يتطلّب تعزيز مشاركة النساء في القطاعين الاقتصادي والسياسي، تأمين السلامة الجسديّة والمعنويّة الأوليّة لهنّ كي ينجحن. يخلق التحرّش الجنسي في مكان العمل بيئة معادية، تقيّد ترقية النساء، وغيرهنّ من الفئات المهمّشة، وتحدّ من مشاركتهنّ في الإنتاج، وتمنعهنّ من تحقيق المساواة الاقتصاديّة.

وفي الوقت الراهن، لا تعالج القوانين اللبنانية، لا سيما قانون العمل، مسألة التحرّش، أكان في مكان العمل أو خارجه، مما يعرّض النساء والمجموعات المهمّشة الأخرى في سوق العمل لخطر المضايقة والاستغلال، وبخاصة في غياب الإجراءات التأديبيّة. ووسط انعدام وجود النصوص القانونية المختصّة، تُترك المؤسسات لتقدير الموقف بما تراه مناسباً لوضع قوانين وسياسات داخليّة، وتطبيق إجراءات لمواجهة التحرّش الجنسي.

رصد تقرير " نحو مكان عمل أكثر أماناً: نظرة عن سياسات مواجهة التحرش الجنسي في القطاعين الخاص والعام في لبنان"[1] الذي أعدّته "المؤسسة العربيّة للحريّة والمساواة" (A.F.E.) السياسات الداخلية المتّبعة في القطاعين العام والخاص، ولدى الأحزاب، والنقابات، والمنظمات غير الحكومية، والجامعات، لتحديد مختلف العقبات التي تحدّ من مشاركة المرأة في الاقتصاد والسياسة. بالاستناد إلى استقصاء متعدّد المصادر شمل موظّفي موارد بشريّة، ونصوص سياسات داخلية لبعض المؤسسات، إلى جانب حوارات معمّقة مع موظفين، قيّمنا في هذه الدراسة حالة الحماية من التحرش الجنسي ومستواها في لبنان، ووثّقنا تجارب القوى العاملة المتأثّرة، وحدّدنا المجالات الرئيسية التي تحتاج إلى تحسين.

لاحظنا خلال هذه الدراسة نقصاً حادّاً في السياسات والأنظمة الداخلية الراعية لمواجهة التحرّش الجنسي في مكان العمل. فمن أصل 42 مؤسسة شملتها الدراسة[2]، كان لدى 14 فقط نصّ خاص للحماية من المضايقة أو الترهيب أو الاستغلال أو التسلّط، وكان لـ6 فقط سياسة رسمية أو قوانين داخلية تذكر التحرّش الجنسي بالتحديد. وكانت سياسات اثنتين من المنظمات تنفّذ متطلّبات مانحين دوليين. إجمالاً، كان لدى 15% من المنظمات سياسات لمناهضة التحرّش الجنسي، في حين كان لدى 33% بنود يمكن أن تستخدم للحماية من التحرّش الجنسي.

كما لاحظنا وجود معتقدات سائدة حول التحرّش قد تساهم في غياب السياسات المناسبة لمعالجته. ومن أبرز التحديات في هذا الصدد إساءة فهم تعريف التحرّش الجنسي، وجهل الممارسات الضامنة لبيئة عمل صحيّة.

كما أظهرت الدراسة أن الافتقار إلى الوعي والتفهّم بشأن مسألة التحرش الجنسي يؤدي إلى زيادة في الحوادث وبخاصة في الوظائف ذات الخطورة العالية. فالعاملات في الفنادق والحانات والمواصلات أكثر عرضة من غيرهنّ للأفعال غير المرغوبة. وتكون النساء غير آمنات على الخصوص في أماكن العمل المتنقّلة، حيث تستهلك المواد المخدرة أو الكحول، أو خلال الدوامات الليلية[3]. تحكي الموظّفات اللواتي قابلناهن في إطار هذه الدراسة، عن الضغوط التي تمارسها الإدارات عليهن للالتزام بمظهر معيّن، سواء لناحية المظهر الجسدي، أو القياس، أو التبرّج، أو الجراحة التجميليّة، إلى جانب اللباس الواجب ارتداؤه. تعدّ هذه المتطلبات عرفاً بُني على توقعات الزبائن، أو يشار إليها بشكل مكتوب من قبل إدارات المؤسسات المعنيّة. عامل آخر يجعل هذه الأعمال أكثر عرضة لحوادث التحرّش الجنسي هو وجود الكحول ومواد مخدّرة أخرى في الفنادق والحانات، يعني أنّ الحدود بين التحرّش الجنسي والمغازلة قد تضيع. يؤدي سياق هذه الأعمال، إلى محو الخيط الفاصل بين الضيافة والانتباه غير المرغوب. كما أن النساء العاملات في قطاع الزراعة معرّضات بشدة لأشكال مختلفة من الاستغلال. فهنّ لا يتلقين أيّ دعم أو كفالة لحقوقهن الأساسية لأنهنّ مستثنيات من قانون العمل ولا تعدّ هذه القضايا أولويّة لديهن في ظل حاجتهن للعمل. فالقطاع الزراعي غير مستقرّ، بسبب طبيعته الموسميّة، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على العمال المؤقتين.

لذلك في ظل غياب السياسات والأنظمة الداخليّة الملائمة التي تتناول التحرّش الجنسي، غالباً ما تلجأ المؤسسات إلى إجراءات تُتبع عند الاستجابة لشكاوى من نوع آخر. واستناداً إلى الإجابات المفصّلة للمؤسّسات حول الخطوات التي تتخذ للتعامل مع شكاوى التحرّش الجنسي، لاحظنا مخاطر ناجمة عن عدم وجود سياسات واضحة، أبرزها عدم اتخاذ أي إجراء أو لوم الضحيّة.

 

خلص التقرير إلى عدد من النتائج:

أولاً، لا تتناول المواقف العامة تجاه التحرش الجنسي القضية باعتبارها مسألة خطيرة، بل تعتبرها غير موجودة أو من المستحيل إثباتها. بالإضافة إلى ذلك، عندما تبدي ثقافة العمل عدم اكتراث إزاء خطورة التحرّش الجنسي، من المحتمل أن تبدأ النساء الأخريات بالسخرية من أقرانهنّ عندما يطرحن المشكلة.

ثانياً، أشارت المؤسسات إلى عقبات عدّة تمنعها من اتخاذ خطوات إضافيّة لوضع سياسات داخليّة لمكافحة التحرّش. ومعالجة تلك العقبات ضروريّة قبل إرساء أيّة سياسات حمائية في أماكن العمل. من أبرز ما يثير مخاوف أصحاب العمل إزاء سياسات الحماية هي الإتهامات الزائفة والضرر المحتمل لاتهام موظّف ظلماً بأنّه متحرّش. وبالقدر ذاته، تنشغل المؤسسات بهاجس صعوبة إثبات واقعة التحرّش. لذلك يميل أصحاب العمل إلى حلّ القضيّة على شكل "محاكمة"، حيث يفرض على الشاكي/ة والمشتبه به الدخول في مواجهة باستخدام أدلة "ملموسة".

ثالثاً، في غياب السياسات الواضحة والتدريب المتخصص الشامل، غالباً ما يعود للإدارة اختيار المسار الأنسب. وبشكل عام، تكون الإدارة غير مجهّزة للتعاطي مع حالات التحرّش، وبالتالي، في غياب الإجراءات والقيم التنظيميّة الواضحة والمعمّمة على الموظفين، يحدّ ذلك من قدرة المؤسسات على معالجة الحالات الحاصلة.

أما في المؤسسات حيث يسود خطاب اللوم، نجده موجهاً حصراً إلى النساء وسلوكياتهنّ وملابسهنّ أو شخصياتهنّ. فتُلام الموظفات على كونهنّ ودودات أكثر من اللزوم، أو منفتحات على الأفعال الجنسيّة، أو على ارتداء الملابس "الاستفزازية"، وأخيراً على عدم كفاءتهنّ الكافية في الدفاع عن أنفسهنّ. وعلى النقيض من ذلك، يُصوّر سلوك الرجال بوجه عام على أنه ظرفيّ، ينبثق إما من مجاملة تنطلق من نيّة حسنة، أو من خلل مؤقت بسبب تعاطي مواد كحولية أو مخدّرة. أما عندما يكون الفعل خارجاً عن المقبول بوضوح، فيفسّر على أنّه بسيط وغير ضارّ، ولا يحتوي على نيّة عنف "حقيقيّة".

رابعاً، ليس لدى أكثر من ثلثي المؤسسات التي شملتها الدراسة سياسات وأنظمة داخليّة تشير بأي شكل إلى التحرّش الجنسي و/أو الأمان في مكان العمل. وثمة نقص حاد في سياسات الحماية، داخل الأحزاب السياسية والنقابات والمؤسسات العامة والقطاعات التي يكون فيها دور القوى العاملة النسائية مهمّاً. وهذا ما يفرض الحاجة الملحّة لالتزام أكبر داخل هذه القطاعات، لضمان مكان عمل خالٍ من التحرّش.

