أصدر رئيس النيابة العامة بالمغرب التقرير السنوي الثاني لأداء المؤسسة وهو التقرير الذي يتكون من حوالي ثلاثمائة صفحة، ويضم بابا تمهيديا يتعلق بتكريس استقلال النيابة العامة ومواصلة جهود التأسيس، إلى جانب بابين، خصّص الأول منهما لسير النيابة العامة، والثاني لتنفيذ السياسة الجنائية.

وكان لافتا في هذه المبادرة أن التقرير نشر بموقع رئاسة النيابة العامة في إطار حرص المؤسسة على النشر الاستباقي للمعطيات تفعيلا لقانون الحق في الحصول على المعلومة. كما أن خطوطه العريضة قدمت أمام عدد من البرلمانيين أعضاء لجنة العدل والتشريع بمناسبة زيارة قاموا بها إلى مقر النيابة العامة مؤخرا في خطوة تحمل دلالات عميقة.

كما تضمن التقرير معطيات على درجة كبيرة من الأهمية تخص العراقيل التي واجهت هذه المؤسسة الجديدة في عملها لا سيما في الشقّ المتعلق بالتنسيق بينها وبين وزارة العدل. إلى ذلك، أشار التقرير إلى الاشكاليات الأخرى المتعلقة بعدم تحيين الإطار القانوني ومعضلة الاستقلال الإداري والمالي، فضلا عن مشكل اللوجستيك حيث تضمن التقرير ولأول مرة تسليط الضوء على اشكالية تمكين النيابة العامة من الولوج إلى المعطيات المعلوماتية .

إشكاليات أولية واجهت تجربة استقلال النيابة العامة

 

1- الاستقلالية صفة ملازمة لطبيعة المهمة بمعزل عن الصفة الإدارية للقائم بها؟

فضلا عن مشكل الخصاص، أشار التقرير إلى معضلة تبعية الموارد البشرية العاملة في النيابة العامة بالمحاكم من غير القضاة إلى وزارة العدل. فبإمكان هذه التبعية أن تؤدي إلى المساس باستقلال القضاء، لأن "طبيعة المهمة هي التي تحدد وصفها بغضّ النظر عن الصفة الإدارية للقائم بها". وقد أكد التقرير أن موظفي المحاكم وكتابات النيابة العامة يقومون بمهام قضائية، ويساهمون في إنجاز قرارات ذات طبيعة قضائية، كمسك السجلات والمراسلات المتضمنة للتعليمات السرية الموجهة إلى الشرطة القضائية، وحضور الاستنطاقات.

ورغم أن بعض موظفي المحاكم يقومون بمهام إدارية صرفة من قبيل التدبير المالي للمحاكم، أو الإشراف على البنايات والتجهيزات وتوريد الخدمات، فإن قرار المجلس الدستوري بشأن قانون التنظيم القضائي اعتبرها "مندرجة بطبيعتها في مهام السلطة القضائية"، نظرا لتأثيرها المباشر في الخدمات القضائية.

 

2- نقص الاستقلال المالي يعيق تنفيذ البرامج:

أكد التقرير أن الاستقلال المالي لرئاسة النيابة العامة لا يسري على النيابات العامة بالمحاكم، والتي ما تزال مواردها المالية مسجلة ضمن موازنة وزارة العدل. علما بأنه لا يوجد أي مقتضى قانوني أو تنظيمي يحدد مشاركة السلطة القضائية في وضع برامج صرف الميزانية أو تحديد آجال إنجازها، وهو ما يجعل رئاسة النيابة العامة "عاجزة بالمطلق عن تنفيذ برامجها القضائية التي تتطلب نفقات".

وخلص التقرير إلى أنه "رغم الجهود التي ستبذلها رئاسة النيابة العامة في المستقبل، فإن غياب الاستقلال المالي لمصالحها الخارجية التي تظل تابعة لوزارة العدل سيؤدي إلى تعثر تنفيذ البرامج المتوقفة على نفقات مالية لدى النيابات العامة"، لا سيما بسبب غياب آلية مشتركة للتنسيق.

 

3- غياب التنسيق مع السلطات:

أشار التقرير إلى مشكلة غياب التنسيق والتعاون بين السلطات المعنية وأثر ذلك على العمل القضائي، مستدلا على ذلك بعدة أمثلة، من بينها صدور مرسوم التنظيم القضائي دون التنسيق مع مؤسسات السلطة القضائية. وهو ما أحدث اضطرابا في سير بعض الاجراءات القضائية، حيث تم تغيير الاختصاص المحلي لعدد من المحاكم دون إشعار المسؤولين القضائيين بذلك. فضلا عن أن عددا من المحاكم المستحدثة مؤخرا لا تتوفر على سجن قريب رغم أنها أصبحت ملزمة بعقد جلسات للمعتقلين. وهو ما تطلب البحث عن حلول استثنائية، ولكنها محفوفة بالمخاطر (نقل المعتقلين احتياطيا من السجن إلى مقرات المحاكم ذهابا وإيابا لمسافات تزيد عن 340 كلم).

 

4- مشكل التواصل الإعلامي وغياب جهات تدافع عن السلطة القضائية على المستوى المجتمعي:

أشار التقرير إلى أن بعض النقاشات التي أثيرت بمناسبة مناقشة قانون نقل الصلاحيات بين وزير العدل والوكيل العام للملك بمحكمة النقض، جعلت صورة النيابة العامة تتأثر لدى الرأي العام، حتى قبل نقل السلط اليها. ومردّ ذلك هو الحديث عن ميلاد مؤسسة تتسم "بالتغول"، ولا تخضع للمساءلة والمحاسبة الدستورية. وهو ما ولد لدى المواطنين-بحسب التقرير- شعورا بوجود خطر، زاد من تعميقه عدم وجود أصوات تفسر بنفس الحماس حقيقة المؤسسة وحدود صلاحيتها، وخلص التقرير إلى وجود ثغرة في بناء السلطة القضائية المستقلة، تتجلى في غياب جهات يمكنها الدفاع عن هذه السلطة على المستوى المجتمعي، وتصحيح المعطيات الخاطئة المتداولة عبر الوسائط الاجتماعية.

 

رئاسة النيابة العامة تقدم رأيها الاستشاري حول مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية

أشار تقرير رئاسة النيابة العامة إلى أنها قدمت رأيها الاستشاري حول مشروع تعديل قانون المسطرة الجنائية، واعتبرت أن عددا من المهام المسندة لوزير العدل، "توجد في تماس مباشر مع مهامها"، وتلامس في العمق استقلال السلطة القضائية.

وقد تمحور هذا الرأي بالأساس حول المادة 2-52 من المشروع، والتي تنص على أنه:

"يبلغ وزير العدل كتابة المضامين العامة للسياسة الجنائية إلى رئيس النيابة العامة؛

يحيط رئيس النيابة العامة الوزير علما بالاجراءات المتخذة بشأن تنفيذ السياسة الجنائية المبلغة اليه؛

يحيل الوزير إلى رئيس النيابة العامة ما يصل إلى علمه من جرائم. وعلى رئيس النيابة العامة أن يشعره بالاجراءات المتخذة بشأن ذلك؛

توجه نسخة من تقرير رئيس النيابة العامة المشار إليه في المادة 110 من قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى وزير العدل..".

واقترحت رئاسة النيابة العامة تعديل عبارة "يبلغ وزير العدل" الواردة في المادة 2-51 من المشروع بعبارة "تشعر الحكومة" رئيس النيابة العامة بمجالات السياسة العمومية التي يتطلب تنفيذها تدخل السياسة الجنائية أو التنسيق معها، وذلك إعمالا لمبدأ التعاون بين السلطات. وقد ركز الرأي الاستشاري على أهمية التأكيد على أن عملية "الإشعار" لا تعني "إصدار تعليمات أو توجيهات تمس بمبدأ استقلال السلطة القضائية".

واعتبر الرأي الاستشاري أن الصياغة المتعلقة ب "إحالة وزير العدل إلى الوكيل العام للملك ما يصل إلى علمه من جرائم ليتخذ بشأنها ما يراه، ويشعر الوزير بالاجراءات المتخدة"، تلامس عن قرب استقلال القضاء، لأنها تأكيد للصياغة الحالية للمادة 51 من قانون المسطرة الجنائية، التي كانت تعطي لوزير العدل سلطة على أعضاء النيابة العامة، والتي تم نقلها إلى رئيس النيابة العامة بمقتضى المادة 2 من قانون 17-33. كما أن صياغة هذه الفقرة ستعطي لوزير العدل احتكار مخاطبة النيابة العامة باسم الحكومة، في مجال التبليغ عن الجرائم ولو كانت تدخل ضمن اختصاص وزارات أخرى.

وبخصوص الفقرة المتعلقة بإحالة نسخة تقرير رئيس النيابة العامة على وزير العدل، فقد اعتبرها الرأي الاستشاري "تجاوزا للحدود الدستورية المنصوص عليها في المادة 110 من قانون المجلس". فبموجب هذه المادة، سبق تنظيم التقرير في القانون التنظيمي المذكور، حيث نص أنه "لا يعد اجراء مسطريا ضمن مجال قانون المسطرة الجنائية". فضلا عن أن قرار المجلس الدستوري أكد على الطابع العمومي للتقرير والذي لا يتعلق فقط بالسياسة الجنائية، وإنما يتضمن أيضا "سير النيابة العامة، وهي جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية المستقلة".

 

التوصيات العاجلة

اختتم تقرير رئاسة النيابة العامة بتقديم مجموعة توصيات عاجلة، تهمّ ضمان استقلال هذه المؤسسة، وحسن سيرها، وتنفيذ السياسة الجنائية.

فمن جهة أولى اعتبر التقرير أن ترسيخ استقلال النيابة العامة يحتاج إلى:

-توفير الإطار القانوني والتنظيمي المناسب لاستقلالها الإداري والمالي، أو على الأقل ضمان تنفيذ الجهة الإدارية المسؤولة، للبرامج المادية والمعلوماتية اللازمة بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة في مرحلتي الوضع والتنفيذ؛

-وضع معهد تكوين القضاة تحت الإشراف المباشر للسلطة القضائية، مع إيجاد إطار واضح لإشراف رئاسة النيابة العامة على التكوين التخصصي والمستمر لأعضائها.

أما بخصوص التوصيات المتعلقة بحسين سير النيابة العامة، فقد طالب التقرير:

-ضرورة تعديل المادة 54 من قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية لجعل رئاسة النيابة العامة معنية مباشرة بالتنسيق في مجال الإدارة القضائية فيما يرجع لاختصاصاتها الى جانب المجلس ووزارة العدل؛

-رفع الموارد البشرية المرصودة لها، بتعيين 600 قاض خلال السنوات الثلاثة المقبلة، مع مراعاة أن يمثل عدد قضاة النيابة العامة ثلث عدد قضاة الحكم، لتلافي مشكل الخصاص الكبير الموجود؛

-توفير وسائل العمل للنيابة العامة لقيامها بمهامها خاصة وسائل النقل، والبرامج المعلوماتية اللازمة لأداء النيابات العامة، وربطها برئاستها لتتمكن من تتبع سير العمل ومراقبة تنفيذ السياسة الجنائية؛

 

وفي هذا السيياق أوصى التقرير أيضا:

-التعجيل بإصدار النصوص القانونية المتضمنة لبدائل الاعتقال الاحتياطي وللمحاكمات عن بعد؛

-وضع إطار ملائم لنقل السجناء أمام الهيئات القضائية؛

-توفير الأماكن اللازمة لإيواء المعتقلين المحكوم بإيداعهم بمؤسسات الأمراض العقلية بسبب الحكم بانعدام مسؤوليتهم الجنائية؛

-الزيادة في عدد قضاة الحكم حتى يتسنى تخصيص جلسات يومية للبت في قضايا المعتقلين احتياطيا.

 

 

مواضيع ذات صلة:

مشروع قانون مستعجل ينظم عمل النيابة العامة في المغرب

البرلمان يصادق على قانون جديد ينظم عمل النيابة العامة في المغرب

رسمياً النيابة العامة بالمغرب مستقلة عن وزارة العدل: رئيس النيابة العامة الجديد يعلن عن ملامح السياسة الجنائية

رئاسة النيابة العامة في المغرب: مسار قانون مثير للجدل

بداية تواصلية لرئاسة النيابة العامة في المغرب: أي آفاق للاستقلال؟

المفكرة تحاور النائب العام بالمغرب: استقلال النيابة العامة عن الحكومة لا يضعها بمنأى عن المساءلة

اختبار قضائي جديد في المغرب: النيابة العامة تضع تقريرها الأول حول تنفيذ السياسة الجنائية