منذ نشأتها في سبعينيّات القرن الماضي، ضمّت مجالس العمل التحكيمية ممثلين عن كل من أصحاب العمل والعمّال. وكان الهدف الأساسي من تلك التركيبة، بث روح توفيقية وتمثيلية في المحاكم المختصة بقضايا العمل، لضمان إحقاق مبادئ العدالة الإجتماعية المنصوص عليها في الدستور اللبناني وحصول العمّال على حقوقهم. واليوم، وبعد نصف قرن تقريباً على نشأتها، يقتضي التساؤل عن مدى نجاح هذه التركيبة في تحقيق غاياتها، وتحديداً عن دور ممثلي العمّال في مجالس العمل التحكيمية؟ فهل يؤدّونه بشكل مناسب؟ وما هي المعوّقات التي تعترض هذا الأداء؟ وكيف يمكن تجاوزها؟ لهذا الغرض قابلت "المفكرة" أربعة ممثلين للعمال في مجالس العمل التحكيمية: من جبل لبنان، رئيس نقابات عمال الكيمياويات سليمان حمدان، وهو يشغل منصبه منذ ما يزيد عن 24 عاماً، ونائب رئيس اتحاد النقابات المتحدة للمستخدمين والعمال إيميل جحا الذي يشغل منصبه منذ 12 عاماً، والعضو السابق في مجلس العمل التحكيمي المدرب النقابي عصام ريدان الذي عمل منذ التسعينيّات حتى عام 2013 بين عضو أصيل (6 سنوات) وعضو رديف (9 سنوات)، ومن البقاع رئيس اتحاد نقابات العمالية والصحية أكرم زريق، وهو يشغل منصبه منذ العام 2013.

 

وظيفة غير واضحة المعالم

يعد ممثل العمال في مجلس العمل التحكيمي شريكاً أساسياً في الهيئة القضائية وإلى جانبه ممثل عن أصحاب العمل والقاضي رئيساً، وفق مبدأ "ثلاثية التمثيل". وحصر قانون العمل الشروط الواجب توفّرها في ممثل العمال بأن يكون لبنانياً، أتم الواحدة والعشرين من العمر، غير محكوم بجريمة شائنة أو جناية وأن يكون مارس مهنته مدة 5 سنوات على الأقل وفقاً للمادة 78 من قانون العمل. وقد حُدد تعويضه المادي عن كل جلسة بـ100 ألف ليرة لبنانية، وفق آخر مرسوم في هذا الصدد (المرسوم رقم 1514 الصادر سنة 2015).

ويعتبر دور ممثل العمّال أساسياً جداً، لا سيما نظراً إلى طبيعة مجالس العمل التحكيمية كمحاكم متخصصة، تتيح للعامل أن يمثل أمامها من دون محام ومن دون تسديد رسوم قضائية، ونظراً إلى طبيعة القضايا المعروضة أمام المجلس، وهي من النوع الذي لا يحتمل التأجيل لأنها تتعلق بلقمة عيش العامل وعائلته. ولهذا السبب، ألزم القانون مجالس العمل التحكيمية النظر بالنزاعات بالطريقة المستعجلة (المادة 80 من قانون العمل).

إلا أنه لم يوضع لهذه الوظيفة، في المقابل، أي إطار ناظم من شأنه تقييم أداء الممثلين في مجلس العمل التحكيمي. وما فاقم من هذا الفراغ التشريعي هو تراجع دور الاتحاد العمالي العام سواء في ترشيح الممثلين أو مواكبة أعمالهم.

 

قاعدة "6 و6 مكرر" تحكم تعيين ممثلي العمال والاتحاد غائب

جرت العادة أن يطلب وزير العمل من الاتحاد العمالي العام ترشيح نقابيين لتمثيل العمال في مجلس العمل التحكيمي، فتحصل الترشيحات ومن ثم التعيينات على قاعدة التوازن الطائفي أو كما هو متعارف عليه "6 و6 مكرر". يجمع ممثلو العمال الذين قابلتهم "المفكرة" على أن معايير التعيين غير سليمة، ومن الضروري أن يتم إخراجها من المحاصصات الطائفية والحزبية، مع إعتماد معايير علمية ومهنية. فتمثيل العمال في مجلس العمل التحكيمي يتطلّب خبرة في المجال النقابي تتأتى من المشاركة الفعلية في الحراكات النقابية والمساهمة في النضالات. وهو شرط أساسي لأن الدفاع عن العمال يحتاج إلى أشخاص اكتسبوا خبرة في المطالبة وتحقيق الأهداف.

