحرقة والإضراب العام للإتحاد العام التونسي للشغل فضلا عن حراكات قطاعية عدة، أبرزها حراك الصحافيين في إثر وفاة أحدهم فيما سمي آنذاك "بوعزيزي الصحافة" وحراك المتقاعدين فضلا عن حراكي المعلمين النواب وعمال الحضائر.

 

الحراكات الحقوقية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

#فيش_نستناو؟

على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أبرز الحراكات الحاصلة تمثلت في حملة "فيش نستناو" (وهي عبارة باللهجة المحلية التونسية تعني: ماذا ننتظر؟) والتى حظيت بتغطية إعلامية محلية ودولية وكانت محط تركيز في الخطاب السياسي والحقوقي في تونس. جاءت هذه الحملة نتيجة ردود أفعال معنيين ومسؤولين على ميزانية عام 2018 أدت إلى توحيد وعي شعبي وإحساس عام بالوضع الإقتصادي والإجتماعي أخذ يستفحل في السنوات الأخيرة في تونس وكان قد تبلور على شكل تحركات عفوية في بعض المناطق والولايات. شهد هذا التحرك تضامنا وإلتفافا غير مسبوقين، خصوصاً وأنه نشأ عن مشروع المالية العامة الذي من شأنه أن يلحق بالمواطنين كافة عبءا إقتصاديا كبيرا على صعيد القدرة الشرائية ونسبة التضخم في البلاد. وقد هدف هذا التحرك شبه العفوي إلى إسقاط ميزانية عام 2018 أو تجميد العمل بها. فخلال فترة لا تتجاوز الشهر، برزت مجموعة استطاعت أن تفرض نفسها كمنظمة لنشاطات التحرك وللإحتجاجات. كما أخذت على عاتقها التنسيق وتحديد مواعيد وأشكال الحراكات في تونس العاصمة والولايات، خصوصاً عبر شبكة التواصل الإجتماعي فيسبوك. وهذا ما ألمح إليه المنظمون أنفسهم للمفكرة أثناء حوارهم معها.

وبالرغم من أن الإحتجاجات تصدرت الصحف والمواقع الإخبارية داخل تونس وخارجها، محققة مزيدا من الضغط على الحكومة التونسية، إلا أن شعلة الإحتجاجات سرعان ما إنطفأت. فلم يكمل الإحتجاج شهره الأول إلا وانخفضت حدته وذلك لعدة أسباب:

  • أولا العدد الهائل من الاعتقالات والأسلوب القمعي الذي مارسته الأجهزة الأمنية في التعاطي مع المحتجين. وقد أدى هذا التعاطي إلى تراجع كبير في نسبة المشاركة في الإحتجاجات. فحتى أوائل شهر فيفري 2018، تجاوز عدد المعتقلين الألف من 16 ولاية شاركت في الاحتجاجات، هذا ما أفادنا به أحد منظمي "فيش نستناو". كما وتسببت هذه الاعتقالات بتشتيت مجهودات المنظمين للحملة. فمحاكمة النشطاء المعتقلين غالبا ما كانت تحدد في تواريخ متزامنة مع تواريخ التحركات الاحتجاجية. فبفعل تزايد هذه المحاكمات، وجد المنظمون أنفسهم مضطرين من جهة للمشاركة في الوقفات أمام المحاكم المختلفة لدعم المعتقلين، ومن جهة أخرى، وفي الآن نفسه، على ضمان مواكبة التحرك المقرر لتوجيه المتظاهرين وتحقيق الحشد الشعبي المطلوب.

كما أنه سرعان ما تمّت أدلجة هذا الحراك، على نحو أفقده عفويته الأصلية لتحقيق الإلتحام الشعبي. وقد بدا هذا البعد واضحا، بعدما تصدر الحراك قيادات تاريخية لأحزاب يسارية وقومية معروفة، كما حمة الهمامي ووائل نوار وغيرهم، وتصدر مطالبه مطلب إحداث تغيير حكومي.

