في 2012، احتلت قضية نقابيي عمال شركة غراي ماكنزي ريتايل ش.م.ل. (صاحبة متاجر "سبينس" في لبنان) حيزا هاما من الخطاب العام. وفيما نجحت الشركة في القضاء على النقابة بعد صرف جميع مؤسسيها الذين أصروا على ممارسة حقهم النقابي، استمرت القضايا القضائية في المحاكم، ومن أبرزها الدعوى الجزائية ضد الشركة ومديرها السابق على خلفية حرمان لبنانيين من ممارسة حقوقهم النقابية، وهي حقوق مضمونة دستورا، كشاهد على انتهاك لحقوق هؤلاء. وقد جاء الحكم الصادر عن القاضية المنفردة الجزائية رلى صفير في 20 كانون الأول 2018 بقبول هذه الدعوى ليعطي زخما جديدا لهذه القضية، وليضع أسئلة كبيرة في وجه وزارة العمل حول مدى التزامها بضمان الحرية النقابية. ما يلي هي كرونيكا بأربعة فصول تسلسل بأسلوب روائي الأحداث التاريخية لهذه القضيّة، ننشر هنا الفصل الثاني منها. وبالإمكان الاطلاع على الفصل الأول من هذه الكرونيكا.

نشرت هذه الكرونيكا في العدد 61 من المفكرة القانونية الذي حمل عنوان: "ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة". العمالة تحمى بمزيد من الحقوق للأجراء، وفي مقدمتها ضمان حريتهم النقابية الدستورية. 

 

الفصل الثاني – إحتكام النقابيين إلى القضاء

في صباح اليوم التالي بعد صرف ميلاد، وصلت إلى مكتبنا حيث إلتقيت بزميلي نزار صاغية (المحامي الحقوقي الذي تولى الدفاع عن نقابيي سبينس). إجتمعنا في غرفة الإستقبال نشرب القهوة سوياً. كان المكتب لا يزال هادئاً وغارقاً في طراوة شمس الصباح. "الوضع خطر على باقي النقابيين، يا كريم" قال نزار، مضيفاً "يجب أن نجد حلاً لحمايتهم... أحكام قانون العمل لا تكفي. عم فكر نقدم طلب لقاضي الأمور المستعجلة لاتخاذ قرار احترازي لمنع التعرّض لحرية أساسية، لا سيما الحق ببيئة عمل سليمة وحق القيادات النقابية بالتمتّع بحماية خاصة إزاء التعسّف، شو رأيك؟". وافقت طبعاً، فالفكرة تستحق التجربة (بعد أشهر عدّة، أوضح لي شربل نحّاس خلال أحد لقاءاتي معه لماذا وكيف تخدم آلية قانون العمل أصحاب العمل: فبعد تقدم عمّال بطلب تأسيس نقابة، ما قد يحصل هو أن يماطل وزير العمل في إعطائهم الترخيص، وقد تُسرّب خلال هذه الفترة أسماء المؤسسين إلى صاحب العمل الذي يعمد إلى صرفهم من العمل قبل إكتسابهم الصفة النقابية وتالياً الحماية القانونية. وهذا بالفعل ما كان يتبلور تحت نظرنا في قضية عمّال سبينس، وبالتالي ما كان يسعى له نزار هو ملء الفراغ التشريعي من خلال إيجاد آلية نولّف من خلالها حماية قضائية لمؤسسي النقابات العمّالية قبل إكتساب صفاتهم النقابية). وبعد يومين، قدّمنا لقاضية الأمور المستعجلة في بيروت طلباً للاستحصال على أمر بمنع الشركة من صرف أي من أعضاء الهيئة التأسيسية إلى حين صدور ترخيص وزير العمل بإنشاء نقابتهم. وقد بنينا الطلب على الخطر المحدق بهم، تبعاً لصرف ميلاد والتلويح بصرف مخيبر.

 

في 31 آب، خلال أول الإعتصامات العمّالية أمام مبنى فرع سبينس في الأشرفية أسفل شارع مدافن مار متر، وقّع ما يزيد عن 40 عاملاً في الشركة على كتب نموذجية أعربوا من خلالها عن رغبتهم بالإنسحاب من النقابة من دون أي مبرر. لم تبلّغ تلك الاستقالات إلى الهيئة التأسيسية فلم يعرفوا فيها إلّا لاحقاً في إطار مساعي الشركة إلى تعطيل انتخابات النقابة. وفي اليوم التالي تبلّغنا قرار قاضية الأمور المستعجلة حيث ردت طلبنا بحماية مؤسسي النقابة. لم يستطع نزار التكلم مع أحد في ذلك اليوم، رأيت ملامح الكآبة على وجهه. كان يقرأ مقالاً للصحافي محمد زبيب في جريدة الأخبار تحت عنوان حكاية "سبينيس": هكذا يعـمل "الأخطبوط"! يتحدث فيه عن شبكة المصالح التي من شأنها أن تمنع الوصول إلى أبسط الحقوق، كلما كانت متعارضة مع مصالح النافذين في الدولة. صباح الإثنين، إلتقيت وزملائي به مجدداً في المكتب. "سهرت كل الليل أعيد كتابة اللائحة لإستئناف قرار الرد"، قال لنا، "يجب أن نثابر في المحاولة، ليس لدينا أي حلّ آخر... ولا أظن من السهل على القضاة التسليم أنهم جزء من هذا الأخطبوط". لم أشارك نزار درجة ثقته تلك، وسرعان ما سوف يتيقّن لي – ومراراً – أنه كان على حق. في 5 أيلول، تقدمّنا بطلب الإستئناف وأحيل الملف إلى غرفة القاضية زلفا الحسن التي طلبت إبلاغ الأوراق إلى شركة سبينس لإبداء الملاحظات. طلب منّي كاتب المحكمة غسان يومها أن أصطحبه بسيارتي إلى فرع سبينس الأشرفية لإبلاغ أوراق الملف إلى إدارة الشركة. كانت الزحمة تصل إلى أعالي شارع مار متر قبل نفق ساحة ساسين. لدى إقترابنا من متجر سبينس تبيّن لنا أن سبب الزحمة هو إعتصام آخر لموظفي الشركة خارج الفرع. دخلنا المبنى، واستقبلنا بعض المسؤولين الذين تمنّعوا بداية عن تبلّغ الأوراق. لمحت وراءهم في الظلمة رجلاً طويل القامة، أشقر الشعر، يحدّق بهدوء عبر النافذة في المعتصمين تحتها أمام المدخل الرئيسي. ذهب أحد المسؤولين يناديه ويتكلم معه بالإنكليزية، إلتفت الرجل وتوجّه نحونا، وعندما أضاء وجهه نور مصابح النيون المعلقة من سقف المتجر، بانت ملامحه وعرفته. تفقد مايكل الأوراق، ووقّع على التبليغ وأخذ نسخته وذهب ومعاونوه إلى مكاتب الإدارة. خرجنا من متجر سبينس ومررنا بين المعتصمين الذين كانوا يطلقون هتافات تطالب بحقوقهم. "كريم!" صاحت إحداهم، إلتفت لأرى صديقتي زين تقف متضامنة مع المعتصمين. "نحنا عم نتظاهر ضدهم وإنت عم تتبضع عندهم؟" سألتني بسخرية. ضحكت وأجبتها "بفسرلك بعدين" مكملاً طريق العودة نحو قصر العدل في بيروت.

 

في 7 أيلول سررنا بصدور قرار عن القاضية زلفا الحسن منعت من خلاله شركة سبينس "من صرف أعضاء (الهيئة التأسيسية لنقابة العمال في الشركة)... وذلك خلال مدّة أسبوعين من تاريخ صدور القرار [...]، تحت طائلة غرامة إكراهية قيمتها مئة مليون ليرة لبنانية عن كل مخالفة لهذا القرار". وقد عادت القاضية عند إنتهاء المدة ومددت فترة الحماية أسبوعين إضافيين إنتهت في 5 تشرين الأول 2012. وبذلك تكون القاضية الحسن قد أعادت تصوّر دور القاضي الإجتماعي، فلا يتحوّل إلى شاهد زور إزاء ضحايا التعسّف بل يلعب دوراً ريادياً جمهورياً وديمقراطياً. وبدل أن تتنصل من المسألة المطروحة بحجة أنها "تحتاج إلى تعديل في التشريع"، بحثت القاضية عن حلّ لملء الفراغ التشريعي، ووجدته في صلاحياتها كقاضية عجلة قادرة على اتخاذ أي تدبير حمائي ضد خطر داهم، فكانت أن حمت مؤسسي النقابات من الصرف في الفترة الممتدة من تقديم طلب التأسيس إلى حين صدور ترخيص وزير العمل وإكتسابهم الصفة النقابية. وهي تكون هنا قد مهّدت الطريق إلى تبلور شخصية البطل هرقل في هذه القضية، محررة النقابيين (بروميثيوس) من أول سلاسل الخوف والانتقام. عندما أخبرت سمير عن القرار، فاضت السعادة من نبرة صوته "إستاذ كريم، لما تخلص هذه القضية، لأعملكم أكبر ذبيحة (أي إحتفال ووليمة) في بشرّي"، قال لي.

 

إلا أن الشركة لم تستسلم وبدأت اعتماد وسائل ملتوية للتضييق على النقابيين الناجين حتى الساعة من مغبّة تصدّيها للنقابة. ففي حال لم تستطع صرفهم من العمل بعد قرار القاضية الحسن، ربما تستطيع دفعهم إلى الإستسلام والإستقالة أنفسهم...

 

***

 

في 12 أيلول، توجه مخيبر حبشي (أحد مؤسسي النقابة الآخرين) إلى متجر سبينس في الحازمية لشراء بعض المواد له ولأسرته، وإذ به يفاجأ بمدير الصالة يمنعه من الدخول إلى الفرع. ولمّا أبدى مخيبر إعتراضه على هذا المنع غير المبرر، عمد أكثر من عشرة موظفين كانوا متواجدين حينها إلى طرده من الفرع. حملوه ورموه في الخارج. بعد هذه الحادثة، لجأ مخيبر إلى قضاء العجلة لتوثيق التعرّض الذي وقع ضحيته، ولكن لدى وصول الخبير المعيّن من القاضي إلى الفرع، تبيّن أن لقطات كاميرات المراقبة التي توثق ما حصل كانت قد مُحيت.

 

في 20 أيلول تبلّغ إيلي أبي حنّا (وهو أيضاً أحد مؤسسي النقابة) كتاباً من الشركة بنقله من فرع الأشرفية حيث يعمل كمساعد في قسم الحراسة لدى الشركة إلى فرع الجناح للعمل كحارس موقف السيارات هناك. إيلي، رجل متقدّم في العمر يعاني من مشاكل صحية مزمنة في ظهره، حاول محاورة إدارة الشركة كي يبقى في الأشرفية، لكن هذه الأخيرة حذرته أنه في حال لم يلتحق، سوف يتم صرفه من الخدمة. فالتحق إيلي مرغماً بفرع جناح. إلا أن شروط العمل هناك كانت مرهقة: فرضت الشركة على إيلي الوقوف بشكل متواصل يومياً إذ لم يكن هناك فترة راحة خلال النهار ولا زاوية للراحة أصلاً، واضطر إلى قيادة سيارته لأكثر من ساعتين إضافيتين كل يوم بسبب إبتعاد الفرع عن منزله، واضطر أيضاً إلى البقاء حتى ساعات متأخرة في الليل لإقفال موقف السيارات. وقد أدى هذا الأمر إلى ظهور تورّم في ظهره وإرهاقه، ما دفعه للذهاب إلى طبيب مختص. وفي الأول من تشرين الأول، أرسل كتاباً إلى الشركة ليعلمها أن قرارها بنقله إلى فرع الجناح لا يتناسب مع وضعه الصحي طالباً منها الرجوع عنه، وأرفق الكتاب تقريراً طبياً يثبت عدم قدرته، من الناحية الطبية، على تحمّل شروط هذا العمل الجديد، مشيراً إلى أن قرار النقل جاء ضمن فترة كان يتمتع خلالها بحماية القضاء، الذي حكم بعدم جواز صرفه خارج حالات المادة 74 من قانون العمل، وتالياً بعدم جواز إتخاذ تدابير معادلة للصرف.

 

بموازاة ذلك، في فرع الأشرفية – وفي حين كان وزير العمل يستعد لإعطاء مؤسسي النقابة الترخيص الذي طال إنتظاره – تبلّغ مخيبر كتاباً من إدارة الشركة بنقله من فرع الأشرفية حيث كان يعمل كمدير في قسم الحراسة لدى الشركة إلى فرع ضبيّه كعامل عادي في الحراسة، مع تحذير مبطّن بالصّرف في حال لم يلتحق؛ فإلتحق مودّعاً زملاءه في فرع الأشرفية. وهكذا، تكون الشركة قد أفرغت فرع الأشرفية من مؤسسي النقابة الأساسيين، موزّعة إياهم على فروع بعيدة عن بعضها البعض. وفي 25 أيلول صدر أخيراً الترخيص من وزير العمل فأنشئت رسمياً "نقابة عمّال سبينس في لبنان".

 

ولكن لم تكتفِ إدارة سبينس بهذا الحد، ففي 3 تشرين الأول، ورداً على كتاب إيلي لها، أخضعت هذا الأخير لجلسة ضغط دامت ساعات في فرع الجناح. "إنسحب من النقابة ومنرجعك على الأشرفية" قيل له، "ليه موكّل محامي؟ نزار صاغية؟ هيدا ما بده مصلحتكم... إعزله ومنرجعك على الأشرفية" قيل له. إيلي لم يرضخ، حاول مناقشتهم، ولكن الأسطوانة عينها أعيدت على مسمعه: "إنسحب من النقابة واعزل محاميك، تعود إلى الأشرفية". بدأ إيلي يشعر بضيق نفس، يشعر أنه محبوس هنا في هذه الغرفة معهم، لا يستطيع الخروج منها، أصبح مثل الرهينة بين أيديهم. "أريد مقابلة مايكل رايت" قال لهم أخيراً. وبسحر ساحر، ظهر هذا الأخير. لم يتبادلا الكلام. أراد إيلي فقط أن يقول له أنه يحبه وأن المسألة ليست شخصية. ولدى انتباه الإدارة إلى أنّه لن يساوم، أجبرته على أخذ 10 أيام من إجازته السنوية. لم يعترض إيلي على الإجازة الجبرية، فكان جاهزاً للموافقة على ذلك شرط الخروج من زنزانة الإحتجاز تلك وعدم العودة إلى الجناح حيث باتت معاناته لا تحتمل. ولكن الشركة لم تتركه يرتاح، وخلال إجازته (الجبرية) إنهالت عليه وعلى أفراد أسرته (لا سيما إبنه) المكالمات الهاتفية التي أعادت تكرار أسطوانة "استقل واعزل محاميك". ثابر إيلي في رفضه إلى حين تيقّنت الشركة أنه لن يخضع مطلقاً، فوصل الأمر بها أن صرفته رسمياً من العمل في 24 تشرين الأول – أي بعد شهرين من صرف ميلاد وثلاثة أشهر من إعلان تأسيس النقابة وأربعة أشهر من صرف سمير. ولكن هذا الأمر لم يكفِها، فقد بدأت للتو بالتكشير عن أنيابها...

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة