كثيرة هي الدول التي شكل فيها حراك القضاة محركا لإصلاح القضاء ولانتزاع استقلالهم. من هذه الدول، فرنسا وإيطاليا وأحدثها عهدا، المغرب وتونس. وفي لبنان، تتمسك الهيئات الناظمة للقضاء بأن ثمة قواعد قانونية وأخلاقية تحظر على القضاة ممارسة حرية التعبير أو إنشاء جمعيات. ومن أبرز هذه القواعد، موجب التحفظ وقانون الموظفين الذي يمنع إنشاء منظمات أو نقابات مهنية (المادة 15). كما تنبه هذه الهيئات بشكل خاص من خطورة إنشاء جمعيات للقضاة، مما قد يؤدي إلى نشوء جمعيات طائفية.

وقد سعت "المفكرة القانونية" ردا على هذه المواقف إلى تعزيز مشروعية حرية القضاة بالتعبير وبإنشاء جمعيات وتحفيز القضاة على القيام بذلك.

وكان مؤسسا "المفكرة" نزار صاغية وسامر غمرون نشرا في 2009 بحثا عن التحركات القضائية الجماعية، تناول بشكل خاص إنشاء الجمعية الأولى والوحيدة للقضاء "حلقة الدراسات القضائية" في 1969 والتي لم يتسنّ لها العيش طويلا وأيضا تحركات 1980 و1982. وقد لاحظ الكاتبان في مستهل دراستهما أن "مراجعة الخطاب الاصلاحيّ للقضاء في زمن ما بعد الحرب تظهر بوضوح تركيزا على الاصلاحات التي تضعها الدولة أو مؤسّساتها الرسميّة، فيما يظهر القاضي دوما محلا لإصلاح يتلقّاه دون أن يكون له أيّ دور فاعل فيه. والواقع أن هذا التوجه لم يكتفِ فقط بتهميش "التحرّكات القضائية الجماعيّة" كآليّة من شأنها الإسهام في إصلاح القضاء، إنما أيضا بطمس ذاكرة القضاء بهذا الشأن، وتحديدا بما يتّصل بالتحرّكات الواسعة التي شهدها في العقود السابقة للطائف".

تبعا لذلك، جرت محاولات من قضاة عدة وفي مراحل عدة لإنشاء جمعية للقضاة. وقد تكللت هذه المحاولات بالإعلان عن تأسيس جمعية "نادي قضاة لبنان" بتاريخ 30 نيسان 2018. وقد تمكنت هذه الجمعية من الحصول على علم وخبر بتاريخ 29 كانون الثاني 2019، وذلك على الرغم من المواقف الرافضة بشدة لها من قبل مجلس القضاء الأعلى.

وبالنظر إلى أهمية هذا الحراك وما استتبعه من ردود أفعال، كان لا بدّ لنا من تخصيص مساحة له في هذا العدد حول سنة 2018 والمستجدات القانونية والقضائية فيها. وسنضمن هذه المساحة ملاحظات سريعة حول ثلاث مواجهات خاضها أعضاء النادي خلال هذه السنة. فبعد المواجهة الحاصلة لتأسيسه، تعين على أعضاء النادي بذل جهد على جبهتين أخريين: جبهة للتصدي لتعسف مجلس القضاء الأعلى الساعي إلى تقويض النادي ومعه حق القضاة بإنشاء جمعيات، وجبهة إثباتا للذات واكتساب ثقة الرأي العام في هذا الزمن الصعب.

 

المواجهة التأسيسية

تعود أول المحطات لمناقشة فكرة إنشاء جمعية إلى 2006، في تأثير مباشر لتحرك التيار الاستقلالي في نادي قضاة مصر في 2005-2006. وإذ تعززت هذه الفكرة فيما بعد تبعا لإحباطات قضائية وجهود بحثية عدة، توطدت في العالم الافتراضي مع إنشاء مجموعات واتساب للقضاة في 2017 لتخرج إلى عالم الواقع في 2018. ففي الفترة الممتدة من آذار 2017-آذار 2018، شهدت قصور العدل اعتكافات متكررة، منها الاعتكاف الأطول بتاريخ قصور العدل، احتجاجا على مشاريع القوانين مختلفة، تؤثر معنويا أو ماديا بحقوق القضاة، ومنها مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب ومشروع قانون موازنة 2018.

وقد شكلت مجموعات الواتساب خلال هذه الفترة مساحة للتلاقي والتباحث والتداعي إلى جمعيات عمومية بل أيضا لحسم قرارات معينة بما درج القضاة على تسميته التصويت الإلكتروني. وفيما أصدر مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 11/5/2017 تعميما دعا فيه القضاة الانسحاب من مجموعتي الواتساب إلتزاما بموجب التحفظ، تحت طائلة الملاحقة التأديبية، خاض ما تجاوز مائة قاضيا تمردهم الأول ضد المجلس من خلال رفضهم الإذعان لهذا التعميم. وقد عاد تفعيل هاتين المجموعتين لجهة العضوية والمداخلات بقوة مع بدء اعتكاف آب 2017 على وقع مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب. وفي خضم اعتكاف آب، بادر القضاة إلى تغيير تسمية المجموعتين من "قضاة لبنان" إلى "نادي قضاة لبنان"، بحيث أذن ذلك بنشوء ناد افتراضي للقضاة تماما كما حصل سابقا مع إنشاء "نادي قضاة المغرب" على صفحات "الفايسبوك".

وتبعا لتراجع مجلس القضاء الأعلى عن قرار الاعتكاف الذي كان أعلنه في تموز/ آب 2017، من دون تحقيق أي من مطالب القضاة، سعى أعضاء المجموعتين إلى استعادة المبادرة والتهيؤ لإطلاق أشكال جديدة من الاحتجاج، قوامها اكتساب قدرة التحرك الذاتي بمعزل عن مجلس القضاء الأعلى بل حتى عند الاقتضاء خلافا لرغباته. وقد حصل ذلك فعليا فور تسرّب مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2018 والذي تضمّن تخفيضا لتقديمات صندوق تعاضد القضاة، بحيث سارع قضاة الحراك إلى إعلان الاعتكاف عن العمل ابتداء من 19/3/2018 من دون استئذان مجلس القضاء الأعلى أو التحاور معه مسبقا بشأنه، فضلا عن المطالبة بإعفائهم من المهام المناطة بهم في لجان القيد المشرفة على الانتخابات النيابية. الأهم من كل ذلك هو أن القضاة عقدوا جمعية عمومية وقع خلالها عشرات منهم على تعهد خطي بتأسيس نادٍ للقضاة، لتتواصل فيما بعد التواقيع إلكترونيا على هذا التعهد على مجموعتي الواتساب.

وبفعل تضامن القضاة على هذا الوجه، انتهى مجلس القضاء الأعلى إلى الإنضمام إلى الاعتكاف، بعدما كان سعى إلى توقيفه. وقد حمل هذا الاعتكاف المجلس النيابي على قبول مطالب القضاة، ولا سيما لجهة إبقاء تقديمات صندوق تعاضد القضاة على حالها وإقرار ثلاث درجات للقضاة. وفيما آل فشل 2017 إلى إشعار القضاة بعدم فعالية مجلس القضاء الأعلى في الحفاظ على مكاسب القضاة، جاء هذا الانتصار ليعزز زخم القضاة وقناعتهم بأهمية التضامن فيما بينهم لترسيخ حقوقهم المادية والمعنوية في آن. وقد كان لهذا النجاح أثر مباشر على توقيع 32 قاضيا (غالبها من الدرجات المتوسطة) على بيان تأسيس جمعية "نادي قضاة لبنان" في آخر نيسان 2018.

وتبين الخطوات التأسيسية المبينة هنا على عجل أن الانتصار في هذه المواجهة تم على مراحل نجح القضاة فيها في كسر مجموعة من المسلمات والتقاليد القضائية الراسخة، وفي مقدمتها الفهم التقليدي لموجب التحفظ وتحكّم مجلس القضاء الأعلى بإدارة شؤون القضاء والقضاة فضلا عن الهرمية القضائية وما يحيط بها من هالات. وقد تمثلت هذه المحطات في ثلاث لاءات أو تمردات كبرى: لا للانسحاب من مجموعتي الواتساب بما يخالف التعميم الصادر عن مجلس القضاء الأعلى في 11 أيار 2017، لا للتراجع عن قرار الاعتكاف بما يخالف إرادة مجلس القضاء الأعلى والتي عبر عنها في الجمعية العمومية المنعقدة في 19 آذار 2018، لا للتراجع عن قرار تأسيس النادي.

 

المواجهة إثباتا لمشروعية النادي

تبعا للإعلان عن تأسيس النادي، تعين على أعضائه وبشكل خاص هيئته التأسيسية المنتخبة في أيلول 2018 انتزاع الاعتراف بحرية القضاة بإنشاء جمعيات في مواجهة مجلس القضاء الأعلى الرافض لهذه الحرية. وقد انتهت هذه المواجهة هي أيضا لصالح النادي بحصوله على علم وخبر بتأسيس الجمعية، وإن استمرّ مجلس القضاء الأعلى في مساعيه لتجريد النادي من مكسبه هذا.

ومن أبرز محطات هذه المواجهة هي الوثائق الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى، سواء لثني وزارة الداخلية عن تسليم العلم والخبر لمؤسسي النادي (وقد وجهها المجلس من خلال وزارة العدل التي أدت دور ساعي البريد في غالب الأحيان)، أو لثني القضاة وتحذيرهم من مغبة الانضمام إليه أو للرد على رئيس لجنة الإدارة والعدل جورج عدوان[1].

وسنعدد هنا أبرز الأسباب التي قدمها مجلس القضاء الأعلى لنزع مشروعية النادي وهي الآتية:

  • حصرية المجلس في السهر على استقلال القضاء وتعزيزه، والعمل على تعزيز أخلاقيات القضاة وكرامة القضاء وثقة الناس به، بحيث يشكل تضمين نظام النادي أهدافا متصلة بهذه الاعتبارات تغولا على صلاحيات المجلس وخروجا عن النظام العام. وهذه الحجة لا تستقيم على اعتبار أن السهر على استقلال القضاء وأخلاقيات القضاة هو حق وواجب للقضاة، أفرادا ومجموعات، وأنه لا يشكل أي تغوّل على صلاحيات أيّ من المؤسسات العامة التي تكون وحدها مخولة لاتخاذ قرارات في هذا المجال.
  • موجب التحفظ. فالقاضي ملزم بالأخلاقيات القضائية التي كان أقرها المجلس في 2005. وهذه الحجة هي الأخرى مردودة بالنظر إلى الوثائق الدولية الصادرة في هذا المضمار والتي ذهبت كلها إلى نقض التقاليد المهنية الموروثة في اتجاه تكريس مبدأ حرية القضاة في التعبير وتأسيس جمعيات على غرار سائر المواطنين.
  • المادة 44 من قانون تنظيم القضاء العدلي والتي اشترطت أن تمر جميع مطالب القضاة الجماعية من خلال مجلس القضاء الأعلى. وهذه الحجة هي الأخرى تحمل في ذاتها ما يدحضها كما يدحض الحجج السابقة تماما. فالمرور الإلزامي للمطالب الجماعية بمجلس القضاء الأعلى يفترض بالضرورة الاعتراف بأحقية القضاة بصوغ مطالب جماعية، وتاليا بأحقيتهم بالاجتماع والتباحث والتفكير معا بأي شأن قضائي، بما فيه استقلالية القضاء وأخلاقياته.