 

"الحرقة" .. أمل بحياة كريمة

الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي في تونس تجلى في سنة 2018 بكارثة إنسانية تعدّ الأكبر في البلاد. وقد لفتت هذه الكارثة بمأساويتها انتباه الحكومة التونسية والأنظار العالمية لقضية الهجرة غير الشرعية أي ما اصطلح على تسميته "الحرقة" (هي كلمة تونسية تطلق على الهجرة غير الشرعية للشباب). هذه الكارثة تمثلت في حادثة غرق المركب الذي كان يقلّ مهاجرين غير شرعيين قرب سواحل جزيرة قرقنة من ولاية صفاقس التونسية في نهار الأحد الواقع في 3 جوان 2018. بالرغم من أن هذه الحوادث تكررت في عام 2018 كما في السنوات الفارطة، إلا أن غرق المركب الذي كان متوجها إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية أودى هذه المرة بحياة ما لا يقل عن ثمانية وأربعين مهاجرا بينهم نساء وأطفال، من جنسيات مختلفة، وإن كان أغلبهم من التونسيين.

أججت هذه الحادثة غضب الشارع التونسي إزاء السياسات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة التى تنتهجها الدولة التونسية والتى سببت مزيدا من الإحباط واليأس بين صفوف الشباب التونسي مؤدية إلى ارتفاع خطير في نسب الهجرة غير الشرعية.

بالرغم من أن هذا الغضب تجلّى ميدانيا في وقفات وإحتجاجات شعبية عدة، خصوصاً في المدن التي خرج منها المهاجرون غير الشرعيين كمدينة قرقنة، سرعان ما تراجعت حدته كما حضوره الإعلامي تبعا لاتخاذ الحكومة إجراءات رسمية، أهمها إقالة وزير الداخلية لطفي براهم الذي كان عزل من قبل 10 مسؤولين أمنيين.

ختاما، يلحظ أن المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية، وهو من أقدم المنظمات التى تبنت العمل على قضايا الهجرة غير الشرعية بعد الثورة، تحرك ميدانيا بشكل واسع ونظم وقفات إحتجاجية وأصدر بيانات تنديدية بالسياسات الحكومية المجحفة. إلا أنه لم ينجح في بناء ائتلاف حقوقي واسع حول هذه القضية.

 

الاتحاد العام التونسي للشغل والدعوة إلى إضراب عام

في السنوات الأخيرة، رفع الاتحاد العام التونسي للشغل مرار الصوت ضد الارتفاع المستمرّ للأسعار والغلاء في تونس، مطالبا الحكومة التونسية باتخاذ التدابير المناسبة لتخفيف الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية عن المواطن، مثل الترفيع في الأجور وزيادة الضمانات الاجتماعية للعاملين في القطاع العام.

وفي الفصل الأخير من السنة، اتّجه الإتحاد العام نحو التصعيد بالإعلان عن نيته الدعوة إلى إضراب عام بتاريخ 22 نوفمبر 2018 احتجاجا على مسألة تدهور الوضع الإقتصادي في البلاد وانعكاساته السلبية على الوضع المعيشي للمواطن التونسي، وبعد فشل الحوار بين الإتحاد والحكومة حول سبل تحسين أجور الموظفين في القطاع العام. نقرأ في بيان الاتحاد الصادر في 19 نوفمبر 2018 ما يلي: "لا يخفى على أحد أنّ مراجعة الأجور إنَّما هي استحقاق أملته عوامل تفاقم التضخّم وانزلاق الدينار والتهاب الأسعار وتزايد الأعباء الجبائية وارتفاع تكاليف العيش مع تدنّي الخدمات وتسارع التداين العائلي وتضخّم البطالة.."

 

حراكات الصحفيين: البوعزيزي يتكرر

في استعادة للمشهد التراجيدي لانتفاضة البوعزيزي، أضرم المصور الصحفي عبد الرزاق زرقي النار بنفسه ما أدى إلى وفاته على الفور في 24 ديسمبر في "ساحة الشهداء" بمحافظة القصرين (غرب). وقد أعاد هذا الأمر إشعال الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس. وكان المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين أول من عبر عن ذلك في بيانه الصادر إثر الحادثة، حيث وصفها بأنها "ليست بمنأى عن الواقع المرير الذي يعيشه قطاع الإعلام والصحافة في تونس من تفقير وتهميش وغياب لأي إرادة سياسيّة لتطبيق القوانين، متهما الحكومة بـ"التنصل من تنفيذ الإجراءات المعلنة منذ سنتين، التي تضمن كرامة الصحفيات والصحفيين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعيّة". وتحسبا لمزيد من السخط، سارعت الحكومة التونسية إلى إبرام إتفاقية مع نقابة الصحفيين تضمنت العديد من الوعود بالتحسينات والتطويرات. الأمر الذي غيب هذه القضية تدريجيا عن الإعلام والحراك الشعبي والحقوقي، ودفع النقابة إلى التراجع عن الإضراب المخطط له. وعليه، وكما حصل بشأن الحراكين السابقين، بدأ هذا الحراك قويا لكن سرعان ما خفتت شعلته.

 

حراك المتقاعدين

أحجمت الحكومة التونسية بداية سنة 2018 عن صرف القسط الثاني من زيادات الأجور لسنة 2017 للمتقاعدين بدعوى أن تلك الزيادات لا تشملهم. وبدا موقفها هذا استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي الذي ربط مواصلة إقراضه لتونس بإصلاحات اقتصادية منها "وضع نظام التقاعد على مسار مستدام"[1]. أشرت الخطوة إلى اتجاه للمس بحقوق مكتسبة للمتقاعدين وكشف لاحقا مشروع  القانون[2] الذي تقدمت به الحكومة لمجلس نواب الشعب والمتعلق بتنقيح أنظمة التقاعد عن جدية هذا التوجه. فقد اقترح الفصل 37 منه أن تكون الزيادات في جرايات المتقاعدين حصيلة لموازنة بين ثلاثة عناصر هي "زيادات الإجراء في المفاوضات الاجتماعية ونسبتا التضخم والنمو الاقتصادي"[3]. إعتبر المتقاعدون الذين تبلغ كتلتهم العددية ثلاثمائة وخمسة آلاف متقاعد أن من شأن هذا التوجه المسّ بحقوقهم المكتسبة والمتمثلة في التعديل الآلي لجراياتهم عند كل زيادة في أجور الناشطين، وتداعوا تاليا للتنظم والتحرك لصده.

أسس قدماء النقابيين من المتقاعدين "الجامعة العامة للمتقاعدين" بالاتحاد العام التونسي للشغل[4]، تلك الجامعة التي أطرت تحركاتها وضمنت لها دعم المنظمة النقابية الأقوى والأكثر تأثيرا. وقد أطرّت الجامعة العامة للمتقاعدين بالاتحاد العام التونسي للشغل تحركات المتقاعدين والتي امتدت طيلة سنة 2018 وميزت الحراك المجتمعي بحضورهم لأول مرة في تاريخهم بعدما كان يظنّ أنهم خرجوا من ساحته. وكانت من أهم محطات تلك التحركات: تجمعات عامة أمام مجلس نواب الشعب بتاريخ :18-10-2018  و22-11-2018.

انتهى نضالهم الاجتماعي إلى النتائج الآتية:

  • تراجع من الحكومة عن حرمانهم من أقساط الزيادة الخصوصية لسنة 2017،
  • إسقاط الصيغة المقترحة للفصل 37 من مشروع قانون التقاعد الجديد.

 

حراك المعلمين النواب:

يدرّس بمدارس التعليم العمومي التونسي عشرة آلاف مدرس وقتي أي معلم غير منتدب في الوظيفة العمومية. ويصطلح على تسمية هؤلاء بالمعلمين النواب ويعوّل على عملهم خصوصا في المدارس الريفية التي يتم العزوف عن العمل بها وفي حالات سد الشغورات الطارئة بالمدارس بسبب العوارض التي تلحق بإطار التدريس الرسمي. تحول المعلمون النواب إلى عنوان بارز من عناوين الهشاشة الاجتماعية وخرق الدولة للقانون، على أساس أن العديد منهم يظلّ لسنوات عدّة مباشرا للتدريس بأجرة شهرية دون الأجر الأدنى المضمون وهي تصرف من دون انتظام. انتفض سنة 2018 المعلمون النواب ضد ما آل له وضعهم مطالبين بالحق في التغطية الاجتماعية وبتأجير لائق وبالانتداب المباشر في إطار التدريس. وخاضوا في سبيل هذا عددا هام من التحركات الاحتجاجية تراوحت بين مقاطعة العودة المدرسية والتظاهر والاعتصام بمقرات المندوبيات الجهوية للتعليم وساندت نضالاتهم النقابة العامة للتعليم الأساسي بالاتحاد العام التونسي للشغل.

