في 2014، أنجزت "المفكرة" دراستها الأولى حول عمل مجالس العمل التحكيمية في بيروت وجبل لبنان ولبنان الشمالي، وقد استندنا آنذاك على الأحكام الصادرة في الأشهر الستة الأولى من سنة 2013. وقد بينّا فيها أهم الاشكاليات التي تحول دون تمتّع الأجراء من عدالة فعّالة وسريعة، وأيضا أهم التوجهات للقضاة في مجال العمل. في سنة 2019، عادت "المفكرة" لتزور مجالس العمل في محافظتي بيروت وجبل لبنان، وقد عملت على الأحكام الصادرة في سنة 2018 والتي أمكن الحصول عليها. ورغم الجهود التي بذلها عدد من القضاة وبرزت في اجتهادات نوعية نبينها في الدراسة (وبخاصة فيما يتصل بالصرف لأسباب اقتصادية أو حوادث العمل)، فإن التنظيم القضائي لمجالس العمل التحكيمية وعددها وحصر تواجدها في مراكز المحافظات تبقى عوامل ضاغطة لإطالة آماد الدعاوى لسنوات عديدة، على نحو يجافي طموحات المشرع بإنجازها خلال ثلاثة أشهر ويضع الأجراء تحت ضغط القبول بتسويات غير عادلة. ننشر هذه الدراسة على حلقات عدة. في الحلقة الأولى، ذكرنا بصعوبات البحث في المجال القضائي، بغياب المكننة وعدم تطبيق قانون حق الوصول على المعلومات، وتناولنا العينة التي عملنا عليها. في الحلقة الثانية، ذكرنا كما فعلنا في دراسة 2014 بالإطار القانوني لمجالس العمل التحكيمية. في الحلقة الثالثة، تناولنا ماهية نزاعات العمل التي نظرت فيها مجالس العمل التحكيمية في سنة 2018. في الحلقة الرابعة، تناولنا بشكل خاص انتاجية المجالس وأمد الدعاوى العالقة أمامها. وفي الحلقة الخامسة، حاولنا استكشاف أبرز توجهات المجالس في مقاربة اختصاصها في النظر في قضايا العمل. في الحلقة السادسة، حاولنا استكشاف كيفية مقاربة المجالس لطلبات الأجراء باستحقاق التعويض عن الصرف التعسفي والمعايير المعتمدة لتحديدها. في هذه الحلقة (السابعة)، نتناول فهم مقاربة المجالس لأسباب الصرف المدلى بها من أصحاب العمل وبخاصة الأسباب المتصلة بأخطاء الأجراء أو الأسباب الاقتصادية؛ علما أننا نعيد نشر الدراسة بمضمونها الكامل ومع جداولها في منشورة على حدة. ونضع هذه الدراسة بأكملها برسم وزير العمل كميل أبو سليمان، مذكرين إياه أن حماية العمالة اللبنانية لا يتم فقط من خلال مكافحة العمالة غير النظامية، بل أيضا من خلال ضمان الاستقرار الوظيفي الذي يمنع استبدال العمالة الوطنية بعمالة غير نظامية، وإعادة التوازن إلى علاقات العمل وضمان الوصول إلى عدالة سريعة وفعالة (المحرر). 

 

بالنظر إلى العيّنة، وفي ما خصّ مآل أبرز الأسباب التي يتذرّع بها أصحاب العمل لتبرير الصرف التعسّفي، يتبيّن أن المحكمة ردّت هذه الإدلاءات في 79% من الحالات. وإن دلّ هذا الرقم على أمر فهو على محاولة أصحاب العمل استخدام الإستثناءات التي وضعها قانون العمل للأمن الوظيفي من دون وجه حق، وعلى تفسير مجالس العمل الضيق لهذه الإستثناءات.

 

الإدلاء بالأسباب الاقتصادية

يؤدي التذرع بالصرف بسبب الظروف الإقتصادية إلى إعفاء صاحب العمل من أي موجب بالتعويض من جرّاء الصرف التعسفي على الأجراء في حال توفّر شروط تطبيق المادة 50 فقرة (واو).

فأجازت الفقرة "واو" من المادة 50 من قانون العمل لأصحاب العمل إنهاء "بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة أو ظروف اقتصادية أو فنية هذا الإنهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام إنتاج بآخر أو التوقف نهائياً عن العمل." واشترطت المادة على أصحاب العمل، كي لا يتسم الصرف بالطابع التعسفي، إبلاغ "وزارة العمل والشؤون الاجتماعية رغبتهم في إنهاء تلك العقود قبل شهر من تنفيذه، وعليهم أن يتشاوروا مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء تراعى معه أقدمية العمال في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي وأخيراً الوسائل اللازمة لإعادة استخدامهم." أي أن هناك شرطين مفروضين على أصحاب العمل لإنهاء العقود المبرمة في المؤسسة في حال تبين أنها تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وهما شرطين شكليين جوهريين، الأول يكمن في لزوم إبلاغ وزارة العمل، والثاني يكمن في احترام مهلة شهر قبل الإقدام على الصرف أو إنهاء العقود بعد ابلاغ وزارة العمل. وقد استشهدت بعض الأحكام موضوع الدراسة بالأحكام الصادرة عن محكمة التمييز[1]  والتي تعتبر شرط إعلام الوزارة والإلتزام بالمهلة شرطين شكليين جوهريين مرتبطين بالنظام العام ويهدفان إلى حماية الأجراء.

وتجدر الإشارة إلى أن المجالس ردّت إدلاءات أصحاب العمل الذين تذرعوا بهذه الظروف في جميع الحالات على أساس عدم احترامهم الشروط الشكلية الجوهرية هذه.

وتتطلّع هذه الدراسة، وبعد التعمّق بأبرز الأحكام التي تضمّنتها العيّنة موضوعها، الإجابة عن إشكاليات مفادها: كيف تراقب مجالس العمل التحكيمية احترام الشروط الشكلية الجوهرية المنصوص عنها في المادة 50 فقرة  (واو)؟ وكيف تفهم المجالس "الظروف الإقتصادية" وتراقب إثبات وجودها؟

ولهذا التساؤل أهميته؛ فهل تكتفي مجالس العمل من التأكد من إبلاغ صاحب العمل نيته بإنهاء العقود إلى وزارة العمل ومن إنطلاق المشاورات بينهما؟ وهل تفرض عليه انتظار مرور مهلة شهر من هذا الإبلاغ قبل تنفيذ الصرف؟ أم هل تفرض مجالس العمل عليه التوصّل الفعلي إلى وضع برنامج نهائي مع الوزارة لإنهاء العقود وفق المعايير التي تفرضها الفقرة (و) من المادة 50؟

 

الشروط الشكلية جوهرية

تبدو مجالس العمل التحكيمية حريصة من جهة أولى على مراقبة مدى التزام أصحاب العمل بالشروط الشكلية التي تفرض المادة 50 (واو) على صاحب العمل التقيّد بها، لا سيما في ضوء تشديد محكمة التمييز[2] على الطابع “الجوهري” لهذه الشروط، ولكن من دون التحري عن مدى صحة هذه الأسباب. فيقتضي بحسب غرف مختلفة من مجالس العمل التحكيمية إبلاغ وزارة العمل بالتوجه إلى صرف الأجير بسبب الظروف الإقتصادية[3]، وبضرورة التقيّد بمهلة الشهر[4]. وأوضح أحد الأحكام[5] أن "المشرع، بوضعه هذا الشرط الشكلي بضرورة قيام صاحب العمل بإبلاغ وزارة العمل رغبته بإنهاء عقد العمل قبل شهر من تنفيذه وبإلزامه التشاور مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الإنهاء، هدف إلى حماية العامل عن طريق إعطاء الوزارة المذكورة مجالاً لمراقبة كيفية إنهاء عقود العمل بالإستناد إلى الإدلاء بأسباب إقتصادية وذلك ضمن مهلة حدّدها النص". كما تشدّدت المجالس[6] بعدم الإكتفاء بشرط إبلاغ صاحب العمل وزارة العمل رغبته في إنهاء عقود العمل بل بضرورة أن يتمّ وضع برنامج نهائي لإنهاء تلك العقود تراعى فيه اعتبارات عدة بالتشاور بين صاحب العمل والوزارة.

من اللافت في هذا الإطار أيضاً عدم اكتفاء المجلس بإعلان إفلاس الشركة صاحبة العمل لإعتبار الصرف مبرراً، بحيث فرض في هذه الحالة أيضاً على الشركة المفلسة التقيّد بالشروط الشكلية المنصوص عنها في الفقرة (و) من المادة 50/عمل. فاعتبرت الغرفة الرابعة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية جمال محمود[7]، أن "إفلاس المدعى عليها لا يبرر صرف وعدم إعطاء المدعي ما يستحق من تعويضات وأجور عن المدة التي خدم فيها". وفي الإتجاه نفسه ذهبت الغرفة الأولى في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضية يولا سليلاتي[8] التي اعتبرت أنه وحيث أن توقف الشركة المفلسة عن متابعة نشاطها التجاري بسبب الحكم بإعلان إفلاسها لا يعفيها عن التعويض على المدعي عن فسخ عقد عمله وعن مهلة الإنذار طالما أنها لم تتقيد بشرط الفقرة (و) من المادة 50 عمل".

 

الصرف الاقتصادي أبعد من الشروط الشكلية

لعلّ الإجتهاد الأوضح في هذا الخصوص هو اجتهاد الغرفة الخامسة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية هيام خليل التي اعتبرت في عدّة أحكام لها[9] أنه "ولئن كان المشترع لم يذكر صراحة في الفقرة (و) من المادة 50 من قانون العمل بأنه لا يحق لصاحب العمل الإقدام على الصرف لأسباب إقتصادية إلا بعد الحصول على موافقة وزارة العمل، بيد أن المشترع بفرضه موجب التشاور مع الوزارة المذكورة لوضع برنامج نهائي لهذا الإنهاء، قصد أنه في حال عدم موافقة وزارة العمل على هذا البرنامج النهائي وعدم التوصل معها إلى إتفاق حول الوسائل اللازمة لإعادة إستخدام الأجراء المصروفين من الخدمة، وإصرار صاحب العمل، بالرغم من ذلك، على عملية الصرف يكون هذا الأخير قد خالف منطوق الفقرة (و)، وبالتالي يكون الصرف مستنداً إلى سبب غير صحيح ومن قبيل التجاوز أو الإساءة في إستعمال حق الفسخ". وتابعت الغرفة معتبرة بما لا لبس فيه أن "نية المشترع تتعدى الإجراءت الشكلية إلى تقييد حرية صاحب العمل لمنعه من الإنفراد في عملية الصرف لدواعٍ إقتصادية تتعلق بكيفية عمل مؤسسته".

كما أكّدت على اتّسام النص بالطابع الإلزامي لتعلّقه بالنظام العام، معلّلة ذلك بهدف نص المادة 50 (و) المتّجه إلى "حماية الأجير لمنع أي تجاوز قد يسبب الإساءة له" [10]. وفي الإتجاه نفسه ذهبت الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضي ميراي الحداد[11] والتي ذهبت هي الأخرى في اتجاه فرض إثبات توفّر ظروف إقتصادية. فعمدت في إحدى قضايا العمل[12]، وبغية القول بأن الصرف اتسّم بالطابع التعسفي، إلى دراسة توفر شروط المادة 50/عمل و74/عمل في كلّ فقراتها. واعتبرت أنه في ما خص البند (و) من المادة 50/عمل أنه وبحيث "أن المدعى عليها (صاحبة العمل) لم تثبت وجود ظروف اقتصادية قاهرة تبرّر الصرف خاصة وهي لم تتقيّد بالشرط الشكلي المفروض في البند واو"، يقتضي استبعاد تطبيق هذه المادة.

وتظهر ختاماً، وفي الإطار نفسه، أهمية مشروع قانون وزير العمل السابق شربل نحاس المشار إليه في القسم الأول من الدراسة،  القاضي بتعديل نص الفقرة (واو) من المادة 50 على نحو يلزم أصحاب العمل بإعلام الوزارة بها قبل ثلاثة أشهر (بدلا من شهر) بالإضافة إلى ضرورة تقديمهم الإثباتات المحاسبية على وضع مؤسستهم الاقتصادية التي تقضي القيام بهذا الصرف. كما جاء في المشروع أن التشاور مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لإنهاء عقود العمل لا يبدأ إلا بعد أن تتأكد وزارة العمل من هذا الاقتضاء. فإعطاء وزارة العمل سلطة التحقق من حقيقة هذه الظروف وإلزام صاحب العمل بتقديم الإثباتات عليها، يفتح المجال أمام مجالس العمل لمراقبة صحة الصرف لأسباب إقتصادية في الأساس، أبعد من تقيّد صاحب العمل الحصري بالأسباب الشكلية الجوهرية المرتبطة به.

 

الإدلاء بخطأ الأجير وفق المادة 74 من قانون العمل

تجيز المادة 74/عمل لصاحب العمل فسخ عقد العمل دون إنذار الأجير ودون دفع أي تعويض له في بعض الحالات. وتتبيّن إذاً أهمية مراقبة مجالس العمل لتوفر شروط تطبيق إحدى هذه الفقرات لما لذلك من أثر على ظروف الصرف وحقوق الأجير.

وتناولت بعض أحكام العيّنة تذرّع صاحب العمل بإحدى هذه الحالات.

 

عمل أو إهمال مقصود يرمي إلى إلحاق الضرر بمصالح صاحب العمل

تجيز الفقرة (3) من المادة 74/عمل لصاحب العمل فسخ العقد في هذه الشروط "إذا ثبت أن الأجير إرتكب عملا أو إهمالا مقصودا يرمي إلى الحاق الضرر بمصالح رب العمل المادية. على أنه يجب على رب العمل للتذرع بهذا السبب أن يعلم خطيا بهذه المخالفة مصلحة الشؤون الاجتماعية خلال ثلاثة أيام من التثبت منها."

وقد ردّت المجالس إدلاءات أصحاب العمل في 27 من أصل 42 قضيّة تذرع صاحب العمل فيها بهذه المادة لتبرير صرف الأجير: 16 منها على أساس امتناع أصحاب العمل عن إعلام مصلحة الشؤون الاجتماعية في وزارة العمل بالمخالفة المرتكبة من قبل الأجير المذكورة في الفقرة (3) من المادة 74/عمل ضمن مهلة ثلاثة أيام، مما يحرمهم من إمكانية التذرع به لتبرير صرف الأجير سندا للمادة المذكورة، و11 على أساس المادة 50 (أ)/عمل أي التعسّف في استعمال حق الصرف. وأبدت بذلك المجالس تمسكا في فرض مراعاة الشروط الشكلية حماية للأجراء. وقبلت المجالس بهذا الإدلاء في 12 دعوى، وردّت دعوى التعويض عن الصرف التعسفي في 3 دعاوى (2 لمرور الزمن و1 لوجود إبراء ذمة).

وفي حكم لافت للغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضية ميراي الحداد[13]، ذكّرت الأخيرة، وفي حالة تذرّع فيها صاحب العمل بارتكاب أجيره عملاً أو إهمالاً مقصوداً يرمي إلى إلحاق الضرر بمصالحه المادية، أن الفقرة (3) من المادة 74/عمل تفرض على ربّ العمل في هذه الحالة أن يعلم وزارة العمل (مصلحة الشؤون الإجتماعية) خطياً بهذه المخالفة، خلال ثلاثة أيام من التثبت منها، مشيرة إلى أن "المهلة المحددة في الفقرة الثالثة هي مهلة إسقاط بمعنى أنه إذا لم يراعِ صاحب العمل هذه المهلة سقط حقه بفصل الأجير". وانتهت إلى أن عدم تقيّد صاحب العمل بهذا الشرط الشكلي يجعله مسؤولاً عن فسخ عقد العمل، وأنه بغياب أيّ دليل قائم على ارتكاب الأجير خطأً جسيماً، أو سبب آخر لصرفه، يكون صاحب العمل قد أساء استعمال حقّه بالصرف، عملاً بالفقرة (د/1) من المادة 50/عمل. وفي الإتجاه نفسه ذهبت الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية عفاف يونس[14]. إلا أن الأهم ورد في حكم صادر عن الغرفة الثانية في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية وفاء مطر[15]، لجهة أن "الشرط الأخير المنصوص عليه في المادة 74 فقرة (3) (...) لا يعني إعلام الوزارة بقرار إنما إعلامها - وقبل صرف الأجير- بالمخالفة التي ارتكبها هذا الأخير خلال ثلاثة أيام من التثبت منها، سيما وإن الهدف من هذا الإجراء هو إتاحة الفرصة أمام وزارة العمل للتحقق من إرتكاب الأجير لأفعال مقصودة ترمي إلى إلحاق الضرر بصاحب العمل"ً[16]. وفي الإتجاه نفسه ذهبت كل من الغرفتين الرابعة والخامسة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة كل من القاضيتين جمال محمود[17] وهيام خليل[18].

 

ارتكاب مخالفات هامة للنظام الداخلي

أما الفقرة (4) من المادة 74/عمل فتجيز لصاحب العمل فسخ العقد "إذا أقدم الأجير بالرغم من التنبيهات الخطية التي توجه إليه على ارتكاب مخالفة هامة للنظام الداخلي ثلاث مرات في السنة الواحدة". وذكّرت الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية عفاف يونس في هذا المجال بشروط الفقرة (4) أي إرتكاب الأجير هكذا مخالفة ثلاث مرات في السنة الواحدة، وإرسال التنبيهات الخطية له بذلك، وأن عدم التقيّد بهذه الشروط يجعل الصرف تعسّفياً.

ردّت المجالس إدلاءات صاحب العمل بهذه المادة في 26 من أصل 32 قضية تذرع صاحب العمل فيها بهذه المادة لتبرير صرف الأجير: 3 منها على أساس امتناع أصحاب العمل عن توجيه التنبيهات الخطية إلى الأجير على ارتكابه مثل هذه المخالفة للنظام الداخلي المذكورة في الفقرة (4) من المادة 74/عمل، مما يحرمهم من إمكانية التذرع به لتبرير صرف الأجير سندا للمادة المذكورة، وفي 23 حكماً لعدم إنطباق هذه المادة على الدعاوى إذ لم يثبت إرتكاب الأجير أية مخالفة.

وقبلت المجالس بهذا الإدلاء في 4 دعاوى، فيما ردّت دعوى التعويض عن الصرف التعسفي في دعويين (1 لمرور الزمن و1 لوجود إبراء ذمة).

 

التغيّب

من جهتها، تجيز الفقرة (5) من المادة 74/عمل لصاحب العمل فسخ العقد في نفس الشروط "إذا تغيب الأجير بدون عذر شرعي أكثر من خمسة عشر يوماً في السنة الواحدة أو أكثر من سبعة أيام متوالية. يجب أن يبين الأجير لرب العمل أسباب الغياب خلال أربع وعشرين ساعة من رجوعه. وعلى رب العمل في كل مرة أن يبلغ الأجير خطيا عن عدد الأيام التي تحسب عليه أنه تغيّب فيها بدون عذر شرعي".

وتذرّع صاحب العمل في 24 قضية بتغيب الأجير بدون عذر شرعي.

وقد ردّت المجالس هذه الإدلاءات في 16 من هذه الأحكام: 3 منها على أساس امتناع أصحاب العمل عن احترام الشرط الشكلي القاضي بتبليغ صاحب العمل الأجير خطيا عن عدد الأيام التي تحسب عليه أنه تغيّب فيها بدون عذر شرعي المذكورة في الفقرة (5) من المادة 74/عمل، وفي 13 حكماً لعدم إنطباق هذه المادة على الدعاوى إذ لم يثبت تغيّب الأجير غير المبرر.

وقبلت المجالس بهذا الإدلاء في 5 دعاوى، فيما ردّت دعوى التعويض عن الصرف التعسفي في 3 دعاوى لمرور الزمن.

 

اعتداء الأجير على صاحب العمل

وترتبط الفقرة (7) من المادة 74/عمل بحالة اعتداء الأجير على صاحب العمل.

واعتبرت الغرفة الثانية في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية وفاء مطر في حكم لها[19] أن المشادة الكلامية لا تشكّل فعل التعدي المنصوص عليه في الفقرة (7) من المادة 74/عمل الذي يبرّر الصرف من العمل، مما يجعله تعسفياً سنداً للمادة 50/عمل.

 

كيف تقارب المجالس التوقيع على إبراء الذمة؟

تكثر الحالات التي، يطلب فيها أصحاب العمل من الأجراء التوقيع على إبراء ذمة يفيد أنهم حصلوا على جميع حقوقهم عند إنهاء علاقة العمل أو قبل إقدام أصحاب العمل عليه. فبالمبدأ يمنع توقيع الأجيرة إبراء ذمة من تقديم دعوى لاحقة بوجه صاحب العمل، لا سيما دعوى صرف تعسّفي. وقد وثقنا 6 أحكام (أي 1,8% من مجمل الأحكام) تم فيها رد الدعوى بسبب توقيع الأجير/ة على إبراء ذمة.

وتتوزّع الأحكام بين حكمين صادرين في دعاوى مقدمة من أجيرين عاملين في القطاع العام (أجير سابق بوجه “إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية" وأجير بوجه هيئة أجيرو)، و4 أحكام صادرة في دعاوى مقدمة من أجراء عاملين في القطاع الخاص (3 شركات وجمعية غير حكومية).

وقد أخذت مختلف غرف المجالس التحكيمية الناظرة في صحة إبراء الذمة[20] بمعيار تاريخ التوقيع عليه، أي حصوله أثناء وجود علاقة العمل أو بعد إنتهائها. واعتبرت المجالس في الأحكام الستة أن توقيع كتاب إبراء الذمة بعد انتهاء عقد العمل، “أي بعد خروج الأجير عن سلطة رب العمل” يجعل منه شخصاً حراً طليقاً من أي تأثير أو ضغط يمارس عليه، قادراً على اتخاذ التدبير الذي يراه مناسباً. فيكون بالتالي هذا الإبراء صحيحاً ويؤخذ به. بمعنى آخر يكفي لهذه المجالس أن يحصل التوقيع أثناء وجود الأجير تحت سلطة رب العمل ليكون عنصر الإكراه المفسد للرضى قائماً.

وفي هذا الإطار، ورد في الحكم الصادر عن الغرفة الأولى في بيروت برئاسة القاضية وفاء مطر[21] حيثية مفادها أنه “لا يغيّر من هذه النتيجة قول المدعي (الأجير) بأنه وقّع الإبراء مُكرهاً تحت ضغط ، إذ أن الحاجة إلى المال لا تشكّل الإكراه المفسد للرضى المنصوص عليه في المادة 210 م.ع.”. في حين اعتبرت الغرفة الأولى في جبل لبنان برئاسة القاضية ماجدة مزيحم في حكم لها[22] أن توقيع إبراء الذمة بعد ترك العمل يجعل إرادة الأجير “حرّة غير خاضعة لسلطة أو أو المعنوي”.

ويظهر تعليل المجلس الذي خلص إلى اعتبار “الحاجة إلى المال لا تشكّل الإكراه المفسد للرضى” غير كاف، خصوصاً في ظل تطوّر مفهوم “الإكراه” تحديداً في الفقه والإجتهاد والتشريع الفرنسي، حيث أن تعديل قانون الموجبات والعقود الفرنسي الحاصل في 2016 أدخل إلى المادة 1143 الجديدة مفهوم “استغلال وضعية التبعية” أي abus de dépendance الذي يشكّل أحد أوجه الإكراه. ويتضمّن مفهوم “وضعية التبعية” أولاً التبعية المادية.

 

كيف تقارب المجالس ماهية عقد العمل؟

تشكل طبيعة عقد العمل، وتحديدا فيما إذا كان محدد أم غير محدد المدة، عاملا أساسيا في تحديد التعويضات التي قد تترتب على فسخه. فحق أصحاب العمل بفسخ عقود العمل في أي حين بموجب إنذار مسبق، كما المواد الخاصة بالتعويض من جراء الصرف التعسفي كلها مسائل محصورة في عقود العمل غير المحددة المدة.

وقد اعتبرت عدّة غرف من مجالس العمل[23] أن مجرّد النص في عقد عمل محدد المهلة على إمكانية أحد طرفي العقد بإنهائه بالإرادة المنفردة يجعله من فئة العقود غير المحددة المدة "طالما أن المدة المحددة فيه يمكن إبطالها قبل حلول أجلها بإرادة الفريقين أو بإرادة احدهما المنفردة"[24] وذلك"حسب الفقه والإجتهاد المستقر"[25]. وأوضحت إحدى الغرف[26] أن "العقد المحدد المدة هو العقد الذي تتحدد نهايته بواقعة مستقبلية محققة الوقوع لا يتوقف حصولها على إرادة أحد المتعاقدين، أما العقد غير المحدد المدة فهو العقد الذي يعطى فيه لكل من موقعيه الحق بإنهائه متى شاء شرط إنذار الفريق الآخر بذلك بفترة زمنية معينة قانونا أو بإتفاق الفريقين" لتنتهي إلى أن "ترقية المدعى عليها (الآجيرة) إلى رتبة ... ليس من شأنها أن تحول عقد عملها من عقد غير محدد المدة إلى عقد محدّد المدة في العمل لدى المؤسسة نفسها وفي المجال نفسه، بشكل متواصل ومستمر منذ العام 2004 وحتى 11/8/2014".

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 61 |  تموز 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة


[1] أنظر مثلاً: محكمة التمييز، الغرفة الثامنة المدنية، رقم 115تاريخ 29/06/1999 (الرئيس زين والمستشاران معوشي وشبطيني العم)، صادر في التمييز، القرارات المدنية 1999، ص. 770: "حيث ان المميز عليها تكون قد نفذت قرارها بالصرف بعد يوم واحد من ابلاغ وزارة العمل، فيكون مجلس العمل التحكيمي، بعدم اعتماده المهل المحددة في الفقرة "و" من المادة 50 عمل، قد خالف شرطا جوهريا مما يفضي الى نقض القرار المطعون فيه سندا للفقرة الاولى من المادة 708 اصول مدنية لجهة الصرف التعسفي فقط".

[2] أنظر مثلاً:  محكمة التمييز، الغرفة الثامنة المدنية، رقم 115تاريخ 29/06/1999 (الرئيس زين والمستشاران معوشي وشبطيني العم)، صادر في التمييز، القرارات المدنية 1999، ص. 770: "حيث ان المميز عليها تكون قد نفذت قرارها بالصرف بعد يوم واحد من ابلاغ وزارة العمل، فيكون مجلس العمل التحكيمي، بعدم اعتماده المهل المحددة في الفقرة "و" من المادة 50 عمل، قد خالف شرطا جوهريا مما يفضي الى نقض القرار المطعون فيه سندا للفقرة الاولى من المادة 708 اصول مدنية لجهة الصرف التعسفي فقط".

[3] قرار رقم 904/2018 صادر عن الغرفة الثانية في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية وفاء مطر. قرار رقم 446/2018 وقرار رقم 111/2018 الصادر عن الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضية ميراي الحداد.

[4]أنظر : قرار رقم 219/2018 وقرار رقم 420/2018 الصادرة عن الغرفة الرابعة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية جمال محمود.

قرار رقم 395/2018 الصادر عن الغرفة الثانية في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضية يولا سليلاتي.

[5]أنظر: قرار رقم 389/2018 الصادر عن الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان برئاسة القاضية ميراي الحداد. وذكّر المجلس باجتهاداته السابقة لهذه الناحية: كالوسيديان/ شركة ليو غرافور تاريخ 20/4/2015 سجلات المحكمة؛ يونس/ شركة ستايل أوف ذي تايم ش.م.م. تاريخ 14/5/2018 سجلات المحكمة.

[6]أنظر  قرار رقم 446/2018 وقرار رقم 914/2018 الصادر عن الغرفة الثالثة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت، برئاسة القاضية عفاف يونس.

[7] قرار رقم 615/2018.

[8] قرار رقم 12/2018.

[9] قرار رقم 627/2018 والقرار رقم 673/2018 والقرار رقم 475/2018

[10] قرار رقم 627/2018.

[11] قرار رقم 446/2018.

[12] قرار رقم 151/2018.

[13] قرار رقم 179/2018.

[14] قرار رقم 14/2018.(7)قرة (ر قد خالف منطوق الفقرة (ي سنداً للمادةاب حماية للأجير.موجبات والعقود.ء هو قضاية المعروضة عليهم.لى الأجراء في حال انطباق (7)قرة (ر قد خالف منطوق الفقرة (ي سنداً للمادةاب حماية للأجير.موجبات والعقود.ء هو قضاية المعروضة عليهم.لى الأجراء في حال انطباق

[15] قرار رقم 287/2018.

[16] قرار رقم 343/2018.

[17] قرار رقم 521/2018.

[18] قرار رقم 177/2018.

[19] قرار رقم 169/2018.

[20] بيروت: الغرفة الأولى برئاسة القاضية وفاء مطر، والثالثة برئاسة القاضية عفاف يونس، والرابعة برئاسة القاضية جمال محمود ؛ في جبل لبنان : الغرفة الأولى برئاسة القاضية ماجدة مزيحم.

[21] قرار رقم 853/2018.

قرار رقم 212/2018[22]

[23] أنظر:

قرار رقم 571/2018 صادر عن الغرفة الرابعة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية جمال محمود.

قرار رقم 418/2018 صادر عن مجلس العمل التحكيمي جبل لبنان الغرفة الأولى برئاسة القاضية ماجدة مزيحم.

قرار رقم 55/2018 مجلس العمل التحكيمي بيروت الغرفة الثانية برئاسة القاضية وفاء مطر.

[24] قرار رقم 571/2018 صادر عن الغرفة الرابعة في مجلس العمل التحكيمي في بيروت برئاسة القاضية جمال محمود.

[25] قرار رقم 418/2018 صادر عن مجلس العمل التحكيمي جبل لبنان الغرفة الأولى برئاسة القاضية ماجدة مزيحم.

[26] قرار رقم 55/2018 مجلس العمل التحكيمي بيروت الغرفة الثانية برئاسة القاضية وفاء مطر.