  • أن إنشاء جمعيات يؤدي إلى شرذمة القضاء وإضعاف السلطة القضائية في علاقتها مع السلطات الأخرى. وقد جاء حرفيا في إحدى هذه الوثائق أن "القضاء سلطة، والقضاة مؤتمنون على هيبة سلطة وهذه حقيقة لا ينسجم معها انضواء جزء منهم في إطار تجمّع مهني الغرض منه ممارسة صلاحيات منوطة قانوناً بمجلس القضاء الأعلى". ونستشف من هذه الحجة أن المجلس يخشى أن تؤدي الجمعية إلى تجريده من احتكار النطق باسم القضاء أو تمثيله. والواقع أن هذه الحجة تحوّر مفهوم السلطة القضائية، لتحصرها في مجلس القضاء الأعلى وتحوّلها إلى ما يشبه الصنم الذي يتعين على القاضي تكريمه والمحافظة على هيبته. وعليه، وبدل أن يكون المجلس وسيلة وضمانة لتعزيز السلطة القضائية المتمثلة في القاضي أو المحكمة حين تنظر في قضية معينة، يصبح القاضي وسيلة وأداة لتقوية المجلس وتعزيز سلطانه. وتتنافى قراءة مجلس القضاء هذه مع تعريف المادة 20 من الدستور للسلطة القضائية التي "تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها"، كما يتنافى مع الفقه الأوروبي الذي يعتبر أن "السلطة القضائية" ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوظيفة القاضي، ولا يمكن إذاً إختزالها بهيئة معيّنة، بمعنى أن "السلطة القضائية" سلطة غير مركزية Pouvoir diffus، وكل قاضٍ أثناء ممارسته سلطته القضائية يشكَل بذاته "السلطة القضائية"[2]. فضلا عن ذلك، فإن التجربة أثبتت أن ما يؤدي إلى إضعاف القضاء هو استفرادهم على نحو يدفعهم للبحث عن ضمانات سياسية مما يسهل استتباعهم. وهذا ما يؤمل من تضامن القضاة أن يعالجه.
  • أنّ رفض حق القضاة بإنشاء جمعيات هو موقف مستقر يُجمع عليه المجلس الحالي والمجلس السابق. ومن هذه الزاوية، بدا البيان وكأنه يبرر مسّ المجلس بحرية القضاة بالتجمع بوجود تقليد (اجتهاد ثابت وراسخ) بالمس بهذه الحرية. وهذه الحجة تشكل بالواقع حجة ضد المجلس، طالما أن الحاجة إلى إنشاء النادي تزداد إلحاحا بقدر ما تثبت ممارسات الاعتداء المنتظمة من المجلس على القضاء.
  • أن المادة 15 من قانون الموظفين تحظر على القاضي الإنضمام إلى منظمة أو نقابة مهنية، بغضّ النظر عن المسمى الذي يتم اختياره لها. واللافت أن المجلس أثار هذه الحجة في وقت متأخر من المواجهة (تشرين الثاني) غير عابئ بمناقضة مجمل مواقفه السابقة في هذا الخصوص والتي آلت إلى استبعاد العديد من مواد قانون الموظفين عن القضاة لتعارضها مع مبدأ استقلالهم، وكأنه يستنجد بها تبعا لفشله في وقف تمدد النادي وانضمام المزيد من الأعضاء إليه.

 

إزاء هذه المواقف، دافع أعضاء النادي عن مشروعيته وحقه بالوجود بحذر ومع تجنب التنديد علنا بمواقف مجلس القضاء الأعلى أو تحويل قضيتهم إلى قضية عامة، كل ذلك بانتظار تقوية هيكلهم الداخلي. وقد تجلت مواقف النادي في اتجاهات خمسة:

  • استكمال اجراءات تأسيس النادي وذلك عملا بقانون الجمعيات الذي يعتبر الجمعية قائمة بمجرد اتفاق مؤسسيها على نظامها، فلا يشكل تسليم العلم والخبر شرطا لوجودها إنما موجبا يتعين على وزارة الداخلية القيام به. وفي هذا الإطار، انتخب[3] أعضاء النادي الهيئة الإدارية الأولى وعينوا رئيسة لها،
  • إبراز رؤية تجديدية للأخلاقيات القضائية تركز على دور القاضي في الدفاع عن استقلاله وبما يناقض حجج مجلس القضاء الأعلى في هذا الخصوص. وقد بدا هذا الأمر شديد الوضوح في البيان الأول للنادي بنعي إحدى أبرز أعضائه ماري دنيز المعوشي (24/7/2018) وبخاصة من خلال استخدام عبارة ذات دلالة عالية مفادها أن الراحلة تمتعت بـ "الأخلاقيات القضائية الحقيقية"، وهي عبارة تُفهم في هذا المحلّ على أنها نقيض ليس فقط "للأخلاقيات القضائية الزائفة" (أي أخلاقيات من يفعل عكس ما يعلن)، إنما أيضا وخصوصا، "الأخلاقيات القضائية التقليدية" التي ما برح مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل يعلنان تمسكهما بها، وهي الأخلاقيات التي تبقي القاضي في بوتقة الصمت والعزلة، وتنكر عليه أي دور فاعل في إصلاح القضاء أو الدفاع عن استقلاله. ومن أبرز هذه "الأخلاقيات الحقيقية"، حقّ القضاة بالتجمع والتعبير للدفاع عن كرامتهم واستقلالية السلطة القضائية. وقد عاد النادي ليرد على الحجج المثارة بوجهه في بيان أصدره في 3/12/2018 حيث أكد على وجود نوادٍ للقضاة في 80 دولة، وذكر بالجمعية الأولى التي أنشأها قضاة في لبنان (حلقة الدراسات القضائية[4]) في 1969. وفيما أعلن النادي التعريف الذي يراه صحيحا لموجب التحفظ، بدا وكأنه يدعو مجلس القضاء الأعلى إلى مراجعة ذاتية: فبدل أن يشهر موجب التحفظ في وجه مؤسسي النادي خلافا للغاية من وجوده، يجدر به على العكس من ذلك تماما إشهاره بوجه القضاة الذين يترددون إلى دواوين أصحاب النفوذ، وفي مقدمتهم أعضاء بارزين في مجلس القضاء الأعلى.
  • تعزيز الصفة التمثيلية للنادي من خلال حث مزيد من القضاة على الانتساب إليه. وقد تضاعف عدد أعضاء النادي ثلاث مرات في نهاية 2018، بحيث ناهز نسبة 20% من مجموع القضاة، رغم كل التعاميم التي دأب مجلس القضاء الأعلى على إصدارها في مواجهته. واللافت أن النادي أكد في بيانه الصادر في 3/12/2018 التزامه بالابتعاد عن آفات الفئوية والتسييس على اختلافها. فهو "خلافاً لأغلبية ما هو قائم في لبنان، غير مشوب بالطائفية والفئوية والمناطقية والحزبية والتبعية السياسية ولن يكون". وإذ يردّ هذا الأمر على مخاوف نشوء جمعيات فئوية أو طائفية، فإنه يتماشى مع تجارب التحركات الجماعية للقضاة الحاصلة في فترة الستينيات حتى الثمانينات والتي كانت كلها بمثابة مانيفستو ضد الطائفية.
  • العمل على كسب مشروعية إقليمية ودولية. وهذا ما تم من خلال انضمامه إلى "اتحاد القضاة العرب[5]" الذي ضم مجموعة من الهياكل الناشئة في عدد من الدول العربية، ومن خلال تقديم طلب الانتساب للاتحاد الدولي للقضاة،
  • العمل على استمالة الرأي العام من خلال مجموعة من المواقف وهذا ما سيسمح لنا بالانتقال لدرس حيثيات المواجهة الأهم ربما وهي المواجهة لكسب الثقة العامة في هذا الزمن الصعب.

 

المواجهة إثباتا لدور النادي وتمايزه في الزمن الصعب

منذ ما قبل تأسيس النادي، كشف مؤسسوه عن وعي عميق بأهمية اكتساب الثقة العامة، وفي الآن نفسه بصعوبة تحقيق ذلك في زمن تراجعت فيه -إن لم نقل انهارت- الثقة العامة بالقضاء. وقد خبر القضاة ذلك بشكل خاص في حراكهم في 2017 حيث لم يلق حراكهم تأييدا شعبيا واعتبر العديد من الإعلاميين أن القضاة لم يتحركوا إلا للدفاع عن مكاسبهم المالية، فيما هم لم ينبسوا ببنت شفة في زمن الاعتداءات الكبرى على استقلال القضاء كما حصل ويحصل في مشاريع التشكيلات القضائية. وقد عاد النادي واستشعر حاجة لإيلاء هذا الأمر اهتماما كافيا غداة اشتداد الصراع المهني الحاصل خلال 2018 بين جسمي المحاماة والقضاة، وبخاصة بعد إصدار النادي بيانا رفض فيه مقاطعة نقابة محامي طرابلس لجلسات إحدى القضاة، معلنا نيته بتصعيد مواقفه في حال استمرار النقابة على هذا النهج. وقد لقي هذا البيان هجوما قاسيا من قبل المحامين، بلغ أوجه مع إعلان نقيب محامي بيروت أندره الشدياق موقفا رافضا لحرية القضاة بإنشاء جمعيات.  