وأخيراً، تعتمد النساء اللواتي يتعرّضن لتحرّش جنسي، آليات تكيّف، لتغيير نظراتهن أو مواقفهن أو تصرفاتهن في العمل. فيفكّر بعضهنّ في ترك الوظيفة، لتجنّب أيّ صدام في مكان العمل. ومع ذلك، تظلّ الأغلبية صامتة لتجنّب "الفضيحة" التي قد تسبّب توتراً يضاف إلى تجربة التحرّش نفسها. وقد تختار أخريات الصمت انطلاقاً من انعدام الثقة بمنظومة قد لا توفّر ملاذاً عادلاً. هكذا، تواجه النساء التحرّش الجنسي وغياب الدعم المؤسساتي، فيقلّ رضاهن عن العمل، وكذلك إنتاجيّتهن والتزامهن.

في ضوء هذه الاستنتاجات، بات ضروريّاً الإسراع في إضافة سياسات التحرّش الجنسي إلى قوانين المؤسسات في لبنان. لذلك نقترح لهذا الغرض سلسلة توصيات أبرزها:

 

1- الوقاية

  • توجيهات مكثّفة للموظّفين الجدد.
  • تذكير الموظّفين دوماً بثقافة المؤسسة والقيم المشتركة من خلال منشورات علنية توضح السلوك المتوقّع.
  • تدريب الموظفين الحاليين.

 

2- السياسات الداخليّة

  • تطوير أنظمة داخليّة، وسياسات، ومدوّنات سلوك واضحة حول التحرش الجنسي.
  • وضوح الإجراءات.

 

3- التحقيق

  • تحتاج عمليّة الإبلاغ والتحقيق إلى حسن سير عمل لجنة تحقيق متخصّصة ومدرّبة. وبالاستناد إلى طبيعة الحالة، وحيثما يقتضي الأمر، يجب أن تضمّ اللجنة أفراداً من خارج الهرميّة المرتبطة بالحالة موضوع التحقيق.
  • من الضروري إجراء مقابلات منفصلة مع المشتكي/ة والمشتكى منه، كلّ على حدة، وبسريّة تامّة.
  • "الإثبات" ليس متاحاً أحياناً. فالتحرّش الجنسي يعرّف على أنّه أفعال أو تعليقات، إلا أنه قد يأخذ شكلاً غير مرئي كالمضايقة والاستغلال. ومن النادر أن يكون هناك شهود على تعرّض النساء للتحرّش الجنسي، وفي بعض الأحيان يحرص المتحرّش على التقرّب من ضحيته حين تكون بمفردها. لا ينبغي أن يقع عبء الإثبات على الضحية، رغم أن وجود أدلة قد يسهم في بناء القضية. بالنظر إلى ندرة الاتهامات غير المسندة أو الكاذبة، ننصح بأن تؤخذ روايات النساء على محمل الجدّ، وأن يجري البحث عن حلول تضع سلامة الضحيّة في أعلى سلّم الأولويات.
  • يهدف وضع سياسات وإجراءات داخليّة واضحة، إلى تحديد الخطوات المفترض اتباعها في حالات التحرّش الجنسي، إلى جانب شدة العقوبات الواجب اتخاذها.

 

4- قانون العمل

  • تضمين قانون العمل نصوصاً خاصة بمكافحة التحرّش في كلّ المؤسسات اللبنانيّة.
  • دمج العمال في مجال الزراعة وفي الخدمة المنزليّة في أيّ تعديل منتظر لقانون العمل.

 

للإطّلاع على الفيديو المرفق بهذه الدراسة يرجى مراجعة هذا الرابط

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة


[1] نشر سنة 2018 وهو متوفّر على موقع المؤسسة العربيّة للحريّة والمساواة: afemena.org

[2]  اتصلنا بالأساس بـ 90 مؤسسة، وبلغ معدّل الاستجابة نسبة 47%. وبعض المؤسسات كانت تعمل على إعداد سياساتها الداخليّة الخاصّة بالتحرّش الجنسي، وبالرغم من دعمها لمشروعنا، إلا أنّها لم تتمكّن من تقديم معلومات عن جهودها في هذا الإطار. من نيسان 2018 حتى آب 2018 أخذنا عينة من 42 مؤسسة، بما في ذلك 3 جامعات، و5 أحزاب سياسية، و5 نقابات، و3 مؤسسات عامة، و6 منظمات غير حكومية محلية و20 شركة خاصة. تنوّعت القطاعات المشمولة في البحث، من الترفيه، إلى النقل، والمنظمات غير الحكوميّة، ووسائل الاعلام، إلى المراكز الصحيّة، ومختلف الشركات الخاصة (تنمية، هندسة، مصارف، فنادق، وكالات سفر).