"لا، أنا أعطي 15 دولار وأوقف هون". هذا ما قاله لي عامل من التابعية البنغالية يدفع 15 دولاراً أميركياً لأحد المخازن الكبرى، منذ نحو ثلاث سنوات لقاء عمله هناك، بدل أن يقبض منه مقابل هذا العمل. يعمل الشاب الذي قصد لبنان لتحسين ظروف عيشه في بلاده، على صندوق محاسبة الزبائن، يضع المشتريات في أكياس ويحملها للزبون إلى سيارته. إثنان آخران من زملائه، الذين يعملون حمّالين بالقرب من صناديق المحاسبة، أكدا عدم تقاضيهما رواتب شهرية من المؤسسة نفسها. ولا يكتفي صاحب العمل بعدم تخصيص هؤلاء العمال برواتب، بل يقاسمهم على جزء من الإكراميات التي يتلقّونها من الزبائن.

 

طرق عدة في تشغيل الحمّالين

النماذج التي يستعرضها هذا التحقيق مأخوذة من متجرين كبيرين، إلا أنّ نظام التعامل مع الحمّالين بمختلف أشكاله ينسحب على الغالبية الساحقة من المؤسّسات التي يتقاضى فيها العامل إكراميّات من الزبائن.

يقول أحد الذين عملوا في أحد هذين المتجرين لفترة طويلة، إنه اعتمد طرقاً عدّة في فترات مختلفة. في البدء، كانت طرق استغلال عمّال "البورتر" (أي الحمّالين ممن يعملون في خدمة الزبائن بجانب صناديق المحاسبة) تقضي بإرغامهم على دفع ثلاثة آلاف ليرة عن كل يوم عمل لإدارة المخزن كي تسمح لهم بالوقوف أمام صناديق المحاسبة. بالإضافة إلى ذلك، يخضع العمال لـ"اتفاق ضمني" يقضي بتشغيلهم "بالسخرة" لنحو ساعتين يومياً داخل السوبرماركت لإحضار صناديق المياه من المستودعات، وإحضار وترتيب عربات النقل التي يخلّفها الزبائن في مواقف السيارات. مع الوقت، ارتفع المبلغ المحصّل من كل عامل إلى ما يزيد عن خمسة آلاف ليرة يومياً، إضافة إلى مبلغ مقطوع كل عشرة أيام. ولكن بعد تقديم الاتحاد الوطني للعمال في لبنان شكوى للضمان الاجتماعي بشأن هذا المخزن، كما أكّد رئيسه كاسترو عبد الله، لجأ الأخير إلى شركة تنظيفات لتأمين العمّال من دون توقيع عقود عمل معهم. وهي طريقة مربحة كونها تسمح له بالتهرّب من منحهم رواتب وتأمين صحي وتجديد إجازات عملهم وإقاماتهم، فيبقى العامل أسير "كفيله" الفعلي أي شركات التنظيف التي تستغلّه حتى في إلقاء تبعات تجديد أوراقه القانونية على نفقته الشخصية، بينما لا تلتزم المؤسّسة التي تشغّله بأي شيء تجاهه، وجل ما تقوم به هو الاتفاق على دفع مبالغ مقطوعة شهريّة لشركة التنظيفات، وليس للعامل.

ووفق أحد الحمّالين في المخزن، تدفع شركة التنظيفات رواتب شهريّة للعمّال الأجانب ولكنّها تحرمهم في المقابل من "إكراميّات" الزبائن التي تحصّلها إدارة الشركة منهم. أما العمال اللبنانيون، فيروي "غ. ر": "أنا شخصياً لا أدفع شيئاً من الإكراميات التي أحصّلها. حاولوا الضغط عليّ للدفع ولم أوافق. فمنذ حوالي شهر، جرت محاولات منهم لتحصيل عشرة آلاف ليرة من كل لبناني يومياً، ولكنها جوبهت بالرفض. ويدفع بعض اللبنانيين حالياً ثلاثة آلاف ليرة يومياً كبدل للضمان الاجتماعي، أما أنا شخصياً فقد استلمت مهمّة تنظيف موقف السيارات من دون مقابل لقاء عدم دفعي أي قرش من إكراميّاتي". ولدى استفسارنا عن تسجيل العمّال في الضمان الاجتماعي أكّد أنّ "ثلاثة أرباع اللبنانيين مضمونون".

في المخزن الثاني، الذي يؤمّن عماله عبر شركة تنظيفات أيضاً، لم نتوصّل إلى إسم الشركة التي تتولّى إدارة العمّال الأجانب. ولكن تبيّن أنّ المؤسسة لا تدفع للعمّال رواتب شهرية، كما أكّد ثلاثة من التابعية البنغالية الذين يعتمدون في عيشهم على إكراميّات الزبائن. وأشار أحد هؤلاء العمّال الذي تمكّنا من الحديث معه بلغة عربيّة متعثّرة: "أنا أعطي 15 دولار وأوقف هون"، قاصداً أنه يدفع للسوبرماركت هذا المبلغ كي يسمحوا له بالعمل لتلقّي الإكراميّات.

وفي اتصال مع صاحب المخزن، طلب إرسال أسئلتنا بواسطة الإيميل كي يردّ عليها محامي المؤسسة، لأنه لا يتواجد دائماً هناك ولا علم له بكيفية تقاضي العمّال أجورهم ولا طبيعة العقود معهم. وبعد محاولات لأخذ تفاصيل عن طبيعة عقود العمل، والرواتب الشهرية قال: "لدينا شركة تؤمّن لهم العقود أزوّدك بإسمها بعد أن ترسل لي الإيميل". وعن الأجور الشهرية قال: "لديهم كل شيء، رواتب وإكراميات". وعن تصريحات بعض العمال بعدم تلقي الرواتب قال: "أكيد ما رح يقلك إنو بيقبض معاش كرمال تدفعلن تيب (إكرامية) زيادة". ووعد صاحب المخزن في المقابل أنه سيطلب من الموظفين، في حال فرض أحد العمال على الزبائن دفع إكراميات، أن يبلغوه باسمه كي يتخذ الإجراءات اللازمة بحقه.

أرسلنا أسئلة كثيرة إلى هذا الأخير بواسطة الإيميل حول طبيعة العقود وشكوى العاملين وغيرها من التفاصيل، لتأتي الإجابة مقتضبة وباللغة الإنكليزية، ومتناقضة مع قوله السابق بوجود شركات تؤمّن العقود. ونصّ الرد حرفياً على أن الشركة تعتمد "آلية توظيف قانونية، وتوظّف موظفين شرعيين استناداً إلى قانون العمل اللبناني فحسب. وعليه، كل الموظفين لدينا مسجّلون في الضمان الاجتماعي ويتقاضون أقلّه الحد الأدنى. ولا يتوجّب على أي موظف دفع أي مدفوعات للعمل في مؤسّستنا، فضلاً عن أنّ كل موظفينا يتمتعون بالحرية لترك عملهم في أي وقت يناسبهم ولأي سبب كان".

 

استغلال يبدأ بنكران صفة العامل

عكس العاملات المهاجرات في الخدمة المنزلية اللواتي لديهنّ عقود عمل ولو مجحفة ولا تحدّد طبيعة العلاقة التعاقدية في العمل، لا عقود عمل تنظّم علاقة العمّال الأجانب مع المؤسسات. فالعامل ليس لديه أي صفة للعمل مع المؤسسة التي تشغّله، كونها تتّفق مع شركة التنظيفات التي استقدمته. وهنا يسهل استغلاله كونه يصبح في عهدة مؤسّسة لا تربطه بها أية علاقة تعاقدية. فعدا عن أن ما يحصل هو "عملية إتجار بهؤلاء العمال"، كما يقول عبد الله، في حال تعرّض لحادث في العمل من المسؤول عنه؟ موقع العمل حيث يعمل أم شركة التنظيفات؟ ويجيب أنه نظرياً ووفق التبعيّة الإدارية، يجب أن يتحمّل صاحب العمل، أي المؤسسة التي تشغّله، المسؤولية. ولكن عملياً، تتهرّب المؤسسات من تحمّل مسؤوليّتها في تسجيل العمّال وتحمّل كامل الرسوم المتوجّبة عليها من إجازة عمل وإقامة وضمان اجتماعي، بلجوئها إلى شركات التنظيفات. وهذه الأخيرة عادة تكون عبارة عن شركة محدودة المسؤولية برأسمال خمسة ملايين ليرة. وفي حال الإفلاس مثلاً، لا أحد يسألها عن مصير العمال.