وقد تمثل هذا التوجه بشكل واضح في أهداف النادي التي أكدت على دوره في الدفاع عن استقلال القضاء ولكن أيضا في تعزيز أخلاقيات القضاة وتعزيز قدراتهم. وأهم من ذلك هو أن الأهداف ذهبت إلى حدّ التأكيد على دور النادي في تعزيز التصورات النبيلة للوظيفة القضائية، من خلال تعزيز التزام القضاة بحقوق الإنسان ومكافحة الفساد. فبالإضافة إلى "التأكيد على البعد الأسمى للرسالة القضائية وتعزيز مكانة القاضي ودوره الفاعل في المجتمع..."، تضمنت الإهداف تأكيدا على وجوب "السهر على احترام مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان" و"تعزيز ثقافة المساءلة في المجتمع وتكريس دولة القانون وتقديم الإخبارات بخصوص جرائم الفساد والإثراء غير المشروع".

 

وقد أعاد النادي التأكيد على أهدافه وتفصيلها من خلال مجموعة من المواقف، أبرزها الآتية:

  • الإعلان عن نية أعضاء الهيئة التقدم بكتب لرفع السرية المصرفية إلى الجهات الرسمية، وذلك إيماناً من الهيئة بضرورة مكافحة الفساد واتخاذ الإجراءات الآيلة لتعزيز الشفافية خاصة لدى المنتمين إلى السلطات الثلاث والعاملين في الخدمة العامة (بيان 25/9/2018 الصادر تبعا لانتخاب أعضاء الهيئة الإدارية)،
  • إعلان تصور النادي للوظيفة القضائية. فبالإضافة إلى ما ورد في أهدافه، أعاد النادي في بيانه الصادر في 3/12/2018 التأكيد على تصور الوظيفة القضائية الذي كانت أعلنت عنه "حلقة الدراسات القضائية[6]" في 1969. فالقضاء الذي يطمح النادي إلى إرسائه، هو القضـاء المسـتقل (أفـرادا ومؤسسـات)، القضــاء العالــم (المنفتــح بالمعرفــة علــى حاجــات مجتمعــه ومتطلبــات عصــره)، القضـاء اللاطائفـي (الـذي تقـف عنـد عتبتـه جميـع أمـراض مجتمعنا وعللـه)، القضاء الـذي يوحـي بالثقـة (بعلمـه ومناعتـه وتحـرره)، القضـاء المهـاب (الـذي يكـون القـوي عنـده ضعيفـا حتـى يؤخـذ الحـق منـه)، القضـاء المطمئـن (الـذي لا تعقلـه حاجة ولا خوف)، القضـاء المنتـج (الـذي يـدرك أن الزمـن فـي طليعـة قيـم العصـر) والقضـاء العصـري (فـي تفكيـره وتطـوره ووسـائل عملـه) وهـو أخيـرا القضـاء الـذي يوفر عدالة ذات وجه إنساني. ومن البين أن تعريف الوظيفة القضائية على هذا الوجه يقطع مع التوجه الكلاسيكي الذي غالبا ما يجرد القاضي من امكانية الاجتهاد والتفاعل مع القضايا الاجتماعية ليحصره في وظيفة "خادم القانون". وقد تعزز هذا التصور من خلال بيانات أحدث عهدا أعلن فيها النادي مساندته للقضايا الانسانية والعامة، وفي مقدمتها[7] معاناة أهالي التلاميذ من تسديد الأقساط المدرسية، وذلك تبعا لإضرام مواطن النار في نفسه. واللافت أن النادي أكّد في هذا البيان على أن "القضاء كان ولا يزال وسيبقى حامي الحريات والحقوق"، وأنه يبقى انطلاقا من ذلك ملزما بـ "الأخذ بيد من ضاقت به السبل وأعيته الوسائل، ومن واجباته الأساس فتح الطرق وتعبيدها أمام الناس ليصلوا إلى حقوقهم".
  • اشتراك النادي في معركة استقلال القضاء. فبالإضافة إلى ما تضمنته أهدافه في هذا الخصوص، تميز النادي بمشاركته في المؤتمر المنعقد في 17 كانون الثاني 2019 حول اقتراح قانون استقلال القضاء وشفافيته والذي نظمته "المفكرة القانونية" و"كلنا إرادة" و"الائتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته" وبحضور نواب عن مجمل الكتل السياسية. وقد ألقت رئيسة النادي أماني سلامة خلال المؤتمر كلمته العلنية الأولى والتي تضمنت ما يعتبره النادي مبادئ أساسية لتحقيق استقلال القضاء.
  • الإعلان عن انفتاح النادي على الرأي العام ووسائل الإعلام والمجتمع المدني ونقابتي المحامين ومدّ يد التعاون إليها. وهذا ما نقرأه في أهداف النادي ولكن أيضا في عدد من بياناته اللاحقة (25/9/2018) و(3/12/2018). فـ "تعاون المحامين والقضاة برقي، محتم فيما بينهم لإعلاء شأن العدالة التي لا تستقيم دون وجود قضاة ومحامين شجعان وشرفاء وأحرار يناصرون القضايا العامة المحقة والنادي يأمل ويسعى إلى زمن يصطف فيه المحامون ... إلى جانب القضاة في تعزيز استقلاليتهم وممارسة حقوقهم". وقد بدت هذه الدعوة بمثابة نتيجة حتمية لتصوره الجديد للوظيفة القضائية، والتي تحتّم وجود شراكة ضمنية بين القضاة والمحامين المناصرين للقضايا العامة المحقة.
  • الابتعاد عن المواقف الفئوية أو ذات الطابع النقابي. فبالإضافة إلى ما ورد في أهدافه، أعلن النادي في بيانه الصادر في 3/12/2018 أن انتصاره لاستقلال القضاة وحقوقهم، لا يتعارض البتة مع مقتضيات المساءلة الجدية والمنتجة لكل قاض يحيد عن رسالته القضائية. وهذا ما عاد وأكده في بيانه الصادر في 15/3/2019 في أثر التحقيقات بشأن أعمال سمسرة ورشاوى في القضاء وتورط عدد من القضاة فيها، حيث دعا إلى رفع جميع الحصانات، في جسمي القضاء والمحاماة. كما دعا إلى رفع السرية المصرفية عن كل متول للشأن العام، أسوة بأعضاء الهيئة الإدارية لنادي قضاة لبنان.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟


[1]  هذه الوثائق صدرت عن المجلس بالتواريخ الآتية: 14/6/2018 (وزارة الداخلية) و28/9/2018 و7/11/2018 (القضاة) و15/10/2018 (جورج عدوان)

[2] وهذا ما يشير إليه صراحة المجلس الدستوري الإيطالي. أنظر La nature des conseils supérieurs de la magistrature en Europe in Les conseils supérieurs de la magistrature en Europe, T. S. Renoux (sous la dir.), Doc. Française, Paris, 1999, p. 31. 

[3]  نادي قضاة لبنان ينجح في انتخاب هيئته الإدارية الأولى أماني سلامة رئيسة أولى للنادي. المفكرة القانونية، 21 أيلول 2018

[4]  كتاب "حين تجمع القضاة في لبنان": إرث حلقة الدراسات القضائية يحمي نادي قضاة لبنان

https://bit.ly/2DpbJ6r

[5] د. عبد اللطيف الشنتوف. تأسيس الاتحاد العربي للقضاة: طموح في خضم الإكراهات. المفكرة القانونية، 23 أيلول 2018

[6]  كتاب "حين تجمع القضاة في لبنان". المرجع المذكور أعلاه.