أعلنت النائبة بولا يعقوبيان أمس تقدمها باقتراح قانون بإلغاء مجالس العمل التحكيمية ونقل النظر في نزاعات العمل إلى القضاء العادي. وقد بررت اقتراحها بمجموعة من الأسباب، أبرزها عدم فعالية مجالس العمل التحكيمية وعجزها عن بتّ نزاعات العمل ضمن الآجال المحددة قانونا.

ومع إبداء التحفظ إزاء الدعوة لإلغاء مجالس العمل التحكيمية (وهي مسألة تستأهل وتستوجب نقاشا واسعا نتمنى أن يسهم الاقتراح في إطلاقه)، يجدر التنويه بهذا الاقتراح، ولفت النظر إلى أبرز مزياه.

  • المزية الأولى، أنه بمعزل عن مدى صحة التوجّه المقترح، فإنه يعيد مسألة حماية حقوق الأجراء إلى بساط البحث، بعد عقود سادها جمود تامّ على صعيد تشريعات العمل. وهو يتميز من خلال لفت النظر إلى ضرورة معالجة اشكالية بطء عمل محاكم العمل، طالما أن من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل قانون العمل برمّته وأن يترك الأجراء تحت رحمة أصحاب العمل. وكانت "المفكرة القانونية" نشرت خلال الشهر الماضي دراسة حول عمل مجالس العمل التحكيمية بيّنت فيها أن مدّة الدعاوى تستغرق في المتوسط 2.9 سنة في بيروت و4.2 سنة في جبل لبنان، وذلك في مخالفة مزمنة لقانون العمل الذي يفرض أن تجري المحاكمة وفق أصول العجلة وأن لا تتجاوز مدة دعاوى الصرف التعسفي ثلاثة أشهر. ويكتسب تقديم هذا الاقتراح في هذا الوقت بالذات، وتحديدا في موازاة الحملة التي بادر إليها وزير العمل كميل أبو سليمان لحماية العمالة الوطنية من خلال مكافحة العمالة الأجنبية غير النظامية، أهمية مضاعفة. فهو يأتي ليذكر وزير العمل، تماما كما فعلت "المفكرة" في عددها وعنوانه "ليس بالوطنية وحدها تحمى العمالة"، أن أول تدابير حماية العمالة اللبنانية هو ضمان حقها بالتمتع بالحقوق المضمونة قانونا، وفي مقدمتها الحقّ باللجوء إلى قاض مستقل وفعال.  
  • المزية الثانية، أنه يأتي من خارج سياق التفكير القانوني، على نحو يُعيد الحيويّة للتخاطب في القضايا العامة والبحث عن حلول واقعية للمشاكل المطروحة، بمنأى عن النظريات الجاهزة.

ولإدراك ما نقصده هنا، يقتضي التذكير بأن مجالس العمل التحكيمية تتألف من غرف مكونة من قاض ومستشارين، يفترض أن يكون أحدهما ممثلا عن الأجراء والآخر ممثلا عن أصحاب العمل. ويتماشى تكوين المجالس على هذا النحو مع أحد المبادئ المركزية لدى منظمة العمل الدولية الذي يقوم على إشراك الفرقاء الثلاثة (العمال، أصحاب العمل والحكومة) في كلّ ما يتصل بقضايا العمل. ومع التسليم بأهمية هذا المبدأ، فإنّ الأصول المعتمدة في اختيار ممثلي العمال (ترشيح ممثلي العمال من الاتحاد العمالي العام وتعيينهم بمرسوم) غالبا ما تنتهي إلى تفريغه من مضمونه، وخاصّة في ظلّ ابتعاد الاتحاد العمالي العام عن القواعد العمالية التي يفترض به تمثيلها وغياب أي آلية لتأهيل الممثلين المختارين لأداء مهامهم. ففي ظل واقع كهذا، يصبح وجود هؤلاء الممثلين في غالب الأحيان عائقا أمام تحقيق العدالة، أكثر مما هو ضمانة لتمثيل وجهات النظر العمالية بشكل فعّال.

وما يزيد الأمر تعقيدا هو إشراك مفوض الحكومة في أعمال المجلس مما يؤدي إلى إرجاء الدعوى لأشهر عديدة بانتظار مطالعته، وتعليق الفرقاء عليها، من دون أن يحدد القانون دورا واضحا لمفوضي الحكومة في هذا المجلس. وهذا ما أشارت إليه الأسباب الموجبة للاقتراح.

وعليه، وبمعزل عن مدى صوابيّة إلغاء مجالس العمل التحكيمية، فإنه من غير المعقول أن تستمرّ نزاعات العمل على ما هي عليه لأسباب عدة: فإلى جانب مسألة البطء وضعف الصفة التمثيلية لمستشاري المجلس وتلكؤ الحكومة عن إنشاء غرف إضافية للمجالس تطبيقا للمرسوم التنظيمي 729/2014، ثمة إشكالان كبيران: الأول يتمثل في تواجد هذه المجالس حصرا في مراكز المحافظات، على نحو يتعارض مع مبدأ قرب المتقاضين من المحاكم، والثاني يتمثل في عدم قابلية أحكام المجالس للاستئناف، مما يحرم الأجراء من حق التقاضي على درجتين.

وفيما يؤدي الاقتراح بنقل صلاحيات هذه المجالس إلى القضاة المنفردين إلى معالجة هذه الإشكالات، حيث يتواجد هؤلاء على صعيد مراكز الأقضية أو حتى بعض المناطق الأخرى داخل الأقضية وتكون أحكامهم قابلة للاستئناف، فإنه يؤدي من جهة ثانية عمليا إلى نسف مبدأ مشاركة ممثلين عن العمال في المجلس، وهو مبدأ قد يؤدي إلى التراجع عن مكسب أساسي وإن كنا ما نزال بعيدين عن ترجمة هذا المكسب بتطوير حقيقي لأداء المجالس. فهل نلغي تمثيلية العمال والنقابات بحجة أنها غير حقيقية، أم نبذل الجهد لجعلها حقيقية؟ وبكلام آخر، هل نلغي مجالس العمل التحكيمية بحجة أنها غير ناجحة أم نبذل الجهد لتفعيلها بعد تشذيبها من الشوائب التي تعيق عملها، وخصوصاً أن قدرة القضاة المنفردين في بت هذه الدعاوى وفق الأصول الموجزة وبما يضمن حقوق الأجراء، في ظل الاختناق القضائي الحاصل في أكثر من محكمة، تبقى أمرا يحتاج إلى إثبات؟

أسئلة غير بسيطة تتطلب تفكيرا هادئا ورصينا تمهيدا لمناقشة مدى صوابية الاقتراح المقدم، ضمن رؤية مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار جميع المصالح الاجتماعية، بما فيها المصلحة في إعادة إحياء الحياة النقابية وتمثيلية العمال في لبنان.

  • المزية الثالثة، أن الاقتراح يدعونا للتفكير مليا ليس فقط في أداء مجالس العمل، بل أيضا في مجمل المجالس التحكيمية المنشأة في مجالات قطاعية أخرى بهدف تمثيل المشاركين في هذه القطاعات، والتي يبقى غالبها معطلا ونتاجها شبه معدوم. ولعل أسوأ تجربة في هذا الإطار هي المجالس التحكيمية التربوية التي يفترض أن تتكوّن من قاضٍ وممثلين عن المدارس ولجان الأهل. فباستثناء المجلس التحكيمي في جبل لبنان، تبقى هذه المجالس معطلة منذ سنوات كثيرة في أكثر من محافظة، رغم الحاجة الملحة لها للفصل في النزاعات المتصلة بالأقساط المدرسية، الأمر الذي يبقي الدعاوى المقدمة إليها عالقة إلى أجل غير معروف.

 

ختاما، وأيا يكن مصير هذا الاقتراح ومدى جدية المجلس النيابي في درسه، يؤمل أن تشكل الغاية منه (ضمان حقوق الأجراء بالتقاضي) رافعة لتعميم النقاش حول أداء مجلس العمل التحكيمي. وإسهاما في ذلك، تدعو "المفكرة" جميع المهتمين إلى المشاركة في مناقشة أسبابه الموجبة والحلول التي خلص إليها.