ويضيف ممثل العمّال سليمان حمدان، أن بعض ممثلي العمال هم أصحاب مؤسسات، ما يُسقط عنهم مشروعية تمثيل العمال، وقلة منهم لديهم تجارب نقابية أو ساهموا في حل نزاعات فردية خارج إطار المحكمة. ويقترح حمدان أن تجري التعيينات على أساس انتخابات من القاعدة النقابية، لأن التعيينات بشكلها الحالي تشكل تهديداً إضافياً لحقوق العمال.

ويتأسّف عصام ريدان، للحال التي وصل إليها الاتحاد العمالي العام، متذكراً كيف كان الاتحاد العمالي العام يضم في السابق نقابيين متمرّسين بالعمل والنضال النقابي والعمالي. ولكن اليوم أصبحوا بغالبيتهم ممثلين لأحزاب السلطة. ويشير عضو مجلس العمل التحكيمي في البقاع- زحلة، أكرم زريق، بدوره إلى ضرورة كفّ يد السياسيين عن الاتحاد العمالي العام، لأنه من المفترض "أن يأتي السياسي إلى النقابيين لطلب المساعدة لا أن يذهب النقابيون إلى السياسي".

 

التداعيات الطائفية يتحمّلها العمال

ينتج عن هذا النوع من التعيين الاستسلام إلى روتين يتحمّل العمال تبعاته، بحيث تتدنّى الضمانات التي من المفترض أن يؤمّنها ممثل العمال بخاصة في حالة التعيينات التي لا تستند إلى معايير الكفاءة. فقد أكد جميع ممثلي العمال أن الاتحاد العمالي العام لم ينظّم أية دورات تدريبية لممثلي العمال في مجالس العمل التحكيمية منذ إنشائها في سبعينيّات القرن الماضي بهدف توجيههم أو تمكينهم من أداء أدوارهم على أحسن وجه. كما لم يتابع الاتحاد عمل ممثلي العمّال في مجالس العمل التحكيمية، ولا قدّم أية مساندة لتعزيز معارفهم القانونية والوظيفية للمناصب التي يشغلونها.

ويلفت حمدان إلى أنه في فترة رئاسة الياس أبو رزق للاتحاد العمالي العام في التسعينيّات، حصلت بعض الاجتماعات الدورية لممثلي العمال في كافة المجالس لفترة، إلا أنه ومنذ ذلك الحين لم تعد تحصل أية اجتماعات مماثلة. وكان من المفترض، بحسب حمدان، أن تحصل هذه الاجتماعات لتبادل الآراء والمعلومات، كما للاطلاع على نماذج الاجتهادات القانونية في المحاكم على اختلافها. ويقول إنّ "هذا الفشل في القيادة النقابية تتحمل مسؤوليته الأحزاب، فهذه الأحزاب المتمثلة بالاتحاد العمالي العام، وهي أحزاب يمينة ويسارية، فشلت كلها في الدفاع عن العمال". في المقابل، يشير بعض النقابيين لـ"المفكرة" إلى أنّ رئيس الاتحاد السابق بشارة الأسمر أبدى رغبته في التعامل مع الموضوع، ووعد بتحقيق تغييرات إلّا أن الظروف التي أدّت إلى استقالته حالت دون ذلك.

ونتيجة ذلك، كانت بداية عمل غالبية ممثلي العمل في المجالس التحكيمية صعبة، وفق ما يشرح ممثلو العمال. فهم يجلسون صامتين وأشبه بشهود زور عند التوقيع على الأحكام. لا يعرفون ما يجري، غير قادرين على تحديد مهامهم، والرهان هو على المبادرات الفردية التي يقوم بها بعض ممثلي العمال لأجل تعزيز دورهم ومعارفهم. وهذا الروتين ينعكس أيضاً على ممثلي أصحاب العمل، فهم أيضاً لا يخضعون لأي تدريب ومهامهم غير محددة. وعموماً، لا تكترث الهيئات الاقتصادية التي يمثلها هؤلاء بهذا الأمر، بل قد تكون مصلحتها في تجريد هذه المجالس من أية فعالية، بحسب ريدان، لتقليص دورها وتأثيرها على النزاعات بين الأجراء وأصحاب العمل.

 

ماذا عن وساطة وزارة العمل؟

ينتقد ريدان تراجع دور الوساطة الذي تؤدّيه وزارة العمل، لعدة أسباب، أبرزها أن وسطاء وزارة العمل ما عادوا مهيّئين كما في السابق لإجراء التسويات العادلة، وهي غالباً ما تنتهي في مصلحة أصحاب العمل. كما أن هؤلاء الوسطاء يلتزمون بسقف الدوام الرسمي لإجراء التسويات، ما يحول دون عقد تسويات جدية وإعطائها حقها من الوقت.

من جهته يرى حمدان أن وزارة العمل مقصّرة بحق العمال، فقلّة من مفتشي الوزارة يوجهّون العمال بما يصبّ في مصلحتهم، لا سيما في ما يتعلق بضرورة تقديم دعوى أمام مجلس العمل التحكيمي قبل أن يسقط حقهم بمرور الزمن، لأن قرارات وزارة العمل غير ملزمة. وهنا عندما يتّكل العامل على وزارة العمل لإجراء الوساطة، يضيّع فرصته بتحصيل حقه من القضاء عند مرور مهلة الشهر، وذلك في حالات الصرف التعسفي.

 

تفاوت في أداء المحاكم والقانون غامض

يفترض مبدأ الشراكة الثلاثية بين القاضي (الدولة) وممثلي العمال وأصحاب العمل، أن تشمل، بحسب ممثلي العمال، مذاكرة الأحكام وتسجيل المخالفات والمشاركة في المصالحات، وتحديد التعويضات، وغيرها من التدابير التي تقع ضمن صلاحيات المجلس. ويشرح ممثلو العمال أن هذا الأمر غير معمّم على كافة المجالس، نظراً إلى قصور القانون عن تحديد وظيفة ممثل العمّال وصلاحياته، مما يترك الأمور للأعراف أو عادات قصور العدل أو الاندفاع الشخصي الذي يقوم به بعض ممثلي العمال.

لناحية مذاكرة الأحكام، يلحظ بعض ممثلي العمال أن ثمة اختلافاً في أسلوب عمل كل قاض. فمنهم من يتولّى صياغة أحكامه من دون دعوة أعضاء الهيئة إلى التذاكر بشأنها. وهو بذلك يرسي عرفاً من شأنه حرمان ممثل العمال من التعبير عن موقفه. وفي حين يخصص قضاة آخرون وقتاً للمذاكرة قبل بدء جلسات المحاكمة، لا يكون الوقت المتاح لها دائماً كافياً، بحسب نائب رئيس إتحاد النقابات المتحدة للمستخدمين والعمال إيميل جحا، فغالباً ما يتم الاستعجال بها قبل حلول موعد جلسات المحاكمة. ويقترح زريق من جهته أن يتم تخصيص جلسة إضافية كل شهر لمذاكرة الأحكام بينما يشير حمدان إلى أنه كان يطلب من القضاة مهلة 24 ساعة قبل إصدار أي حكم للمذاكرة. ويشرح ريدان بأن "آلية المذاكرة كانت مثمرة جداً، حتى ما عاد يذهب ولا حكم إلى التمييز. وانعكس هذا التطور في العمل على رئيس المحكمة، الذي بدا إيجابياً في التعامل مع قضايا العمل ويشعر بأهمية ما يقوم به".

فضلاً عن ذلك، يشدد ممثلو العمال على أن على مجالس العمل تسريع المحاكمات لأن الدعاوى هنا تتعلق بلقمة العيش. ويذكر ريدان أنه خلال مشاركته في عضوية مجلس العمل في جبل لبنان، انقضى شهر كامل من دون أية جلسة بسبب وقوع الموعد الأسبوعي الاعتيادي للمجلس في أيام عطل رسمية. وعليه، يقترح تفادياً لتكرار ذلك، اعتماد مرونة لدى المجالس تضمن تأمين جلسة أسبوعية على الأقل، كأن تعقد في اليوم التالي ليوم العطل الرسمية.

 

عوائق أساسية يرى ممثلو العمّال أنها تعترض عملهم

يتوقف ممثلو العمال عند بعض العوائق التي تقف أمام إمكانية العمل بالشكل المطلوب، أهمها:

أولاً، عائق عدم تطبيق القانون، لناحية احترام مهلة الثلاثة أشهر. يُضاف إليها عائق يتّصل بأصول المحاكمات المدنية التي تستند إليها محكمة العمل فيما لا يتناسب مع طبيعتها المستعجلة. ويُستنتج من ذلك أنه لا يوجد آلية قانونية تتيح للمحكمة الالتزام بمهلة ثلاثة أشهر كحد أقصى للبت في الأحكام.

وينقل ممثلو العمال اصطدامهم بالروتين المتبع لدى المحاكم المدنية المتمثّل بإجراءات التبليغ وتبادل اللوائح على القوس، وبتحديد جلسات متباعدة، مما يطيل أمد الدعوى ويفقدها طابع العجلة.

 

ثانياً، عائق التشكيلات القضائية، وعدم التخصص، وعدم التفرّغ أحياناً: إن التشكيلات القضائية التي غالباً ما تحصل كل ثلاث سنوات، تحول دون إمكانية الوصول إلى تغيير معقول في كل دورة قضائية. هذه الفكرة يشرحها ريدان بقوله: "لا يوجد استقرار في محكمة العمل. ففيما يمضي القاضي النصف الأول من ولايته وهو يحاول التأقلم مع مقتضيات قضايا العمل، يبدأ في النصف الثاني العمل على عجل لإنهاء عمله أمام الكم الهائل من الشكاوى. وغالبية القضاة يخرجون من تجربة مجلس العمل التحكيمي مستعجلين لتركها لأنهم لم يتمكّنوا من أن يحدثوا تغييراً كبيراً". على خط مواز يلفت زريق إلى أن "معظم القضاة العاملين في مجالس العمل التحكيمية يشغلون مناصب في محاكم أخرى، الأمر الذي يمنع إمكانية التفرغ لمحاكم العمل، أو حتى إمكانية الجلوس أكثر من مرة في الأسبوع".

 

ثالثاً، التقاعس عن تطبيق المرسوم رقم 729 الذي يقضي بزيادة عدد غرف المجالس في المحافظات. وهي زيادة غرفة في بيروت ليصبح المجموع 5، وغرفتين في جبل لبنان فيصبح المجموع أيضاً 5، وغرفة في الشمال ليصبح هناك ثلاث غرف، وإضافة غرفة واحدة في كل من عكار وبعلبك. يشرح ريدان بأن جبل لبنان فيها غرفتان شاغرتان، يقتضي تفعيلهما، وذلك لتمركز عشرات المصانع الكبيرة في محافظة جبل لبنان، والشركات والمؤسسات. ومحافظة جبل لبنان بحسب ما يُشير ريدان هي أكبر من بيروت على صعيد عدد المؤسسات والشركات وبالأخص المصانع. أما في البقاع - زحلة، فيلفت ممثل العمال هناك أكرم زريق إلى أنه خصص لمحكمة زحلة غرفتان ولكن واحدة فقط تعمل.

 

رابعاً، الاتّكال على دوائر وزارة العمل لإجراء التحقيقات. يشدد ريدان على ضرورة أن يكون لمجلس العمل التحكيمي مفتشون متفرغون لإجراء التحقيقات يخضعون لإشراف رئيس المحكمة، لا سيما أن وزارة العمل لا تقوم دوماً بدورها في هذا الشأن. وبرأي ريدان يجب كف يد وزارة العمل نهائياً على أن تلتزم دورها فقط في الوساطة والنزاعات الجماعية والتحكيم.

 

خطوات إيجابية محدودة في نطاق كل غرفة

بذل ممثلو العمال جهوداً شخصية لتطوير عمل المجالس، كأن تفرض الغرفة تبادل اللوائح في القلم وليس على القوس لتوفير الوقت وعقد جلسات أملاً بالمصالحة. وصرح بعضهم أنهم يتدخلون في تحديد قيمة التعويضات، فيما يترك آخرون الأمر للقاضي. 

بالإضافة إلى تبادل اللوائح في القلم وعقد تسويات، يقول حمدان: "سعيت مع رئيسة الهيئة أن نعمل على تقريب مواعيد الجلسات. كما وضعنا مهلة محددة للرد على اللوائح وحث الفرقاء على عدم تخطي هذه المهلة وإلا يتم إسقاط حقهم بالرد. ويلفت حمدان إلى أن ثمة دينامية خاصة داخل الغرفة التي يعمل فيها، حيث تستجيب القاضية لأي اقتراح من شأنه تسريع المحاكمة وتطوير أدائها. وعليه، وفي حين كان عدد الملفات على جدول كل جلسة يناهز ستين ملفاً قبل سنتين بفعل الدعاوى المتراكمة، بلغ عدد الملفات اليوم بفعل الاجراءات المعتمدة أقل من عشرين ملفاً في الجلسة.

من جهته، يؤكد ريدان، أنه نجح مع قاض آخر في إيجاد آلية لتبادل اللوائح في القلم، "لكني لم أتمكن من إقناعه بضرورة إزالة الملفات التي تخلّف أصحابها عن المثول أمام المحكمة، عن جدول المرافعات. والهدف من طلبي كان فتح المجال لتسريع وتيرة البت بالقضايا، وفتح المجال أمام دخول ملفات أخرى. ومن شأن هذا الإجراء أن يعجّل البت في الملفات".

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة