في عددها رقم 59 الصادر في نيسان 2019 المخصص لعرض مجمل الأعمال والمستجدات القانونية والحقوقية خلال سنة 2018، نشرنا تعليقات على أبرز القوانين الصادرة خلال هذه السنة. وقد تناولنا في هذا السياق بشكل خاص قانون المياه اللبناني الجديد. يسجل أن اقتراح قانون هو في صدد المناقشة حاليا في لجان المجلس النيابي لتعديل هذا القانون (المحرر).

 

هذا التعليق هو حصيلة مقابلات أجرتها "المفكرة القانونية" مع كل من الدكتور محمود بارود، مدير الوصاية السابق في وزارة الطاقة والمياه والذي عمل بصفة مقرر في اللجنة التي تولّت وضع القانون، والمحامي سامي علوية، مدير المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، والدكتور رولان الرياشي، أستاذ مساعد في الجامعة الأميركية في بيروت- قسم الدراسات السياسية والإدارة العامة، والمهندس حسام حوا، خبير في إدارة الموارد المائية ومدير عام شركة ضفاف، والصحافي حبيب معلوف، مؤسس حزب "البيئة".

 

 

المسار التشريعي للقانون

بدأ العمل على قانون المياه في العام 2003 في وزارة الطاقة والمياه، على إثر هبة من السفارة الفرنسية هدفها إقرار مثل هذا التشريع. وقد تكفّلت وكالة التنمية الفرنسية متابعة وضعه. في تلك السنة، تشكلت لجنة من الخبراء القانونيين والمتخصصين في قطاع المياه، عمدت بين عامي 2003 و2005 إلى عقد اجتماعات مع خبراء من الجامعة اليسوعية، كما أجرت لقاءات مع رجال قانون فرنسيين، وهم ثلاثة عمداء من كليات حقوق فرنسية كما ينقل د. بارود، مدير الوصاية السابق في وزارة الطاقة والمياه، الذي عمل بصفة مقرر في اللجنة.

وأُنجز نص أولي في العام 2005، يرتكز بشكل أساسي على النموذج الفرنسي بحسب د. رياشي، تحديداً ال schémas directeurs d'aménagement et de gestion des eaux (SDAGE) وهي أنظمة إدارة المياه الخاضعة للتوجيه الأوروبي للعام 2000 Directive cadre sur l’eau (DCE).

وجُمّد مشروع القانون بعدئذ على غرار التشريعات كافة بسبب الأزمات السياسية المتلاحقة بين عامي 2005 و2009. ويشير د. بارود إلى أن "هذا الجمود استمر في العمل التشريعي حتى العام 2010، حيث أعيد البحث في المشروع، وخاصة بسبب ضغط الجهات المانحة لإصداره". إلا أنه "أعيد البحث فيه لأكثر من عشر مرات بعد تلك المرحلة". وفي العام 2017، أحالت الحكومة المشروع إلى مجلس النواب تطلب البدء بمناقشته، وأحيل بالفعل إلى لجنة الأشغال العامة والطاقة والمياه.

وأقرّ قانون المياه تحت الرقم 77 في 29 آذار 2018.

 

الإطار العام للقانون

صدر قانون المياه قبل أسبوع واحد من انطلاق "المؤتمر الدولي لدعم التنمية والإصلاحات في لبنان" CÈDRE، أي بعد 15 عاماً على إنطلاق العمل عليه. ويؤكد الخبراء الذين قابلتهم "المفكرة" أن أحد الشروط التي وضعت على الحكومة اللبنانية قبل مؤتمر CÈDRE كان إنجاز قانوني الموازنة والمياه. ويلتقي ذلك مع تأكيد بعض الأوساط الخبيرة أن ثلث التمويل المرتقب من مؤتمر CÈDRE يصب في قطاع المياه.