وإذ يوصّف عبدالله ما هو حاصل بـ"خرق فاضح لحقوق العمّال"، يلفت إلى أنّ تلك الممارسات تقوم على عملية "نصب" مزدوجة. فمن ناحية تتهرّب المؤسسات من مسؤوليتها ومن الضرائب المتوجبة، وتتهرب شركات التنظيفات من دفع الرسوم للضمان الاجتماعي. لذا يشدّد عبد الله على أنّ على الضمان الاجتماعي التحقّق من دفع هذه الشركات الرسوم، وعلى وزارة العمل تحمّل المسؤولية لدى منحها إجازات عمل لتلك الشركات التي تقدّم خدمة بالوكالة. ويضيف كاسترو: "العامل الذي يقف إلى جانب صناديق المحاسبة يؤدّي عمله المطلوب. وهو عملياً يعتبر أنه تعاقد مع المؤسسة التي تشغّله، حتى لو لم يكن لديه عقد عمل معها، كونه لم يختر من تلقاء نفسه الوقوف إلى جانب صندوق المحاسبة كي يتكرّم عليه الزبائن بالإكراميات. كما أنّ بعض الزبائن لا يدفعون لهم إكرامية معتقدين أنهم يتقاضون رواتب شهريّة. فالإكراميات حق لهم بحكم عملهم ولا يجوز أن تحصّل منهم لتدفع لهم رواتبهم، والأسوأ تحصيل الشركة أرباحاً منهم. لذا ما تقوم به الشركة هو عبارة عن سلب قوة العمل من العمّال مجاناً. وهذه سرقة موصوفة وتشغيل للبشر بالمجان. وهذا نوع من الاستغلال يرتقي إلى حد الاستعباد".

من جهتها، اعتبرت المحامية موهانا إسحق وهي ومسؤولة ملف الإتجار بالبشر في منظمة "كفى"، أن هذه ممارسات احتيالية وغير قانونية، تقوم على خرق القوانين المرعية الإجراء، ولكن مردّها الأساسي وجود نقص في القانون اللبناني لجهة حماية العمّال الأجانب.

في هـذا الشأن، يبرّر مسؤول في وزارة العمل (طلب عدم الكشف عن اسمه) الإجراءات التي تقوم بها شركات التنظيفات لأنّ بعض المؤسّسات تحتاج عادة إلى موظفين موسميّين. وكي لا تتكلّف مبالغ طائلة على استقدام عمّال من الخارج تلجأ إلى شركات التنظيفات. وإذ يشدّد على أن الوزارة الحالية تدقّق في جميع الملفات بعد قدوم العامل إلى لبنان وقبل منحه إجازة العمل، وتتأكّد من وجود تأمين صحّي وتسجيل في الضمان الاجتماعي (باستثناء العمّال الزراعيين والعاملين في الخدمة المنزلية)، يلفت إلى أنّ الممارسات على الأرض مختلفة. فـ"المشاكل كثيرة والملف كبير ومعقّد وبدأنا نعمل على حلول آخذين بالاعتبار الالتزام بالقوانين الحالية الموجودة". وإذ يعترف بأنّ القانون يحتاج إلى تطوير، يشدد على أنهم "يعملون بالموجود للحد من كل التجاوزات، خصوصاً أنّ القانون رخّص لشركات التنظيفات وبالتالي لا نستطيع رفض الطلبات إلا إذا تغيّر القانون".  

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة