وتشكل لحظة المصادقة على قوانين الأراضي السلالية بالمغرب، بحسب عدد من المتتبعين، منعطفا تاريخيا في مجال تكريس المساواة والمواطنة الكاملة للنساء السلاليات اللواتي خضن معركة طويلة بتأطير من الجمعيات النسائية، في مواجهة الأعراف التي كانت تقصيهن من الوصول إلى هذه الأراضي. ويهم هذا التعديل وعاء عقاريا يقدر بـ15  مليون هكتار، تستفيد منها ساكنة تقدر بحوالي 10 ملايين نسمة أي ما يزيد على ربع سكان المغرب.

 

  • أهمية مشاريع قوانين الأراضي السلالية

يتعلق الأمر بثلاثة نصوص جديدة، أحيلت على البرلمان دفعة واحدة، الأول هو قانون 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها. ويعتبر أهم نص لأنه ينسخ ظهير 27 أبريل 1919، وقد حمل تغييرات جوهرية، تتمثل بالأساس في تحيين وتوحيد المفاهيم المتعلقة بالأراضي السلالية، وأعضائها ونوابها، وتقييد امكانية اللجوء الى الأعراف في تدبير شؤونها واستغلال أملاكها، وتكريس مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات طبقا لأحكام الدستور.

كما أن هذا القانون أعاد تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية من خلال إحداث مجالس للوصاية على الصعيد الإقليمي، إلى جانب المجلس المركزي، وحدد اختصاصات هذه المجالس.

وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذا القانون في أنه فتح إمكانية تمليك الأراضي السلالية للفاعلين الاقتصاديين الخواص لإنجاز مشاريع الاستثمار. ولعل هذا السبب الأخير شكّل أحد العوامل التي ساهمت في تسريع مسطرة المصادقة على قوانين الأراضي السلالية.

فضلا عن قانونين آخرين يحملان صبغة تقنية، هما مشروع قانون 63.17 بشأن التحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، ثم مشروع قانون 64.17 بشأن الأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري.

 

  • مناقشة قوانين الأراضي السلالية أمام البرلمان

عند إحالة مشاريع هذه القوانين على البرلمان بغرفتيه، ركزت المناقشات على الأهمية القانونية لهذه التشريعات الجديدة التي تستهدف بالأساس القضاء على الإشكاليات العملية التي كانت تثيرها التشريعات السابقة التي أصبحت متجاوزة، والتي كانت تعتمد بالأساس على العرف، ووضع حد للنزاعات المترتبة عن تدبير الأراضي السلالية والترامي عليها.

كما ركزت من جهة ثانية على الأهمية الاقتصادية لهذه المشاريع، التي من شأنها تحقيق التنمية في العالم القروي، وإدماج ذوي الحقوق (المقصود بهم الأفراد أعضاء الجماعات السلالية)، في مشاريع استثمارية، وخلق فرص شغل جديدة لهم، فضلا عن تلبية الطلب المتزايد على السكن.

وسجل عدد من النواب والمستشارين تحفظاتهم على بعض بنود مشروع قانون 62.17 خاصة في الشق المتعلق بتحديد المفاهيم من قبيل المقصود بالسلالة، و"المساواة من المنظور الشرعي".

كما طالبوا بضرورة تحديد أجل لصدور النصوص التنظيمية التي تحيل عليها عدد من مواد هذا القانون.

 

  • ملاحظات جمعيات المجتمع المدني

رغم قصر المدة التي استغرقتها عملية مناقشة قوانين الأراضي السلالية أمام البرلمان، قدمت بعض الجمعيات النسائية ملاحظاتها بشأنها.

فمن جهة أولى طالبت فدرالية رابطة حقوق النساء بإصدار مدونة شاملة لتنظيم الأراضي السلالية عوض استمرار المقاربة التجزيئية لهذا الموضوع عبر نصوص متفرقة.

وانتقدت المذكرة تقديم مشروع قانون 62.17 لكونها غلبت الأهمية الاقتصادية للأراضي السلالية على الجانب البشري، وأغفلت بشكل تام حراك النساء السلاليات والجمعيات النسائية في الفضاء العام وأمام القضاء لانتزاع حق المرأة في المساواة في الانتفاع من الأراضي السلالية.

كما آخذت على هذه المشاريع تعليق عدد من مقتضياتها على إصدار نصوص تنظيمية دون تحديد أجل لذلك.

من جهة ثانية ورغم تثمينها لمضامين هذه المشاريع، اقترحت الفدرالية التنصيص وبشكل واضح على ضرورة مراعاة مبدأ المساواة بين الجنسين والسعي نحو المناصفة في عدد من المقتضيات المتعلقة باختيار نواب الجماعات السلالية، والتنصيص على "كوتا" معينة لضمان تمثيلية النساء في الأجهزة المشرفة على تدبير الأراضي السلالية.

كما طالبت أيضا بضرورة نشر لائحة الانتفاع بالأراضي السلالية في إطار النشر الاستباقي للمعلومة التي أقرها قانون الحق في الحصول على المعلومة.

أما الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب فقد طالبت في مذكرتها بحذف الإحالة على الأعراف في مواد المشروع، وتدقيق المقتضى الذي ينص على أن الانتفاع بأملاك الجماعات السلالية يكون لجميع أعضائها ذكورا واناثا، من خلال اضافة عبارتي "على قدم المساواة"، وبنفس الحقوق.

من جهة ثانية اقترحت المذكرة إضافة مادة جديدة تنص على التزام سلطة الوصاية على الأراضي السلالية (المقصود بها وزارة الداخلية) بتحقيق المناصفة بين النساء والرجال من أعضائها داخل الهيئات النيابية.

 

  • إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الوصول إلى الأراضي السلالية وإلغاء النصوص المخالفة

استجابة لحراك النساء السلاليات ولمطالب المجتمع المدني تضمن مشروع قانون 62.17 مقتضيات تكرس بشكل واضح مبدأ المساواة بين الجنسين في الوصول إلى الأراضي السلالية، وفي هذا السياق نصت المادة 6 من المشروع وبشكل واضح لا يقبل أي تأويل على أنه: "يتمتع أعضاء الجماعات السلالية، ذكورا واناثا، بالانتفاع بأملاك الجماعة التي ينتمون اليها، وفق التوزيع الذي تقوم به جماعة النواب..".

وأكدت المادة 16 على أن توزيع الانتفاع بأراضي الجماعات السلالية، يتم من طرف جماعة النواب، بين أعضاء الجماعة، ذكورا واناثا.

كما نصت المادة 9 من المشروع، على أنه: "تختار الجماعات السلالية من بين أعضائها المتمتعين بحقوقهم المدنية ذكورا واناثا، نوابا عنها يكونون جماعات النواب من أجل تمثيلها أمام المحاكم والإدارات والأغيار والقيام بالتصرفات القانونية التي تهم الجماعة..".

 

  • المصادقة على قوانين الأراضي السلالية في دورة استثنائية ودخولها الى حيز التنفيذ

بتاريخ 23 تموز 2019، صوتت الغرفة الأولى وبالإجماع على مشاريع هذه القوانين، وأحيلت على الغرفة الثانية، والتي صوتت عليها بالإجماع أيضا بتاريخ 02 أغسطس 2019، حيث نشرت بالجريدة الرسمية بتاريخ 26 أغسطس 2019، ونصت المادة 37 من قانون 62.17 على أنها تدخل حيّز التنفيذ ابتداء من تاريخ النشر بالجريدة الرسمية، باستثناء المقتضيات المعلقة على صدور نصوص تنظيمية، كما نسخت المادة الأخيرة من هذا القانون كل النصوص المخالفة والتي ساهمت ولعقود في التمييز ضد النساء وحرمانهن من الوصول إلى الأراضي السلالية.

 

 

  • مواضيع ذات صلة:

حق المرأة السلالية من نصيبها من الأرض في المغرب

بعد نضال طويل أمام القضاء وفي الفضاء العام، مشروع قانون بتكريس مبدأ المساواة في الانتفاع من الأراضي السلالية في المغرب

انتصار جديد للنساء بالمغرب في معركة الحصول على حق ملكية الأراضي السلالية 

قضية النساء السلاليات بالمغرب تعود الى الواجهة