الملف القضائي لمقاطعة المنتوجات الإسرائيلية ينفتح شيئا فشيئا في لبنان، من خلال قيام عدد من الشركات بمداعاة ناشطي حملات المقاطعة أو وسائل الاعلام التي تنشر بياناتهم ودعواتهم[1]. وكان هذا الملف شهد مدا وجذرا في فرنسا، حيث سعى ناشطو المقاطعة الى نقض تعميم وزارة العدل بملاحقتهم، والى وقف الملاحقات المقامة ضدهم. وقد سجلوا حتى الآن نقاطا عدة في هذا المضمار، آخرها وأهمها قبل أيام في 20/11/2013 بموجب قرار صادر عن محكمة التمييز في قضية الناشطة أوليفيا زيمور، وهي عضو مؤسس ل"يورو فلسطين". وقد ارتأت المفكرة ضرورة في الإضاءة على هذا الحراك الحقوقي (المحرر). 

في 2010، أصدرت وزيرة العدل الفرنسية السابقة ميشال أليوت-ماري تعميما دعت فيه النيابات العامة الى ملاحقة الدعوات الآيلة الى مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، وقد أعاد الوزير اللاحق ميشال ميرسيي التأكيد عليه. وقد استند هذا التعميم الى توسع في تأويل مادتين من القانون الجزائي الفرنسي: المادة 24 فقرة 8 من قانون 29 تموز 1881 التي تعاقب الحض على التمييز ضد الأشخاص، والمادة 2-225 من القانون الجزائي التي تدين عرقلة العمل الطبيعي لنشاط اقتصادي.

وبالرغم من تكثيف الملاحقات عملا بالتعميم المذكور، نجحت حركة مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية في فرنسا في تحقيق عدد من الانتصارات القضائية. ومن أبرز هذه الانتصارات وأحدثها، الحكم الصادر عن محكمة التمييز الفرنسية في 20 تشرين الثاني 2013 في قصية أوليفيا زيمور والذي جاء تبعا لحكمين استئنافي (2012) وابتدائي (2011) بإبطال التعقبات ضدها. وكانت هذه القضية بدأت فصولا حين ادعت النيابة العامة ضد زيمور على خلفية نشرها فيديو يستعرض فيه ناشطون فلسطينيون وفرنسيون قمصاناً تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، على شبكة الإنترنت. وابطالا لهذه التعقبات، رأت المحكمة الابتدائية (جنح باريس) أن الدعوة إلى مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية ليست محظورة في القانون الفرنسي.ف"انتقاد دولة أو سياساتها لا يمكن أن يُعتبر، من حيث المبدأ، تعديا على حقوق مواطني هذه الدولة أو كرامتهم أو تعديا ضد هذه الدولة، وأن أي قول معاكس يشكل مسا خطيرا بحرية التعبير في عالم بات محل عولمة، وحيث بات المجتمع المدني يشكل لاعبا أساسيا فيه"[2]. ف"طالما أن الدعوة الى مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية صادرة عن مواطن لمبررات سياسية وهي تشكل جزءا من النقاش العام حول النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو نقاش يتصل باعتبارات متصلة بالصالح العام ذات أبعاد دولية، فان عناصر الجنحة المتمثلة ب"الحض على التمييز على أساس الانتماء الى دولة"، تكون غير متوفرة". وقد عززت المحكمة تعليلها بقولها بأن بعضا من فئات الرأي العام الإسرائيلي تساند أصلا حركة المقاطعة مُلمحةَ إلى تحالف النساء الإسرائيليات للسلام. ومن شأن انتصار ناشطي المقاطعة في هذه القضية في درجاتها الثلاث أن يمكنهم من تكثيف ضغوطهم ضد وزارة العدل لإلغاء التعميم الصادر في 2010 والذي بات مصدر إنهاك لهم.

وكانت محاكم فرنسية عدة ذهبت في الاتجاه نفسه، منها محكمة مولهوس في 15/12/2011 والمحكمة الابتدائية في بيربيجيان التي قضت في 14/8/2013 أن الملصقات واليافطات التي رفعها المدعى عليهم لا تشكل دعوة إلى التمييز أو الكراهية كما أنها لا تعرقل العمل الطبيعي لنشاط اقتصادي، انما هي تهدف الى فضح الاستعمار الذي تمارسه إسرائيل في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية.

الا أن نهايات الدعاوى لم تكن كلها وردية بالنسبة لناشطي المقاطعة. وهذا ما نستطلعه بشكل خاص من قرار الادانة الصادر عن محكمة استئناف بوردو في 22/10/2010 ضد ناشطة حقوقية على أساس الحض على التمييز ضد أشخاص وذلك لمشاركتها في حملة مقاطعة للمنتوجات الإسرائيلية في أحد المتاجر الكبرى. وقد جاء في القرار أن الإقدام على وضع مُلصق على زجاجة عصير فاكهة مصدرها إسرائيل مكتوب عليه عبارة "حملة مقاطعة أبارتيد إسرائيل" و"المجتمع المدني الفلسطيني يدعوكم إلى مقاطعة جميع المنتوجات الإسرائيلية طالما أن إسرائيل لا تحترم القانون الدولي" في مكان عام يشكل دعوة إلى عرقلة العمل الطبيعي لنشاط اقتصادي، مبني على تمييز ضد بعض المنتجين ومصدري المنتجات، على خلفية انتمائهم إلى دولة معينة (إسرائيل)". وقد أكدت محكمة التمييز الفرنسية على هذا القرار في 22/5/2012.

كما تجدر الإشارة الى حكم آخر ذات دلالة كبيرة هو الحكم الصادر مؤخرا في 19/9/2013 عن محكمة البداية في آلنسو. فبعدما انتهت المحكمة الى ادانة 7 أشخاص على خلفية "عرقلة العمل الطبيعي لنشاط اقتصادي" والى تغريم كل منهم 500 يورو مع وقف تنفيذ، وذلك على خلفية دعوتهم الى مقاطعة منتوجات إسرائيلية تنديدا بسياسة الحكومة الإسرائيلية من احتلال واستعمار وحصار لغزة،رفضت اتخاذ قرار نشر حكمها في الصحف الوطنية أو المحلية، "بسبب التغطية الاعلامية التي سبق وحصلت عليها القضية ولتجنب اضطرابات جديدة تمس بالانتظام العام والترابط الاجتماعي". وفيما أن منع نشر حكم الإدانة يؤشر الى تشكك للمحكمة ازاء مشروعية حكمها، فمن شأن القرار التمييزي الصادر في قضية زيمور أن يجعل هذا التشكك محتما. 


 نُشر في العدد الثاني عشر من مجلة المفكرة القانونية


[1] دعوى شركة دارين صاحبة فرانشيز H&Mضد جريدة الأخبار المقامة أمام محكمة المطبوعات في بيروت وقد انتهت القضية الى كف التعقبات ضد الصحيفة في مرحلة التمييز في 8/5/2013 ودعوى شركة تويو توسي ش.م.م ضد سماح ادريس وجمعية مركز حقوق اللاجئين وحملتي مقاطعة اسرائيل ومقاطعة اسرئيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليهاعلى خلفية نشر دعوة بمقاطعة حفلة لفرقة موسيقية كانت عزفت في إسرائيل غداة الاعتداء على سفينة الحرية المتجهة الى غزة. وما تزال الدعوى عالقة أمام المحكمة المدنية (الغرفة التجارية) في بيروت.
[2]نموقع البي دي أس الفرنسي.