أثمر تحركهم عن إمضاء وزارة التربية والنقابة بتاريخ 08-05-2018 اتفاقية تعهد بموجبها الطرف الحكومي ب:

  • الإدماج في إطار التدريس على دفوعات سنوية،
  •  إصلاح نظام تأجير المعلمين النواب بتنظيرهم بمنح الأساتذة المعوضين،
  • تحديد ساعات العمل الأسبوعية بما يناظر المعلمين،
  • التمتيع بالتغطية الاجتماعية.

توجت الاتفاقية حراكا اجتماعيا هاما شمل كل البلاد التونسية ولكنها لم تنهِه اعتبارا لمواصلة العلمين النواب تحركاتهم طلبا لتفعيلها.

 

حراك عمال الحضائر:

ابتدعت الحكومة التونسية في ستينات القرن الماضي حضائر العمل لتسيير مشاريعها. وتتمثل هذه الحضائر في تشغيل وقتي بمقابل محدود للعمالة، من دون الاستفادة بأي شكل من الأشكال من المنافع الاجتماعية العائدة لموظفي الدولة. تمت بعد الثورة تسوية وضعيات عمال الحضائر الذين إنتدبوا قبلها. ولكن وفي محاولة لمجابهة طلبات التشغيل والحراك الاجتماعي، عادت الدولة لتفعيل تلك الحضائر التي ظل العاملون بها خارج منظومة القانون. وتبدو هذه الحضائر في كثير من الحالات من قبيل البطالة المقنعة. استقر فقه قضاء المحكمة الإدارية وفقه قضاء محكمة التعقيب على عدم قانونية ممارسات الجهات الرسمية وأكد كلا الفقهين على حق المنتدبين وفق هذه الصيغة في التمتع بكل الضمانات القانونية لكن تلك الأحكام لم تؤل لمراجعة حكومية لموقفها من شكل التشغيل هذا.

بلغ نهاية سنة 2017 عدد عمال الحضائر خمسة وثمانين ألف عامل[5] تستقطب الجهات الأقل حظا من التنمية أي المناطق الداخلية النسبة الأكبر منهم[6]. وقد تنظّم هؤلاء في تنسيقيات جهوية للمطالبة بتسوية وضعياتهم. ووجد تحركهم مساندة كبرى من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تبنى بالكامل مطالبهم[7]. خاض عمال الحضائر عددا هاما من التحركات الاحتجاجية في مختلف مناطق البلاد من أهمها اعتصامات متكررة بساحة القصبة قبالة مقر رئاسة الحكومة[8] وبالجهات.[9]

بتاريخ 28-12-2018، وقعت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ورئاسة الحكومة اتفاقية استجابت فيها لعدد من مطالب عمال الحضائر ومنها الانتداب لمن يمارس منهم عملا فعليا والتمتيع بالحق في المغادرة الاختيارية.

 

تضامن حقوقي؟

بسؤالنا الأستاذ رمضان المسعودي، أحد مؤسسي المنتدى الإقتصادي والإجتماعي، عن أسباب التراجع السريع لهذه الحراكات، أجاب أن مشكلة الحراكات الشعبية عموما بعد الثورة هي تحوّلها من تغييرية إلى إصلاحية تسودها الآنية، وتقوم على ظرفية الزمان، والمركزية. فقد أصبحت هذه الحراكات مستقلة بمطالبها، بالأشخاص المعنيين بها، وبانتشارها الجغرافي. الأمر الذي يصعّب وضعها في إطار أكبر وتحويلها إلى حراك شعبي وطني ممتد على كل الولايات. فنلاحظ أن حراكا معينا في سيدي بوزيد مثلا ينتهي بمجرد تحصل الفئة المحتجة على مطالبها. وذلك يعود لثلاثة عوامل: (1) إحساس عام بأن التضامن الذي أحدثته الثورة لن يتكرر ويجب على كل شخص أو كل منطقة أو كل مجموعة أو فئة أن تأخذ حقها بيدها. (2) أن وجود نظام قمعي يستهدف الجميع قبل الثورة كان سببا كافيا في توحد المطالب والتضامن بشكل عابر للمناطق والولايات آنذاك. أما اليوم فهناك ما يمكن أن نسميه "لامركزية شعورية" بالحاجة إلى التحرك والإحتجاج. (3) أخيرا، غياب إستراتيجية حكومية واضحة. ففي ظل عدم الإستقرار الحكومي منذ الثورة إلى اليوم، ليس هناك خطة عمل حكومية واضحة الأهداف والإمكانيات. فكل حكومة راحت تمضي إتفاقيات "إسترضائية" مع الأطراف المحتجة لمجرد الطمأنة والإسكات وليس بنية التغيير الفعلي.

وكان المنتدى سعى إلى عقد مؤتمره الوطني الثاني في مارس 2018 كمحاولة لتجميع أكبر عدد من منظمي الحركات الإجتماعية التى برزت خلال السنوات الأخيرة، تلك التى حظيت بتغطية إعلامية وتلك المحدودة بجغرافيتها والتى بقيت خارج الخطاب العام والإعلامي، كالحراكات التى تحدث في المناطق الداخلية والجنوبية. الغاية الرئيسية من هذا المؤتمر، كما أوضح الرمضاني هو التشاور حول إمكانية تشكيل هيكل أو هيئة تنسيقية جامعة لكل هذه الحراكات والتباحث حول الأسباب التى أخذت تحول دون إمكانية تحول هذه الحراكات من كونها محدودة مناطقيا وفي إطار جمهوري ضيق إلى حراكات وطنية جامعة. هذا ما يوحي باحتمالية أن تشهد الحراكات الحقوقية الإقتصادية والإجماعية مكانا أكثر بروزا في المشهد الحقوقي التونسي.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

 

  • مقالات ذات صلة:

إضراب عام في الوظيفة العمومية في تونس: تبريرات الحكومة لا تقنع الموظفين العموميين

الإحتجاجات الشعبية في تونس: إختلاف الوجهة بين المنظومة الحاكمة والمواطن

حوادث "الحرقة": تحرك رسمي يقابله استياء شعبي كبير

حوادث "الحرقة" تتكرر: التيئيس ليس جرما، استغلال اليأس وحده كذلك؟

الاتحاد العام التونسي للشغل: من أجل مقاربة مبنيّة على المقارنة

 

 


[1]   بيان الصندوق بالنسبة لتونس بتاريخ 03-08-2018 .

[2]    مشروع القانون عدد 56 لسنة 2018 الذي يتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرخ في 05-03-1985 المتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد للباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي

[3]   الصيغة المقترحة من الحكومة للفصل 37 "يتم التعديل الآلي للجراية عند كل ترفيع في أي عنصر من عناصر التأجير القارة للمرتب الموافق للرتبة أو الوظيفة التي تمت على أساسها تصفية الجراية عند التقاعد، كما يتم التعديل الآلي للجراية عند إحداث أي منحة قارة تتعلق بالرتبة أو الوظيفة التي تمت على أساسها تصفية الجراية عند التقاعد''.

[4]    عقدت مؤتمرها بتاريخ 08-10-2018 وضمت

[5]   ينقسمون إلى عمال حضائر جهوية   بنسبة 70المائة و حضائر فلاحية  تشتغل أساسا  بالغابات 30 بالمائة .

[6] تنفرد ولاية القصرين لوحدها بنسبة 23,5  بالمائة  من مجمل عمال  الحضائر الجهوية .

[7]  في تصريح له  بتاريخ 21-04-2018 أكد الأمين العام المساعد  للاتحاد العام التونسي للشغل حفيظ حفيظ  " في الاتحاد لن   نبدأ في المفاوضات حول الزيادات في القطاع العام حتى تلتزم الحكومة بإدماج عملة حضائر ما بعد الثورة "

[8] قرر مجمع التنسيقيات الجهوية لعمال الحضائر، اليوم الاثنين 18 جوان 2018، الدخول في وقفات احتجاجية جهوية يوم 21 جوان 2018 وتنفيذ اضراب وطني وتجمّع بساحة الحكومة بالقصبة يوم 10 جويلية

[9]  تراجع تغطية  نسمة للملف  تحت عنوان ملف عمال الحضائر