وهذا ما يفسر بحسب د. بارود "إقرار القانون كما أرسلته الحكومة من دون إجراء تعديلات إضافية". ويقرّ أن القانون "كان يحتاج لبعض التعديلات على صعيد اللغة والتعريفات اللبنانية لبعض الأمور كون النسخة الأولى وضعت باللغة الفرنسية وتمت ترجمتها، أي أن بعض التعاريف تحتاج لإعادة تعديلها لتتوافق مع الصيغة اللبنانية".

وهذا ما حدا بعض النواب (حكمت ديب وجوزيف معلوف ومحمد قباني) للتقدم باقتراح تعديلي عليه بصيغة معجل مكرر بعد شهرين من إصداره أي في 21 أيار 2018، وبخاصة بما يتصل بالتعريفات والصياغة. وقد جاء في الأسباب الموجبة للإقتراح أنه و"بسبب الحاجة إلى إصدار قانون المياه قبل انعقاد مؤتمر سيدر 1، والذي لحظ تمويل مشاريع عدة في قطاع المياه تقدر قيمة القروض التي رصدت لها بنحو 6.3 مليارات دولار، كان هناك ضرورة ملحة لإصدار قانون المياه على وجه السرعة". وفي الجلسة التشريعية التي انعقدت بتاريخ 12 تشرين الثاني 2018 تم طرح اقتراح التعديل على جدول أعمال الجلسة، إلا أنه تمت إعادته إلى اللجان، بعدما اعترض بعض النواب على طلب إقراره بمادة وحيدة[1].

 

الملاحظات الأساسية حول النص: ما مدى ملاءمته دستوريا أو اجتماعيا؟

يمكن بعد معاينة النص التأكيد أنه على رغم إنضواء قانون المياه على بعض المبادئ الإيجابية (ب-)، إلا أن الإشكاليات التي تعتريه محورية وأساسية يقتضي البدء بعرضها (أ-).

 

  • الإشكاليات الأساسية في القانون

تقتضي بداية الإشارة إلى أنه لا يمكن تقييم ما أتى به قانون المياه دون التوقف عند المقاربة التي ارتكزت عليها إدارة الموارد المائية منذ تأسيس الدولة اللبنانية، وفق ما سيبيّنه التعليق.

فإلى جانب ضآلة عدد مواد القانون (112 مادة فقط)، ينضوي النص على إشكاليات أساسية نعمد إلى توسيعها في ما يلي:

 

أولاً: غياب رؤية موحدة تحكم قطاع المياه

تذكر الأسباب الموجبة لقانون المياه أن لبنان، منذ إعلان استقلاله كان من الدول السبّاقة في منطقة الشرق الأوسط في وضع تشريعات تلحظ تنظيم قطاع المياه، وهي سلسلة من تشريعات أصدرتها سلطة الانتداب الفرنسي وأخرى منذ عهد الحكم العثماني. ولا زالت هذه التشريعات المشتتة تحكم قطاع المياه، منها أحكام المجلة إبان الحكم العثماني، بالإضافة إلى القرارين 144 (10 حزيران 1925) و320 (26 أيار 1926) المتعلقين بالأملاك العمومية والمحافظة عليها الصادرين عن سلطة الانتداب الفرنسي، والقواعد الصحية العامة الصادرة بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 16 ل تاريخ 30 حزيران 1932.

وقد أضيفت إلى ذلك أحكام القانونين 221/2000 (الذي أنشأ المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه والصرف الصحي) و210/2012 (تنظيم معالجة وتكرير وتعبئة وبيع مياه الشرب المعبأة). كما ارتبط تنظيم قطاع المياه ببعض أحكام قانون الملكية العقارية (قرار المفوض السامي 3339/1930).

