أعلنت رئيسة لجنة التشريع العام بالمجلس الوطني التأسيسي التونسي في 07/11/2013 أن لجنتها أنهت مناقشة مشروع القانون الذي تولت الحكومة عرضه على ممثلي الشعب بتاريخ 12/2/2013 ويتعلق بتنقيح أحكام مجلة الاجراءات الجزائية بما يستفاد منه قرب عرض مشروع القانون على الجلسة العامة للمجلس التشريعي للمصادقة عليه. ويكتسي تنقيح أحكام الاجراءات الجزائية المقترح أهمية بالغة على اعتبار أن الاصلاحات التي يتضمنها من شأنها أن توفر ضمانات لحقوق المحتفظ بهم لدى اعوان الضابطة العدلية من جهة كما ان المشروع يدخل اصلاحا على نظام العدالة الجزائية التونسية من جهة أخرى في توجه يكرس مبادئ المحاكمة العادلة ويعد استجابة لمطالب هياكل القضاة والمجتمع المدني.

مشروع قانون يحسّن حقوق المشبه فيه
خص مشروع تنقيح أحكام مجلة الاجراءات الجزائية المحتفظ به أي المشتبه به في ضلوعه في فعل اجرامي يمكن أن يوصف بجنحة تستوجب عقوبة سجنية أو جناية باهتمام خاص في اتجاه حماية حق هذا الأخير في سرعة الاحالة على المحكمة وفي اتجاه تدعيم حقوقه اثناء مرحلة البحث الاولي من خلال الاقرار بحقه في الاستعانة بمحامي للدفاع عن مصالحه.

تخفيضمدة الاحتفاظ لأجل ضمان سرعة المحاكمة:  
يقترح مشروع القانون مراجعة نظام الاحتفاظ بالمشتبه بهم لدى اعوان الضابطة العدلية في سياق يجعل من اذن النيابة العمومية بالاحتفاظ قبل حصوله اجراء وجوبيا. كما تمت بمناسبته مراجعة مدد الاحتفاظ المؤقت وذلك في اتجاه الحط من اقصاها الى ثماني وأربعين ساعة تقبل التمديد بإذن من النيابة العمومية لمرة واحدة لذات المدة. ويعد فرض الاذن المسبق للنيابة العمومية في الاحتفاظ بالمشتبه بهم في الجنح والجنايات تطورا تشريعيا هاما على اعتبار ان النص القانوني الساري حاليا يمكن اعوان الضابطة العدلية من ممارسة الاحتفاظ دون الحاجة لإذن قضائي وإنما يلزمهم اثر اتخاذهم للإجراء الاحترازي بإعلام ممثل النيابة العمومية به. وينتظر ان تؤدي الرقابة القضائية على الاحتفاظ الى التقليص من حالات اللجوء اليه بما يكرس المبدأ الذي يعتبر الاحتفاظ اجراء استثنائيا. كما ان تحديد مدد الاحتفاظ في اتجاه التنقيص منها الى الحد الادنى الذي يضمن اجراء الابحاث الاولية يشكل تكريسا تشريعيا لحق المشتبه به الواقع الاحتفاظ به في المثول في أقصر الآجال أمام قاضيه الطبيعي. ويعد الحد من مدد الاحتفاظ متى تم عاملا ايجابيا سيفضي للحد من الاكتظاظ في مراكز الاحتفاظ غير ان جدوى الاصلاح تستدعي تدعيم اعوان الضابطة العدلية لوجيستيا وبشريا لكيلا يؤدي مستقبلا الاصلاح على ايجابيته من وجهة النظر الحقوقية الى التأثير سلبيا على نوعية الابحاث الاولية وحسن تعرضها لعناصر البحث وهو أمر يستوجبه ايضا الاقرار بحق المشتبه به في الاستعانة بمحام امام الباحث الابتدائي لضمان تطور ظروف البحث.
 
حق المشتبه به في الدفاع: تطور تاريخي
تولى مشروع القانون في إطار تدخله لإصلاح منظومة الابحاث العدلية امام الباحث الابتدائي ارساء مبدأ حق المشتبه به في الاستعانة بمحام للدفاع عنه لأول مرة في تونس. ويمثل الاعتراف بحق ذي الشبهة  في انابة محام لمعاضدته في جلسات الاستنطاق والمكافحة وفرض واجب اعلام ذي الشبهة بحقه هذا على الباحث الابتدائي مع تحميل ذات الباحث في صورة الاحتفاظ بواجب اعلام عائلة المشتبه به بطلبه انابة محام للدفاع عنه مع ترك اثر كتابي، تطورا هاما في تنظيم اعمال اعوان الضابطة العدلية اذ يذكر في هذا السياق ان الاحكام الاجرائية الجزائية التونسية لا تعترف بحق المشتبه به في الاستعانة بمحام إلا اذا كانت الابحاث التي يجريها الباحث تتم في اطار انابة قضائية صادرة عن قاضي التحقيق. وتحرم بالتالي القوانين التونسية المشتبه بهم قبل مثولهم امام المحكمة من الاستفادة من نيابة محام. ويؤدي فعليا عدم تدخل المحامي في مرحلة البحث الاولي لتوفر ظروف موضوعية ملائمة للتجاوزات التي قد تطال الافراد الذين يتم بحثهم وتتمثل اساسا في استعمال العنف بأنواعه او التعذيب لنزع الاعترافات من عندهم دون احترام لحقوقهم الاساسية في سلامتهم الجسدية ودون التزام باحترام حقهم في الصمت الذي تكفله لهم قواعد المحاكمة العادلة.

ورغم اهمية الخطوات التي يقترحها مشروع النص القانوني في اتجاه اخضاع الاحتفاظ لرقابة النيابة العمومية والحد من مدته مع ضمان حضور المحامي مع المشتبه به في مرحلة البحث الاولي، فان سكوت مشروع  النص القانوني عن بيان الأثر الذي يترتب عن مخالفة الباحث الابتدائي للاشتراطات التشريعية على مآل البحث يبدو سببا للتصريح بالخشية من أن يؤدي مستقبلا تطبيق القانون بعد المصادقة عليه الى تحويل الاحكام المستحدثة الى مجرد اجراءات شكلية لا تضمن فعليا المحاكمة العادلة المرجوة كما كان حال الضمانات السابقة التي كرستها النصوص القانونية السارية.

ويشار هنا الى ان النصوص القانونية الحالية تنص على جملة من الضمانات للمحتفظ به اذ تلزم  اعوان الضابطة العدلية بإعلام المحتفظ به  بحقه في طلب عرضه على الفحص الطبي وبحقه في طلب اعلام احد اقربائه بالإجراء المتخذ ضده وتحرير محضر في ذلك، غير ان التطبيق القضائي في تعاطي الادعاء العام والمحاكم مع اخلالات الباحث الابتدائي بالضمانات المذكورة لم يرتب اثرا اجرائيا واضحا عن ذلك وقد اتجهت اغلب المحاكم الجزائية الى اعتبار ان الاخلال بإجراءات البحث الاولي لا يترتب عليه بطلان اجراءات التتبع بحجة ان المشرع لم ينص على ذلك وان البحث الاولي مجرد اجراء اولي يتم تلافي الاخلالات التي ترد عليها من خلال الاجراءات القضائية الاستقرائية اللاحقة.

وقد يكون من واجب المجلس الوطني التأسيسي عند مناقشته لمشروع القانون المقترح ان ينص صراحة على بطلان الاجراءات كأثر لكل مخالفة منعا لكل تأويل للنص القانوني ينزع عنه أثره المرجو في تدعيم ضمانات شفافية الابحاث الاولية. كما ينهض على المشرع بيان نطاق البطلان وأثره خصوصا وان ابطال الابحاث الاولية قد يطرح السؤال حول جواز اجراء بحث اولي لاحق في حق ذات المشتبه به بما قد يؤدي لمعاودة الاحتفاظ به ويقترح في هذا السياق ان ينص القانون صراحة على عدم جواز اجراء أبحاث جديدة من قبل الباحث الابتدائي من اجل ذات الافعال التي ابطل القضاء اعماله في شأنها مع اسناد اختصاص تصحيح الاجراءات لقضاء التحقيق دون سواه.

