شهد تاريخ الحركة العمالية في لبنان قبل الحرب (1975-1990) الكثير من الصراعات مع الدولة من جهة وأصحاب العمل من جهة أخرى. وكان أبرزها على الإطلاق المعركة التي خاضها العمال في وجه السلطة لوضع قانون ينظم العمل. وقد استلزم هؤلاء سنوات طويلة من النضال على منابر القضاء وفي الشارع لكي ينجحوا أخيراً في إرغام مجلس النواب على إقرار قانون العمل عام 1946. وبلغت هذه المواجهات ذروتها في أوائل السبعينيّات على خلفية المطالبة بتعديل المادة 50 من قانون العمل التي تنظم شروط صرف الأجراء. وتركّزت أبرز المواجهات حول أزمة معامل غندور في العام 1972 التي دفعت إلى إقرار التعديل على المادة 50 في العام 1975.

نعود في هذا العرض إلى هذه المحطات الثلاث التي سبق لـ"المفكرة" أن ألقت الضوء عليها في أعداد سابقة. والهدف التذكير بنضالات العمال الذين تمكّنوا من تحقيق أهدافهم ولو منقوصة أحياناً في وجه سلطة تمسّكت دوماً بسياساتها التهميشية لحقوقهم. وقد اضطر العمال غالباً للمساومة على حلّ وسط على اعتبار أنّه الحل الأقل ضرراً نظراً للظروف السائدة آنذاك، فيما نجحت السلطات الإقتصادية والسياسية في الحفاظ على مكتسباتها من خلال تعزيز الانقسامات بين العمّال أو المماطلة في تنفيذ وعودها بغية تمرير قوانين تحمي سياساتها الاقتصادية وتعزز مكتسباتها. 

 

إقرار قانون العمل عام 1946[1]

منذ نشوء لبنان الكبير عام 1920، تذرعت السلطات، بدعم من أصحاب الرساميل، بـ"خصوصية لبنان" لتهميش حقوق العمال ووضع حد للحركات النقابية من خلال عرقلة تراخيص النقابات أو احتجاز أعضائها أو ملاحقتهم أمام المحاكم. ولجأت هذه الحركات إلى استراتيجيات جديدة سواء في القضاء أو من خلال الشارع. وقد نجحت في نهاية المطاف في إرغام المجلس النيابي على إقرار قانون العمل عام 1946. ومما لا شك فيه أن إقرار هذا القانون جاء لتخفيف غضب العمال بعد توالي الإضرابات، علماً أن ذلك الحراك غالباً ما سعى إلى استثمار الحراك الاستقلالي، وخصوصاً فيما يتّصل بحقوق الأجراء العاملين في الشركات الأجنبية.

بدأت هذه الحركات بالتبلور مع تأسيس حزب العمال العام في 1 أيار 1921 ولكنه لم يحظَ بالتأييد الكافي. تلاه إنشاء لجنة التنظيم النقابي عام 1925 التي روّجت عبر مجلة "العمال" لمطالب هؤلاء. ورغم التقييد القانوني، بدأ العمال بالتجمّع ضمن نقابات، أولها نقابة عمال زحلة التي اهتمت بتأمين المساعدة القانونية للعمال بواسطة محامين، بخاصة بعد حملات القمع التي طالت الحراكات، من قبل سلطات الانتداب الفرنسي.

وبالفعل، لعب القضاء دوراً هاماً خلال تلك الفترة فأصدر أحكاماً، أولها في عام 1930، شكلت حافزاً لإنشاء اللجان الخاصة بتنظيم الطبقة العاملة. ودفعت هذه القرارات العمال إلى الادعاء أمام القضاء بهدف تكريس حقوقهم في مواجهة أرباب العمل (وتحديداً الشركات الأجنبية). فأصبحت المحاكم أحد المنابر الأساسية التي يعتليها العمال للدفاع عن مشروعية قضاياهم.

وأدّت جهود العمال إلى تأسيس "لجنة النقابات" في عام 1938 التي حاولت إيصال مطالبها إلى الحكومة والبرلمان. كما فرضت نفسها في قضايا التحكيم كفريق في النزاع. وحققت أول إنجازاتها في عام 1941 من خلال صدور مرسومين شكلا بداية تشريعات العمل في لبنان: الأول وضع مبدأ الحد الأدنى للأجور، فيما آل الثاني إلى إقرار التعويضات العائلية. وقد جدد المرسوم التشريعي الصادر سنة 1943 الالتزام بمبادئ جوهرية منها الحد الأدنى للأجور والمساواة بين المرأة والرجل في الأجر والاستفادة من التعويضات العائلية. كما صدر قانون سنة 1944 والذي قضى بزيادة الرواتب.

توالت الإضرابات منذ مطلع الأربعينيّات، فأنشأ العمال "لجنة الإضراب" التي أوكلت إليها مهام التنظيم والتفاوض مع الشركات والحكومة. وبرز إضراب عمال معمل الصوف في الحازمية الذي امتد حوالي أربعة أشهر (من تموز حتى تشرين الثاني 1945) بعدما هدد أصحاب العمل العمال بالطرد لمنعهم عن إنشاء جمعية كانوا قد بدأوا بتأسيسها.

كما أضرب الأجراء في الشركات الأجنبية لإلزام هذه الأخيرة بتطبيق قانون الأجور عليهم، بما فيها الزيادات على الرواتب والتعويضات العائلية. وقد استند هذا التحرك على حكم قضائي صدر عن محكمة العمل في 3 أيار 1946، وعرف بحكم "حسن الدرزي". وكان هذا الأخير قد تقدّم بدعوى لإلزام شركة "كهرباء بيروت" بتطبيق القانون اللبناني وتاليا بدفع راتبه الشهري مع الزيادات المنصوص عليها في قانون 1944. وقد انتهى الحكم إلى إلزام الشركة بتسديد حقوقه الناجمة وفق قانون الحد الأدنى للأجور فضلا عن إلزامها باحترام حقه بالاستراحة المدفوعة مدة أربعة أيام في الشهر مع الأجر الكامل لهذه المدة. كما يستدل منه أنه ألزم الشركة بدفع الأجور عن أيام الإضراب.

وسرعان ما أضرب عمال شركة كهرباء بيروت مطالبين بتعميم وجهة الحكم عليهم جميعا. ورغم تقديم الدولة طعناً ضد الحكم المذكور بصفتها شخصا ثالثاً، استدعت الشركة ممثلي العمال وتعهدت بزيادة الأجور. وفي اليوم التالي أضرب عمال سكة الحديد والمرفأ، وطالبوا الإدارة بتطبيق حكم الدرزي عليهم. وعليه، فقد تمكن العمال، بفعل هذا الحكم، باستعمال القانون كسلاح للحصول على حقوقهم بعدما كان يستخدم للانتقاص منها. وتجدر الإشارة إلى أن عام 1946 شهد تأسيس الاتحاد العمالي بعد جلاء الجيوش الفرنسية عن لبنان.

وفي 19 أيار من العام نفسه، أعلن عمال الريجي الإضراب مطالبين الحكومة بتنفيذ حكم الدرزي عليهم أيضاً. ووقع حادث في أواخر حزيران بين العمال وقوى من الأمن أدّى إلى مقتل "شهيدة الطبقة العاملة" وردة بطرس إبراهيم.

ومع اشتداد الأزمة، باتت المعركة الأساسية بالنسبة إلى الإتحاد العمالي إقرار قانون العمل. قدمت الحكومة مشروع قانون رفضه الإتحاد والنقابات، إذ وُضع من دون استشارتهم. فعادت الحكومة وسلمتهم نسخة عنه لإبداء الرأي. وعليه، اجتمع ممثلو النقابات ضمن لجان لدراسة المشروع ورفضوا تكريس القانون "للجمعيات" بدل "النقابات" وتمكّنوا من تعديله لهذه الجهة. وكانت أبرز انتقاداتهم تتمحور حول عدم تفريق القانون بين الشركات الكبيرة وأرباب العمل محدودي الدخل. كما انتقدوا المفعول الرجعي لتعويض ترك العامل لعمله. ولكن تخوّف الاتحاد من المماطلة في المناقشات النيابية وضياع حقوق العمال، جعله يطالب بإقرار القانون سريعاً فصدر بصيغته النهائية في 23 أيلول 1946.  

 

أزمة معامل غندور عام 1972[2]

شهدت العلاقة بين أصحاب العمل والعمال منذ إقرار قانون العمل مواجهات عديدة بلغت أوجها في بداية السبعينيّات. ففي تلك الفترة، لجأ أصحاب العمل إلى المادة 50 من قانون العمل التي تسمح "لصاحب العمل أن يصرف أياً من أجرائه"، لصرف عدد كبير من العمال تعسفياً. وقد طالت أبرز حالات الصرف هذه موظفي معامل "غندور للبسكويت والحلويات" في نهاية عام 1972، مما أدّى إلى نشوب أزمة طويلة بين إدارة "غندور" والعاملين لديها.

قرر عمال "غندور" تشكيل لجنة لمطالبة الإدارة بزيادة الأجور ووضع حدّ للصرف التعسفي والسماح لهم بالانتساب إلى "نقابة عمال السكاكر والبقالة" بعدما عمد أصحاب العمل إلى طرد كل عامل ينتسب إليها. لم تحقق المفاوضات أي نتيجة، مما دفع العمال لإعلان الإضراب في 3 تشرين الثاني 1972. وترافق الإضراب مع تقديم شكوى لوزارة العمل والشؤون الإجتماعية من أبرز بنودها: "عدم صرف أي عامل بعد إنتهاء الإضراب، دفع زيادة غلاء المعيشة وإعطاء زيادة دورية، السماح للعمال بالإنتساب لنقابة عمال السكاكر، منع الحسم الكيفي من أجور الساعات الإضافية التي تعتبر الساعة بساعة ونصف، جعل الإجازة السنوية 17 يوماً، دفع أجور أيام الإصابات بطوارئ عمل، إعطاء عمال معمل الشويفات أجور نقل وإلغاء أساليب الإكراه على العمل التي تخالف أحكام قانون العمل اللبناني". كما نظموا تظاهرات، أهمها في 11 تشرين الثاني حين تجمّع حوالي 500 عامل أمام فرع الشركة في الشياح محاولين إقناع زملائهم بالإنضمام إلى الإضراب. طوّقت قوة من الدرك المعمل، ما أدّى إلى وقوع صدامات دموية قُتل فيها شخصان وسقط عدد من الجرحى من الطرفين.

في المقابل، تجاهلت حكومة الرئيس صائب سلام الأزمة، ما دفع الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية إلى الدعوة إلى تظاهرة في 13 تشرين الثاني شجباً "للمجزرة الوحشية" كما وصفوها. عندها قررت الحكومة التدخل؛ ليس لحلّ الأزمة بل لمنع قيام التظاهرة. واتّهمت أطرافاً خارجيةً بافتعال الحادث الذي لم ترَ فيه سوى محاولة للإنقلاب عليها، متجاهلة بالتالي كافة مطالب العمال. من ناحيتها، أصدرت إدارة "غندور" بياناً صرّحت فيه بأنها طردت بعض العمال من باب الضرورة التي تفرضها مصلحة العمل نفسه. كما أكدت أنها تؤمّن جميع حقوق الموظفين بعكس ما يدّعون. ولكن رغم حظر الحكومة للتحرّك، سار أكثر من 15 ألف مواطن في بيروت غير مكترثين بالحظر.

من جهته، أعلن الإتحاد العمالي العام تنفيذ إضراب شامل ليوم واحد في 14 تشرين الثاني. ولاقته الأحزاب اليسارية في طرابلس وصيدا وطلاب الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف. وشمل الإضراب أيضاً المصالح المشتركة (الكهرباء، المياه، النقل المشترك، المرفأ، الضمان الإجتماعي، الريجي) بالإضافة إلى القطاع الإعلامي والطباعي.

أمام تسارع الأحداث، إجتمع مجلس النواب في 16 تشرين الثاني وحمّل الحكومة مسؤولية وقوع "المجزرة" كونها لم تضغط على أصحاب العمل لتحقيق مطالب العمال التي اعتبرها مشروعة. عندها، وتحت وطأة الضغط الشعبي والسياسي، طلب سلام من وزير العمل كاظم الخليل التفاوض مع أصحاب "غندور" لإنهاء الأزمة.

وعلى الفور، كلّف الخليل لجنة خاصة مؤلفة من ممثلين عن وزارة العمل والإتحاد العمالي العام وإدارة "غندور" بزيارة المعامل ووضع تقرير حول أوضاع العمال ومطالبهم. وفي موازاة ذلك، أعلنت الإدارة إعادة فتح أبواب المعامل أمام العمال كافة.

ولكن الأمور إنفجرت مجدداً في 14 كانون الأول حين أعلنت إدارة شركة "غندور" إقفال معملي الطيّونة والشويفات بعد دفع التعويضات القانونية للعمال واستمرار العمل فقط في معمل كفرشيما. وبنتيجة ذلك، أوقفت الإدارة أكثر من ألف عامل عن العمل للضغط عليهم لوقف الإضرابات. وبررت قرارها في بيان ذكرت فيه أنه "تم إعادة العمال المحرضين على الإضراب في المرتين الأولى والثانية من دون أن تتخذ بحقهم أي تدبير رادع. لكن يبدو أن هذه الفئة ماضية في تنفيذ نياتها بالتحريض على الإضراب لأي سبب بقصد شلّ العمل".

أدى قرار الإدارة إلى انقسام العمال إلى لجنتين: "لجنة عمال وعاملات معامل غندور" و"لجنة أكثرية عمال وعاملات معامل غندور". وقد حمّلت هذه الأخيرة اللجنة الأولى مسؤولية ما آلت إليه الأمور. فيما ردّت الأولى متهمة أصحاب العمل بالتحريض عليها ومحاولة إظهارها في مظهر المخرّب. وأكدت أن الإضراب كان احتجاجاً على "الصرف الكيفي الذي تمارسه الإدارة خلافاً للإتفاق" وقد فصلت حوالي 35 عاملاً اعتبرتهم مسؤولين عن الإضراب.

من جهته، دعم وزير العمل الإدارة واعتبر أن "العمال فئتان: فالفئة الشاكية تبيّن أنها فئة قليلة، والفئة الكبيرة التي تمثل 80% من عدد العمال لا ترى ضيراً من معاملة الإدارة وهي تريد أن تسوّي أوضاعها وفقاً للأصول والقوانين". وأصدر بياناً رأى فيه أن "التدبير الجذري الواجب اتخاذه هو صرف عدد من العمال الذين يعتبر أصحاب المعامل أنهم مسؤولون عن افتعال الإضرابات والمشاكل التي حتمت إقفال المعملين".

شجبت الأحزاب اليسارية القرارات الصادرة عن إدارة "غندور" ووزير العمل ودعت إلى تظاهرة في 26 كانون الأول شارك فيها حوالي 15 ألف شخص. ولكنّ أصحاب العمل تمسّكوا بموقفهم ما دفع الإتحاد العمالي في 8 كانون الثاني 1973 إلى البدء بتنفيذ قرار مقاطعة المنتوجات ومساعدة العمال المصروفين مادياً. انتهت الأزمة بين أصحاب "غندور" والعمال بصرف 45 عاملاً من أصل 74 مع دفع التعويضات المتفق عليها مع وزير العمل، فيما عاد الإتحاد العمالي إلى المطالبة بتعديل المادة 50.

 

تعديل المادة 50 من قانون العمل عام 1975[3]

بدأت معركة الاتحاد العمالي مع السلطات الحاكمة لتعديل المادة 50 من قانون العمل سنة 1971 واستغرق النضال أربع سنوات إلى حين أقرت الحكومة التعديل عام 1975. ولكن أزمة معامل "غندور" شكّلت الانطلاقة الحقيقية لمعركة التعديل. ففي الواقع، كان أصحاب العمل عند كلّ مطالبة بزيادة الأجور، يواجهون العمال بالتسريح الكيفي الجماعي، لاسيما أولئك المنتسبين إلى النقابات العمالية. وكان الاتحاد يسعى من خلال تعديل هذه المادة إلى ضمان حقوق النقابيين بالدرجة الأولى وإلى تشجيع زملائهم على الانتساب إلى النقابات. بيد أن هذه الفترة شهدت خلافات كثيرة بين أفراد الإتحاد المنتمين إلى الأحزاب اليسارية من جهة والموالين للسلطة ولليمين وعلى رأسهم رئيس الاتحاد غبريال خوري من جهة أخرى. وكانت سياسة الاتحاد تقابل بالانتقاد الشديد خاصة بعد أن قام بتأجيل الاضرابات مراراً منذ 28 آب 1973 حتى 6 شباط 1974 بحجة إفساح المجال للحكومة للبت بمطالب العمال.

وتبعاً لقرار تأجيل التظاهرة الأخيرة، قرر "الاتحاد الوطني للنقابات" برئاسة الياس الهبر الدعوة إلى تظاهرة في 27 آذار 1974. فسار أكثر من 20 ألف عامل وعاملة في "مسيرة الرغيف" مطالبين بتعديل المادة 50 "كشرط أساسي للحفاظ على ديمومة عمل العمال وحمايتهم من التشريد". كما طالبوا "الذين يتصدرون قيادة الحركة النقابية أن يستجيبوا لصوت الطبقة العاملة ومطالبها، لضغط القاعدة العمالية وليس لضغط الحكومة وأصحاب العمل".

وعليه، لم يبقَ أمام الاتحاد العمالي سوى اللحاق بالموجة فأعلن عزمه على تنفيذ الاضراب المفتوح ابتداءً من 2 نيسان 1974. عندها، قررت حكومة تقي الدين الصلح التحرك وكلفت وزير العمل إميل روحانا صقر التفاوض مع العمال. فاجتمع الوزير بقادة الاتحاد وأكد على تحقيق مطالب العمال وأبرزها" تشكيل لجنة مشتركة لتعديل المادة 50 من قانون العمل في مدة لا تتجاوز شهر أيار 1974".

وأوضح وزير العمل أن مشروع تعديل المادة أعطى نوعاً من الحماية لأعضاء المجالس النقابية حيال نشاطاتهم النقابية. وأوكل إلى مجلس العمل التحكيمي البت بحالات الصّرف. وفي حال الموافقة على الصّرف، تسوّى أوضاع العامل وتصفّى حقوقه المشروعة. وفي حال عدم الموافقة، يقضي المجلس بإعادة العامل إلى عمله تحت طائلة تضمين صاحب العمل تعويضاً خاصاً يراوح بين ضعفي وثلاثة أضعاف التعويض الذي يستحقه العامل غير المنتمي إلى مجلس النقابة.

احتجّ أصحاب العمل على المشروع فهددوا بإقفال معاملهم وتسليم مفاتيحها للدولة إذا عدلت المادة 50. وتساءلوا: "كيف يكون العامل حراً في ترك العمل؛ ولا يكون رب العمل حراً في صرف العامل من الخدمة بعد دفع التعويضات المستحقة له؟" تجدر الإشارة هنا إلى موقف الاتحادات العمالية التي كررت مراراً حرصها على حرية التعاقد كما جاء على لسان الياس الهبر الذي أكد أنّ العمّال لا يريدون "منع الصرف بل تعليله بغية وضع حدّ للتسريح التعسفي، الذي يمكن أن يتعرض له العمال بسبب نشاطهم النقابي أو لاعتبارات غير موضوعية". ولم يتأخّر أصحاب العمل عن الرد فعمدوا إلى صرف العمّال في قطاعات الفنادق والنسيج والأحذية والجلود. كما بدأوا بالضغط على رئيس الجمهورية آنذاك، سليمان فرنجية، طالبين منه عدم إحالة مشروع التعديل إلى مجلس النواب. فقدّم رئيس جمعية الصناعيين استقالته وعقدت غرفة بيروت للصناعة والتجارة مؤتمراً اقتصادياً معلنةً رفض التعديل. وبالفعل، تمّ تجميد المشروع في المجلس، ما دفع وزير العمل إلى التهديد بالاستقالة. اضطر فرنجيه عندها إلى التدخل فدعا المعنيين من الطرفين إلى اجتماع خلص إلى الاتفاق على تعديل المادة 50 وإحالته إلى مجلس النواب. وناقش وزير العمل تعديلين جديدين مع الأفرقاء؛ الأول يجيز لصاحب العمل صرف الأجير قبل العودة إلى المجلس التحكيمي، أي عدم تقييد حريته بالصرف أساساً. أما التعديل الثاني فيتعلق بتحديد حالات الصرف. لم يعارض ممثلو العمال إدخال تلك التعديلات إذ اعتبروا أنها لا تمسّ بجوهر المشروع.

استمرت المماطلة في إقرار المشروع فعاد الاتحاد للضغط على الحكومة من خلال التلويح بالإضراب. وطالب المجلس التنفيذي للاتحاد، وزير العمل الجديد نديم نعيم سحب مشاريع القوانين الهادفة إلى تعديل المادة 50 من المجلس النيابي وإصدارها بمراسيم بعدما مضى على إحالتها على المجلس أكثر من 40 يوماً (عملاً بأحكام الدستور اللبناني آنذاك). وبالفعل، عقد اجتماع في 5 شباط 1975 في وزارة العمل انتهى بإرسال الحكومة مرسوم تعديل المادة 50 فصدر في الجريدة الرسمية في 17 شباط 1975.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة

 

 


[1]  لمى كرامة. النقابات والقضاء في معركة قانون العمل 1946 حين بدا القانون سلاحاً في أيادي القوى العاملة. المفكرة القانونية، كانون الثاني 2012

[2]  جويل بطرس. أزمة معامل غندور: عندما كان القانون يحمي الطرد التعسفي. المفكرة القانونية، آب 2015

[3]  جويل بطرس. هكذا حصل آخر تعديل أساسي لقانون العمل قبل 40 سنة في لبنان. المفكرة القانونية، أيار 2015