وعليه، أعلنت الأسباب الموجبة أن إحدى الغايات الأولى من القانون، هي جمع كل الأحكام الناظمة[2] للقطاع في تشريع واحد وشامل. إلا أنه يتبيّن أن جمع هذه الأحكام في قانون واحد ليس سوى شكلي، ولم يتخطى المشكلة الرئيسية وهي تعدد مصادر التشريع التي تنظم قطاع المياه. فعجز القانون عن توفير رؤية واحدة متناسقة يتم توحيد هذه الأحكام حولها. ففي حين أعاد– بشكل رئيسي – تكريس الذهنية التي حكمت إدارة قطاع المياه منذ الإنتداب الفرنسي وهي ذهنية تغيّب أي مقاربة لإدارة الموارد المائية في سبيل المصلحة العامة، أقر في الوقت نفسه مبدأ "الإدارة المتكاملة للموارد المائية" (والذي نعود إلى شرحه تفصيلاً أدناه) وهو مبدأ ينبني على نظرة تشاركية لإدارة الموارد المائية في سبيل تعزيز المصلحة العامة. فيظهر القانون متناقضاً وغير متسّق في روحيّته.

 

ثانياً: مقاربة للموارد المائية تغيّب المصلحة العامة

يكمن الخطر الحقيقي في قانون المياه بحسب د. رياشي في إعادة تكريس الذهنية التي حكمت إدارة هذا القطاع منذ الإنتداب الفرنسي، بمقاربة المياه من باب الملكية أولاً، على حساب اعتبارها مورداً وثروة وطنية تنظّم الدولة حق التمتّع بها لكل المواطنين وللأجيال الآتية، فوق كل إعتبار.

فقد أعاد القانون (المادة 12) تكريس "الحقوق المكتسبة على المياه"، أي تلك القائمة "قبل صدور القرار 144/س تاريخ 10/6/1925 (والتي) تمارس حسب الأعراف والعادات التي بررت إقرارها طالما لم تتعارض مع مقتضيات الإدارة المستدامة للمياه". بمعنى آخر، كان القرار 144/1925 الذي أتى لتحديد الأملاك العمومية، يعترف في مادته 3 للأشخاص الذين كان لهم على ملحقات الأملاك العمومية كما حددها القرار حقوق ملكية أو تصرف أو استمتاع - بموجب العادات المتبعة أو سندات قانونية ونهائية قبل وضع القرار موضع التنفيذ –، بحق مكتسب لهم عليها. فـ"لا يمكن انتزاعها منهم إذا احوجت إلى ذلك المنفعة العمومية إلا بعد دفع تعويض عادل". وأبعد من ذلك، فوفق القرار 3339/1930 (نظام الملكية العقارية والحقوق العينية غير المنقولة)، يكون لمالك العقار في حال وجود مورد مائي ضمن عقاره، حق الوصول إليه والتمتع به[3]. كما تمنح المادة الأولى من القرار 320/1926 (المحافظة على مياه الأملاك العمومية واستعمالها) الحق لكلّ مالك أو منتفع "القيام في الأملاك الخصوصية، دون رخصة، بحفر آبار غير منفجزة لا يتجاوز عمقها 150 متراً". وعلى سبيل المثال لم تعد تتخطى مسافة عمق البئر، التي تعفي من الإستحصال على رخصة في التشريعات الفرنسية، عشرات الأمتار. وهذا ما يفسّر التنامي الهائل في أعداد الآبار الإرتوازية، حيث توجد على الأراضي اللبنانية 10 آبار في كل كيلومتر مربّع.

ويغيّب القانون أي تكريس لمبدأ حماية المياه الجوفية[4] nappes phréatiques مثلاً. بل يكتفي بالاشتراط على من يرغب باستخراج المياه الجوفية بواسطة حفر آبار ارتوازية أو بأية وسيلة أخرى الاستحصال على إذن أو ترخيص مسبق من وزارة الطاقة والمياه دون تحديد ماهية شروط الإستحصال عليها (المادة 10).

أبعد من ذلك، وبالنسبة للآبار غير القانونية – ومعلوم أن أعدادها أضعاف الآبار القانونية –، يكتفي القانون (المادة 38) بإلزام أصحابها التقدم إلى وزارة الطاقة والمياه لتسوية أوضاعهم في مهلة أقصاها سنة من تاريخ نفاذ القانون، دون وضع أية موجبات مالية أو غيرها عليهم.

من جهة أخرى، يكرّس قانون المياه في المادة 5 الحق الأساسي بالمياه، بعبارات تجرّد هذا الحق من قوته. فتنص المادة على أنه: "يقر هذا القانون الحق الأساسي لكل إنسان في الحصول على المياه اللازمة لاحتياجاته، والتي تؤمن المتطلبات الأساسية لحياة كريمة، وهذا ما يبرر إلزام المنتفعين بدفع بدلات الإشتراك عن استخدامهم للمياه". بمعنى آخر، يقترن التمتّع بهذا الحق الأساسي بمبدأ دفع بدلات الإشتراك، وهذه صيغة مستغربة جداً عند الإقرار بحق أساسي. فمن المعلوم أن لكل إنسان حقوقاً أساسية تكفلها المعاهدات الدولية وعلى الدولة تأمينها لكافة سكّانها، بغض النظر عن إدارة أكلافها والعبء في تحمّلها.

وتبتعد هذه القواعد التشريعية عن النظر إلى المياه كمورد وثروة وطنية تدخل حقيقة ضمن ملكية الدولة العمومية، وتتم إدارتها في سبيل المصلحة العامة. فتغلّب في مقاربة الحقوق على المياه، الملكية الخاصة على الملكية العامة أو المصلحة العامة.

 

ثالثاً: الخصخصة واعتماد نموذج تخطاه الزمن

ارتكز النص الأولي للقانون كما ذكرنا، والموضوع في 2005، على النموذج الفرنسي الذي ذهب في اتجاه مركزية أوسع في إدارة قطاع المياه، واعتماد الخصخصة أقلّه الشراكة بين القطاعين العام والخاص في هذه الإدارة private sector participation)). إلا أن النموذج الفرنسي هذا يُعاد النظر به اليوم. فقد باتت معظم المدن الكبرى الفرنسية تعود نحو خيار إيلاء إدارة قطاع المياه إلى البلديات بحسب د. رياشي.

ويوسّع قانون المياه (المادة 62) أشكال إسهام القطاع الخاص منها "امتياز لمنفعة عامة أو عقد إجارة أو عقد إدارة أو يكون موضوع عقد (تصميم، انشاء، استثمار وتحويل)، (BOT) و(DBOT) الخ".

كما أجازت المادة للإدارة بتفويض "مشغل عام أو خاص إدارة مرفق عام بموجب عقد، على أن تكون أتعابه في معظمها مرتبطة بنتائج استثمار المرفق".

وتكرّس المادة 25 تولي "وزارة الطاقة والمياه إبرام اتفاقيات مع القطاعين العام والخاص (...) تتناول (...) تنفيذ مشاريع استثمارية لمياه البحيرات أو الأنهر أو خزانات المياه الجوفية وسائر مصادر المياه".

إلا أنه، وفي هذا السياق، يكمن الخطر الحقيقي في النموذج الذي يعتمده تنظيم قطاع المياه بحسب د. رياشي في المعادلة التي تلتزم دولة طور النمو (كلبنان) فيها تطبيق قواعد التقشف في الإنفاق العام وإعادة هيكلة بنيوية، مقابل مساعدات وتمويل خارجيّين. والإشكالية أن التقشّف وإعادة الهيكلة تضرب أولاً الوظيفة العامة من خلال اشتراط تجميد التوظيف، في سبيل الحفاظ على قدرة الدولة المستدينة على تسديد ديونها. وهذه المعادلة مطبقة في إدارة قطاع المياه، حيث يحتاج القطاع وتحديداً المؤسسات العامة للمياه إلى 4500 موظفاً ليعمل بشكل فعّال، إلا أن عدد الموظفين اليوم لا يتعدّى 1000، يقترب متوسطهم العمري من ـ60 عاماً. فغياب العنصر البشري الكفوء هو من أبرز إشكاليات القطاع، إلا أن القانون لم يقم بشيء على هذا الصعيد[5].