كما يتبين من نص مشروع القانون انه وان منح المحتفظ به حق انابة محام للدفاع عن مصالحه القانونية امام الباحث الابتدائي ومنح ذات الحق للمتضرر القاصر في صورة اقتضاء الابحاث مكافحته بالمشتبه به إلا انه لم يتعرض لحالة رغبة المشتبه به او المتضرر القاصر او وليه في انابة محام وعدم اقتداره المالي على تحقيق ذلك. ويؤدي اغفال مشروع القانون لهذه المسالة الى ايجاد حالة من اللامساواة بين المشمولين بالأبحاث في ممارستهم لحقهم يكون مرده اقتدارهم المالي على مجابهة مصاريف التقاضي. ويتعين لتجاوز الحيف الظاهر التنصيص على حق المحتفظ به خصوصا منه ذلك الذي يتهم في جناية او من كان طفلا سواء كان متضررا أو مشتبها فيه في الاستفادة من نظام الاعانة العدلية التي تحمل الدولة مسؤولية انتداب محام للدفاع عنه. ويتعين ان يكون ذلك في إطار اجراءات تبين كيفية الحصول على قرار في تسخير محام للدفاع تضمن سرعة اتخاذ الاجراء التي يستوجبها ضيق اجال البحث وشفافية الاختيار بما يمنع نشوء شبكات تحايل في اوساط المحامين وجهة التعيين تستفيد من ذلك وتفسد دور الدفاع في مرحلة البحث الابتدائي وتهدر المال العام. ويبدو اقتراح تدعيم الحق في انابة محام امام الباحث الابتدائي بإدخال تطوير تشريعي لمنظومة المساعدة القضائية يتناغم مع توجه مشروع القانون لتدعيم الاصلاح التشريعي على مستوى مبدأ ارساء الحقوق بإصلاحات لمنظومة العدالة الجزائية تدعمه وتضمن فاعليته وهي الاصلاحات التي اقرها المشروع فيما تعلق اساسا بعلاقة القضاء بمؤسسات البحث الأمني والقضائي.
 
مشروع قانون يطور منظومة العدالة الجزائية       
بمجرد مصادقة المجلس الوطني التأسيسي على مشروع النص القانوني المقترح ودخوله حيز التنفيذ، يصبح قضاء التحقيق مستقلا في عمله عن النيابة العمومية بموجب سحب القانون لصلاحية تعيين القضايا التحقيقية من وكيل الجمهورية ليسندها في صورة تعدد مكاتب التحقيق بالمحكمة الى رئيس المحكمة الابتدائية. وفي مقابل هذا الاصلاح العاجل يرتب القانون اصلاحا آجلا لن يتحقق قبل مضي ثلاث سنوات من تاريخه يؤدي لجعل الضابطة العدلية ومصالح التعريف العدلي والسجل العدلي ترجع بالنظر لوزارة العدل بما ينهي وصاية المؤسسة الامنية التابعة لوزارة الداخلية على المؤسسات المذكورة.

استقلالية التحقيق عن الادعاء العام
أسندت النصوص القانونية السارية صلاحية تعيين القضايا بمكاتب التحقيق في صورة تعددها بالمحكمة الواحدة لوكيل الجمهورية لدى المحكمة وأدى اسناد الصلاحية المذكورة لجهة الادعاء الى تمكين النيابة العمومية من سلطة تدخل في عمل قضاء التحقيق. وكانت هياكل القضاة والجمعيات الحقوقية قد نبهت الى خطورة التداخل بين الادعاء العام وقلم التحقيق على شفافية الابحاث العدلية ودوره في تدعيم منظومة قضاء الادارة اي قضاء التعليمات بعد ان كانت وزارة العدل تستعمل سابقا الصلاحية المسندة لها في ابداء تعليمات للنيابة العمومية لتخير مكاتب التحقيق التي تروم استعمالها في القضايا التي ترغب في توجيه أبحاثها.

واستجاب مشروع القانون لمطلب اصلاح العلاقة بين قضاء التحقيق والنيابة العمومية فتولى سحب صلاحية توزيع القضايا على مكاتب التحقيق من وكيل الجمهورية وأسندها لرئيس المحكمة الابتدائية وذلك بعد ان حمل مشروع القانون وكيل الجمهورية مسؤولية اعلام رئاسة المحكمة بقرارات فتح البحث التي يتخذها وإحالة ابحاثها الاولية اليها، فيما الزم رئاسة المحكمة بنشر القضايا التي ترد اليها بمكاتب التحقيق بشكل لا رجعة فيه في اجل لا يتجاوز يومين من تاريخ توصلها بها.

ويبدو التوجه التشريعي في تغيير الجهة القضائية التي تتولى اختيار مكتب التحقيق الذي يباشر الابحاث تصحيحا لخلل مؤسساتي سابق ادى الى تحويل الادعاء العام من طرف لدى محكمة التحقيق الى متحكم فعلي في أعمالها. وسيكون لعملية التصحيح متى تحققت أثر ثقافي هام على منظومة التحقيق اذ سيؤكد لقضاة التحقيق مجددا انه جزء من القضاء الجالس لا ينتمون لجهة الادعاء خلافا للفكرة التي ترسخت لدى جانب عدد منهم بفعل العلاقة العضوية التي كانت تجمع مكاتبهم بالنيابة العمومية.

وفي مقابل ايجابية مقترح التنقيح، يلاحظ أن مشروع الفصل القانوني حدد أجلا أقصى لتعهد مكتب التحقيق بالقضايا التي تتوصل بها رئاسة المحكمة مدته يومين دون أن يبين ان كانت هذه الفترة تعني يومي  عمل اداري او مدة زمنية محددة؛ ويبدو منح مهلة في القضايا التي تتعلق بمتهمين سبق ان تم الاحتفاظ بهم في مرحلة البحث الاولي غير مبرر وقد يؤدي لإيجاد وضعيات تبدو قانونية وهي غير ذلك طالما ان حالة الاحتفاظ بذوي الشبهة من قبل باحث البداية ينتهي مفعولها بمجرد احالة الابحاث لوكالة الجمهورية بما يمنع تواصل الاحتفاظ لاحقا. وإذا افترضنا ان رئاسة المحكمة تولت الابطاء في اتخاذ قرار احالة ملف القضية التحقيقية لمكتب التحقيق في إطار استعمالها للإجازة التشريعية، فان حالة المشتبه به تصبح خارج نطاق النظام القانوني. ومن جهة أخرى، يبدو الاجل المذكور في القضايا التي لا تشمل محتفظ بهم أيضا غير مبرر خصوصا وانه اجل قصير قد يتعارض مع ضغط العمل اليومي بالمحاكم. كما أن عدم احترام الاجل المذكور قد يطرح السؤال عن الجزاء الذي يترتب عن عدم التزام رئاسة المحكمة بإصدار قرارها في تكليف قاضي التحقيق بالبحث في الاجل القانوني على سلامة الابحاث اللاحقة. وقد يكون من المتجه مراجعة مشروع النص القانوني في اتجاه التصريح بنشر القضية التحقيقية التي تتعلق بمحتفظ به في ذات يوم التوصل بها والتمديد في اجل نشر غيرها من القضايا لأجل يعتبر في تحديده حجم العمل وظروفه بالمحاكم بشكل لا يؤدي لاحقا لخرقه خصوصا وان ثقافة دولة القانون والمؤسسات تستدعي التزام الجميع بالقانون وتشترط في القانون ان يكون في اشتراطاته لا يتضمن ما يدفع لخرقه.

الضابطة العدلية ستكون مستقبلا جزءا من منظومة القضاء
في إطار مراجعة المنظومة القضائية الجزائية، نص مشروع القانون في فصله العاشر على ان اعوان الضابطة العدلية يخضعون في ممارستهم لمهامهم العدلية لإشراف ورقابة وزارة العدل بواسطة النيابة العمومية الراجعين لها بالنظر فيما تولى مشروع القانون اضافة فقرة للفصل 365 من مجلة الاجراءات الجزائية اتى فيه ان السجل العدلي ومصلحة التعريف العدلي تخضع لإشراف وزارة العدل.

ويبدو التوجه نحو انهاء خضوع الضابطة العدلية ومصالح السجل العدلي والتعريف العدلي لإشراف وزارة الداخلية ونقل صلاحية الاشراف عنها لوزارة العدل في إطار رقابة النيابة العمومية وإشرافها الاداري المباشر وان اشترط لتحقيقه مضي اجل قدره ثلاث سنوات لتحقيق حسن الاعداد المادي له، ايجابيا لكونه يرفع الاعتراضات الحقوقية السابقة عن عمل المؤسسات المذكورة. غير ان مشروع القانون أغفل التعرض للمخابر الجنائية ومصالح الشرطة الفنية وقسم الطب الشرعي التي يتجه ان يشملها اجراء التصحيح لتصبح جزءا من منظومة العدالة.
ويلاحظ ختاما ان مشروع القانون رغم بعده الايجابي الذي ينسجم مع استحقاقات اصلاح منظومة العدالة الجزائية يظل تدخلا تشريعيا جزئيا ومحتشما لم يرق للتعاطي مع كافة متطلبات الاصلاح واختار ان يتجنب التعاطي مع اصلاح النيابة العمومية في إطار علاقتها بوزارة العدل. وتحاشى التعرض لإصلاح منظومة الادعاء العام وان كان تجنب التعرض للإصلاحات الجوهرية على اهميتها يجد مبرراته في اختلاف اعضاء المجلس التأسيسي حولها وتأجيلهم للنقاش حولها لمرحلة ما بعد سن الدستور فان الاهمال المتعمد لاستغلال تنقيح مجلة الاجراءات الجزائية كمناسبة لإصلاح جملة الاحكام التي تتضمنها وتضر بالمحاكمة العادلة يجعل من مشروع التنقيح على اهميته مجرد عمل اصلاحي لا يمكنه ان يحقق اصلاحا حقيقيا للمنظومة الجزائية.
    
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=409717582487056&set=a.409717452487069.1073741971.100003464544677&type=1&theater