 

 

رابعاً: مندرجات تفتقد إلى الفعالية

تنشئ المواد 26 وما يليها نظام مراقبة (police de l’eau) بهدف حماية الموارد المائية من التلوث. ولكن يفتقد القانون إلى أية آليات أو إمكانيات معطاة لوزارة الطاقة في سبيل وضع هذا النظام قيد النفاذ. وما يزيد قابلية الشك في فعالية هذا الجزء من القانون هو مقارنته مع المرسوم رقم 8633/2012 (أصول تقييم الأثر البيئي) الذي أنشأ بدوره نظام رصد ومراقبة لتقييم الأثر البيئي للمشاريع العامة والخاصة، إلا أنه لم يجرِ أي توظيف خلال الست سنوات الماضية لعناصر بشرية قادرة على وضعه قيد التنفيذ.

من جهة أخرى، تنشئ المادة 13 سجلاً مائياً في وزارة الطاقة والمياه، وهو بمثابة "وثيقة إدارية غير ثبوتية"، وعلى كل الإدارات العامة التابعة للدولة اللبنانية، والتي تملك قيوداً ومعطيات تتعلق بالمياه، تزويد السجل بها. ولا يوضح النص وظائف هذا السجل أو الآثار المترتبة على عدم قيام الإدارات المختلفة بتزويده بالمعلومات، مما يسمح بالتساءل حول المنفعة المرجوة من هذا السجل.

كذلك، ينشئ القانون هيئة وطنية للمياه ترتبط برئاسة مجلس الوزراء. ومن اللافت أنها تتضمّن إلى جانب وزراء ومدراء عامين مختلفين ورؤساء مجالس إدارة المؤسسات العامة للمياه، "أشخاصاً متخصصين في هذا المجال ]و[ممثلين عن البلديات وعن الجمعيات الأهلية الناشطة في مجال المحافظة على الأنشطة البيئية المائية". وتجدر الإشارة إلى أن التجاذبات أدت إلى تعديل مسودة القانون لجهة رئاسة الهيئة. وأفضت النسخة الأخيرة إلى أن يرأسها رئيس الحكومة عوضاً عن وزير الطاقة والمياه الذي يكون نائباً للرئيس (المادة 14). ودور الهيئة يقتصر على كونِه استشاريا بحت (المادة 15).

 

خامساً: ترك الباب مشرّعاً أمام استراتيجية بناء السدود

بحسب د. رياشي، استندت استراتيجية قطاع المياه منذ تأسيس الدولة اللبنانية على فكرة بناء السدود. وهذا الخيار يجد تفسيرا في كون الجهات المانحة غالباً ما يهمّها بالدرجة الأولى تمويل مشاريع تعود بالربح عليها، عبر تشغيل مهندسيها وأخصائييها.... والاستراتيجيات المتوالية الأخيرة في وزارة الطاقة والمياه، من الخطة العشرية التي أقرّت في 2000 والتي وضعها مدير عام وزارة الطاقة فادي قمير، إلى استراتيجية 2012 التي وضعها وزير الطاقة السابق جبران باسيل، ليست سوى استعادة لهذا الفكر الذي يعتمد مبدأً وحيداً ألا وهو: تشييد السدود لتخزين المياه.

وخيار السدود في لبنان هو قابل للانتقاد وفق عدد من الخبراء الذين تم الاستماع إليهم للأسباب الآتية:

  • الطبيعة الجيولوجية للبنان المكوّن بشكل رئيسي من صخور كارستية (karstique)[6]، وهي صخرة متفسخة تخزّن بطبيعتها الكثير من المياه. وهذه الطبيعة الجيولوجية هي سبب أهمية الثروة الجوفية اللبنانية، وفي الوقت عينه، سبب عدم جدوى بناء سدود على أرض نافذة للمياه. من هنا الحاجة عند بناء أي سدّ إلى عزله بالإسمنت مما يؤدي إلى أكلاف إضافية. كما تتسيّب طبيعة الأرض اللبنانية هذه بتسرّب المياه من أي سدّ يشيّد. فمثلاً، تتسرّب المياه من سدّ شبروح بما يتراوح بين 200 إلى 400 لتر/الثانية.
  • كما أن التحجج ببناء السدود كحلّ للتغيّر المناخي والجفاف غير متناسب البتة وينتج نتائج عكسية، حيث يستند السد على تجميع مياه الأمطار، إلا أن أثر التغيّر المناخي الأول هو إنحسار الأمطار.
  • والأهم أن لبنان ليس بحاجة إلى تخزين مياه، بل هو بحاجة إلى إدارة سليمة لمياهه الجوفية، مع توزيع فعال لخزانات مياه على كل مساحته، وإصلاح شبكة المياه، والعمل على تكوين طاقات بشرية كفوءة. فمخزون لبنان بالمياه الجوفية مهم جداً، إذ أن طاقة لبنان بتخزين المياه هائلة (واللافت أنه لم يتم وضع دراسات كافية لتحديد هذه الأرقام إلى اليوم). فيوجد أكثر من 50 خزان مياه جوفية. ولم يتضرّر سوى خزانين منها (رقعة البقاع التي جفّت والرقعة الساحلية التي تداخلت معها المياه المالحة البحرية).

واللافت أن الحل المتناسب مع الطبيعة الجيولوحية للبنان غير مكلف بتاتآً، على عكس "حل السدود". فالمياه التي تُجمع عن طريق السدود غير قابلة للاستخدام مباشرة، بل تحتاج إلى المعالجة، وإذاً إلى أكلاف إضافية.

  • ويبقى أن التفكير ببناء السدود ينبع عن تفكير أحادي في مقاربة قطاع المياه، يذهب في الإتجاه المعاكس لمبدأ الإدارة المتكاملة والشاملة للموارد المائية (الذي نوسّعه أدناه). فلا يجيب بناء السد سوى على إشكالية واحدة وهي تكوين مخزون كاف للمياه في منطقة معيّنة، دون ربط هذا الهدف برؤية متكاملة. فلا بدّ من ربط هدف تكوين مخزون مائي بترشيد استخدام استهلاك المياه، وباعتماد مبدأ تناسب تنمية منطقة ما مع مواردها الطبيعية[7]، أو اعتماد تعدد مصادر الموارد المائية كي لا يتم استنزاف أحد المصادر.

 

  • بعض المبادئ الإيجابية التي يكرّسها القانون

حقّق القانون بحسب بعض الأخصائيين الذين قابلتهم "المفكرة" بعض المكاسب أبرزها:

 

أولاً: تكريس مبدأ "الإدارة المتكاملة، الشاملة والمستدامة" للموارد المائية

أكد كل من د. بارود وم. حوا أن أهمية قانون المياه تكمن في تكريس مبدأ "الإدارة المتكاملة، الشاملة والمستدامة" لقطاع المياه.

ويشير حوا إلى أن هذا المبدأ يُترجم على مستويين:

  • أولاً، ربط جميع القطاعات المؤثرة على المياه ببعضها. وأبرز مثال على ذلك ربط قطاع تكرير مياه الصرف الصحي، وقطاع إنتاج الطاقة بقطاعي استخدام المياه والري.
  • ثانياً، خلق وحدات جغرافية مترابطة غير متجزئة حول مورد مياه معيّن، يتعاون ضمنها أصحاب المصالح المختلفون المعنيون بهذا المورد من إدارات عامة وشركات وأفراد.

ولعلً إنشاء المؤسسات العامة الإستثمارية للمياه الأربعة بموجب القانون 221/2000، من الخطوات الأولى نحو تطبيق مبدأ الإدارة المتكاملة لقطاع المياه. فقد وحّد القانون ضمن هذه المؤسسات العامة الأربعة (بقاع-شمال-جنوب-وبيروت وجبل لبنان) مؤسسات المياه الفرعية التي كانت تعمل قبل إنشائها وكان يصل عددها إلى حوالي 200، مع الإبقاء على المصلحة الوطنية لنهر الليطاني[8]. إلا أن الإشكالية تكمن هنا بحسب حوا، في المعيار الذي اعتمد في توزيع هذه المؤسسات. فتم اعتماد معيار إداري جغرافي (المحافظات المختلفة) وليس معيار تواجد المورد المائي الذي تتشكّل حوله أطر التعاون بين أصحاب المصالح المختلفين. ولعلّ نموذج إدارة نهر الليطاني هو الأفضل في هذا المجال. أما الإشكالية الثانية فهي في تمتّع هذه المؤسسات باستقلالية مادية حقيقية، تسمح بإدارة فعالة للموارد المائية[9].

وفي اتجاه الإدارة المتكاملة، أتى القانون 377/2001 الذي عدّل القانون 221/2000 ليربط قطاع الصرف الصحي بالقطاعات الأخرى أي الشرب والري، ويضيف إدارة هذا القطاع إلى صلاحيات المؤسسات العامة الإستثمارية للمياه.

استعاد قانون المياه أحكام القانون 221/2000 وتعديلاته (المادة 61). وكرّست المادة 17 صراحة مبدأ الإدارة المتكاملة، حيث نصّت على أن: "تقسم الجمهورية اللبنانية إلى أحواض ومناطق مائية أو إدارية ويتم تقييم الموارد المائية لكل منها والتخطيط لتنميتها واستخدامها كوحدات قائمة وغير قابلة للتجزئة وتنظم على أساس مبدأ تكامل إدارة الموارد المائية بما يتفق مع توجهات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمحافظة على البيئة."

 

ثانياً: تقديم أرضية لملاحقة ملوّثي الموارد المائية

ساهمت مواد عدّة من القانون في توسيع صلاحيات المؤسسات العامة للمياه ومنها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، خاصة في مكافحة التلوث. وباشرت "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني" بالفعل من الاستفادة من قانون المياه[10] في هذا المجال.

فتعطي المادة 86 من القانون الصلاحية للمؤسسات العامة للمياه بالسهر على حماية المياه والنظم البيئية المائية، كما المحافظة على الأوساط المائية (المادة 87). وتسمح المادة 102 للمؤسسات الاستثمارية العامة للمياه، كلا ضمن نطاقها، تكليف الضابطة العدلية تثبيت المخالفات لأحكام هذا القانون بموجب محاضر ضبط، من خلال "الدخول إلى محيط وإلى أبنية التجهيزات والمنشآت والاستثمارات والمؤسسات المشكوك فيها؛ الكشف على كل التجهيزات والمنشآت والآلات والمستودعات؛ الحصول على كل الوثائق المتعلقة بالتجهيزات والنشاطات ذات الصلة؛ أخذ العينات واتخاذ التدابير الضرورية".

وتضع المادة 89 على "مالك العقار المجاور لضفة (نهر) تأمين حسن الاعتناء بالضفاف والمحافظة على الحياة النباتية والحيوانية ضمن احترام توازن النظم البيئية المائية"، وهو موجب يسمح بتأمين أرضية لملاحقة ملوثي الأنهر، خصوصاً نهر الليطاني.

كما ساهمت المادة 30 بحسب علوية، في فضّ المهل الطويلة التي كان أعطاها وزير البيئة الأسبق محمد المشنوق للمنشآت الصناعية لتسوية أوضاعها أي للتقيد بأحكام قانون البيئة. فقد نصت المادة على إمهال المؤسسات 6 أشهر فقط من تاريخ نفاذ القانون لتسوية أوضاع منشآتهم بما يتفق وأحكامه تحت طائلة سحب التراخيص الممنوحة لهم سابقاً، علماً أن مهل المشنوق كانت تصل إلى العام 2020.

وأعاد القانون تكريس تطبيق قانون البيئة 444/2002 لا سيما مبدأ "الملوث يدفع" pollueur-payeur.

 

ثالثاً: المكاسب الأخرى للقانون

أنشأ القانون جمعيات مستخدمي مياه الري (المادة 78)، ولهذه الجمعيات بحسب القانون "شخصية معنوية مستقلة لا تبتغي الربح وهي ذات منفعة عامة”. وتوسّع المواد 79 إلى 82 من القانون ماهية وأهداف نشاطات الجمعية، كما المبادئ الأساسية التي تلتزم بها. وتلحظ المادة 83 إمكانية إنشاء اتحاد جمعيات مستخدمي مياه الري "بهدف إدارة شبكة النقل/الجر، أو جزء منها، من أجل تنسيق توريد مياه الري إلى جمعيتين للمياه أو أكثر". وتسهم هذه الجمعيات في إيجاد أرضية تعاون بين أصحاب المصالح المختلفين. والجدير بالذكر أن مثل هكذا اتحاد قد ينشأ بحسب القانون طوعياً أم "حكماً بموجب قرار من وزارة المياه والطاقة".

على صعيد تعزيز الشفافية، يستعيد القانون (المادة 84) أحكام القانون 221/2000 وتعديلاته ويلزم المؤسسات العامة للمياه كل ضمن نطاقها الجغرافي، إعداد تقرير سنوي عن مرافق المياه التي تخضع لنطاقها الجغرافي. كما تفرض المادة 85 على وزير الطاقة والمياه وضع تقرير عام سنوياً يتناول أوضاع الإدارة المستدامة للمياه.

ختاماً، لا بدّ من الإشارة إلى أهمية استصدار المراسيم التطبيقية للقانون، كي لا يبقى حبراً على ورق خصوصاً في مسألتي تفعيل مبدأ الإدارة المتكاملة للموارد المائية وملاحقة ملوّثيها.

 

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟

 


[1]  بري رفع الجلسة التشريعية لمجلس النواب: إقرار قانون المفقودين قسرا وعقد تشغيل كهرباء زحلة بإدارة كهرباء لبنان، الوكالة الوطنية للإعلام، الإثنين 12 تشرين الثاني 2018 https://goo.gl/DpU6Dz.

[2] أنظر أيضاً إلى التشريعات الأخرى التي تشير إليها الأسباب الموجبة للقانون.

[3] المواد 11 إلى 13.

[4]  لم يصدر سوى قرار واحد بحماية المياه الجوفية رقم ٢٥٢٨/١٩٩٦ متعلق بجل الكنيسة، وقد تم إلغاء القرار في ال٢٠٠١.

[5] توجد عشرات محطات تكرير مياه الصرف الصحي غير المستخدمة. وهنا يبرُز انعدام الرؤية في مقاربة الإصلاح الضروري في قطاع المياه. فتُرصد أموال لبناء محطات تكرير دون وجود العنصر البشري القادر على تشغيلها. ومن المعلوم أن قطاع الصرف الصحي من أهم وأدق القطاعات نظراً لارتباط تردّداته على البيئة والصحة العامة.  

يتشكّل منها كل جبل لبنان. [6]

[7] اعتماد تنظيم مدني يحترم الموارد الطبيعية الموجودة في منطقة جغرافية ما ومنع تنامي البنيان العمراني بشكل لا يتناسب مع موارد المنطقة الطبيعية مثلاً

[8] إلا أن بعض الخبراء انقد الإقصاء الكامل لمؤسسات المياه الفرعية التي كانت تتمتع بخبرات محلّية واسعة، وكانت لتلعب دوراً مهمّاً في التعاون القائم بين أصحاب المصالح المختلفين فمورد مائي معيّن

[9] يذكر هنا رئيس مصلحة الليطاني أن المصلحة استفادت من مبدأ التوازن المالي عبر الحصول على "قرار من مجلس إدارة المصلحة وتم تصديقه في وزارة الطاقة ووزارة المالية، فتم رفع تعرفة الري في مشروع الري الذي تديره المصلحة، وسيبدأ تطبيقه في الـ2020.

[10] بحسب مدير المصلحة الوطنية لنهر الليطاني المحامي سامي علوية، والذي استلم منصبه في 26 آذار 2018، جرى الادعاء على أكثر من 70 مؤسسة صناعية على مجرى النهر، وحُولت ملفات تلك المؤسسات إلى القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف.