يعود إحداث "المكلف العام بنزاعات الدولة إلى سنة 1962 فيما يخضع في عمله وتصور علاقاته المؤسساتية مع الدولة وخصوم الدولة للقانون 13 لسنة 1988[1]. وفي حين أحجم هذا القانون عن التوصيف المؤسساتي له، فإنه أسند له تمثيل الدولة، سواء كانت طالبة أو مطلوبة، أمام المحاكم. كما  ترك له مسؤولية تنفيذ ما يصدر من أحكام لفائدتها وإبرام المصالحات في المادة المدنية والإدارية باسمها ولفائدتها وأجاز للمؤسسات العامة الاستفادة من خبرته وخدماته.

لم يثر تنزيل التصور التشريعي للدور الوظيفي للمكلف العام في أبعاده العامة إشكاليات نظرية قبل الثورة، وإن كان التدخل السياسي في ضبط مواقف هذه المؤسسة وتحديد أسلوب عملها ونسقه قد فرض مبكرا طرح السؤال حول ضرورة تدعيم الاستقلالية في الاختصاص باستقلالية هيكلية تضمن حماية أفضل لمصالح الدولة. بعد الثورة، لم يلتفت الفاعل السياسي لطلبات الهياكل المهنية لإطارات وموظفي المكلف العام المطالبة بإعلان مؤسستهم هيئة مستقلة في وقت فرضت فيه تطورات ما بعد الثورة أن تتعهد هذه المؤسسة بعدد من النزاعات المستجدة، ومنها السؤال حول المصالحة في مسار العدالة الانتقالية وما تعلّق منها بملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد المالي.

أثار مسار المصالحة الذي ورد في الفصلين 45 و46 من قانون العدالة الانتقالية السؤال حول إذا كان المكلف العام بنزاعات الدولة مؤهلا قانونا لتمثيل الدولة فيه. وهو سؤال اضطربت المؤسسة في جوابها عليه. كما طرح السؤال حول الموقف من طلبات المصالحة ومعايير هذا الموقف وهو سؤال كشف مجددا أن الاستقلالية الهيكلية شرط أساسي من شروط العمل. لينتهي بطرح سؤال محرج حول قرارات التحكيم في ظل قانون لم يتصور طعونا ممكنة لها وواقع يفرض التصريح بكونها تحتاج إلى مراجعة تحمي حق الدولة في التقاضي العادل.

 

المكلّف العام لنزاعات الدولة أمام هيئة الحقيقة والكرامة: سؤال الصفة

استحدث قانون العدالة الانتقالية في الفصل 45 منه لجنة للتحكيم والمصالحة صلب هيئة الحقيقة والكرامة عهد إليها "النظر والبتّ في ملفات الانتهاكات بناء على قواعد العدالة والإنصاف والمعايير الدولية المعتمدة". كما خصّها بالنظر في مطالب الصلح في ملفات الفساد المالي وفرض أن "تكون الدولة وجوبا طرفا أصليا في تلك الملفات" والتي تتعهد بها بناء على اتفاقية تحكيم ومصالحة بطلب من الضحية، بما في ذلك الدولة المتضررة". وفرض بصريح نصه هنا "موافقة الدّولة في حالات الفساد المالي إذا تعلق الملف بأموال عمومية أو أموال مؤسسات تساهم الدولة في رأسمالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة". عند هذا الحدّ، بدا تمثيل الدولة أمام لجنة التحكيم والمصالحة أمراً لا يستحقّ التوضيح لكونه لا يطرح إشكالا. ولكن وخلافا لهذا الظنّ، يتضح من الرجوع للفصل السابع من القانون المؤطر لعمل المكلف العام بنزاعات الدولة أن هذا الأخير لم يمكنه المشرّع من "أهلية إبرام الصلح مع خصوم الدولة إلا في المادة المدنية والإدارية [2]".

استند المكلّف العامّ بنزاعات الدولة في منتصف سنة 2014 لما ظنّ أنه منطوق القانون المُحدّد لصلاحياته ليوجّه مراسلة لهيئة الحقيقة والكرامة ضمّنها "أنه لا صفة له قانونا في إبرام الصلح أمامها في حق الدولة". وتضمّنت المراسلة أن النزاعات التي تتعهد بها لجنة التحكيم والمصالحة موضوعها جرائم جزائية، وبالتالي فهي ليست حسب قانونه ضمن ما له أهلية المصالحة فيه.

تفاعلت هيئة الحقيقة والكرامة في مرحلة أولى إيجابيا مع الاعتراض القانوني الذي أثاره المكلف العام، فأعدّت تصوّرا لمشروع تنقيح الأمر المنظم لعمل المكلف العامّ فيها تعلق بالصلح عرضته على الحكومة. لم تهتم الحكومة بطلب الإصلاح التشريعي بما كان يظن معه وصول الأمر لمأزق لا مخرج منه. لكن هنا سُجّل حدث غير متوقع وتمثل في كون المكلف العام تناسى اعتراضه المبدئي على صفته في مسار المصالحة وتقدم للهيئة بستمائة وأربعين مطلب مصالحة باسم الدولة كانت جميعها موضوع ملفات قضائية جزائية جارية. كما أنه تولى بتاريخ 05-05-2016 ومن دون مقدمات إمضاء اتفاقية مبدئية للتحكيم والمصالحة مع أحد المنسوب لهم الانتهاكات[3].

والسؤال المطروح في هذا الصدد: "لماذا تتخذ مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة الموقف ونقيضه في ظرف زمني وجيز؟ الإجابة في نظرنا بسيطة ومعقدة في نفس الوقت وهي أن مؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة تخضع لتبعية مطلقة لسلطة الإشراف المتمثلة في شخص وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية، ذلك أن من يرأس المؤسسة ويحدد توجهاتها يأتمر بأمره. هذا الأمر الذي لم يرد فيما تعلق بتقديم ملفات المصالحة إلا في اليوم الأخير من أيام الأجل الذي منحته الهيئة لتقديم ملفات المتضررين.

 

مسار المصالحة: "مُكَلًف "في مواجهة هيئة لها أجنداتها وتحت ضغط وزارة لها حساباتها

لم تواجه المكلف العام إشكاليات فيما تعلق بملفات التحكيم المتعلقة "بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان" إذ بمجرد تعهده بها وجّه ملفاتها للوزارات المعنية والتي هي أساسا وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الوطني . وقد تلقى من كليهما ردا في شأنها تمثل في كونها تتمسك بإنكار مسؤوليتها عما يدعى من انتهاك وبالتشكيك في ثبوت العلاقة السببية بين الانتهاك المدعى نسبته لمنظوري الدولة والضرر المدعى حصوله. فتولى التمسك بوصفه محاميا للدولة برد من يمثلها وانتهى الأمر عند هذا الحد في إطار مهني لا لبس فيه بعيدا عما يمكن أن يوجه له من انتقاد قيمي.

غابت ذات الأريحية في العمل فيما تعلق بملفات المصالحة الخاصة بقضايا الفساد المالي لأسباب مردها من جهة القرار السياسي ومن جهة أخرى أسلوب عمل الهيئة.

 

السياسي يعطل المصالحة

ظهر المكلف العام في علاقته بجلسات التحكيم والمصالحة في فترات من مدة العمل عليها والتي ناهزت الثلاث سنوات منخرطا انخراطا إيجابيا في المسار يواكب الجلسات ويحرر الطلبات وينفذ الأحكام التحضيرية فيما بدا في فترات أخرى وهي التي امتدت طيلة النصف الثاني من مدة العمل طرفا يبحث عن تعطيل النظر من خلال طلبات التأخير غير المبررة والتغيب عن الجلسات. وهنا كانت المؤسسة مرة أخرى أسيرة لمزاج المسؤول الحكومي الذي تخضع لإشرافه. هذا المزاج الذي فرض ألا يمضي المكلف العام إلا على ثلاث اتفاقات مبدئية للمصالحة مع رجال أعمال متهمين في قضايا فساد مالي لا يعلم سبب تمييزهم ولا سبب حجب ما منح لهم من امتياز عن غيرهم وعددهم بالمئات.

 

الهيئة تقمع المكلف العام

حاولت هيئة الحقيقة والكرامة فرض منهجية عمل على المكلف العام تمثلت في دفعه لمصالحات تشمل كل القضايا التي نسبت لطالب الانتهاك دون تحرٍّ جدّيّ لتفصيل ما نسب من انتهاك ودون الاستناد لمعطى موضوعي يبيّن ما لحق الدولة فعليا من ضرر. عارض المكلف العام هذا التوجه وتمسك فيما تعلق بنظر ملفات المصالحة التي تقدم بها أي تلك التي كان فيها الجهة التي طلبت التحكيم والمصالحة، بضرورة أن يكون موضوع الصلح محدّدا والضرر الذي لحق بالدولة قد تمّ تقديره بشكل دقيق. تجاهلت الهيئة موقف المكلف العام واعتبرت شخص مرتكب الانتهاك الوحدة التي يتم اعتمادها في ضبط ملف المصالحة لا الانتهاك ذاته. وعليه، يكون موضوع المصالحة حسب تصورها شاملا لكل ما ينسب من انتهاك لشخص واحد. وكان أن فرضت الهيئة هذا التمشي على المكلف العام رغما عنه ورغم رفضه له بعدما قررت أن تعتبر مجرد تقديم المكلف العام بملف مصالحة أو أكثر يتعلق بانتهاكات منسوبة لشخص معين موافقة ضمنية منه على عقد اتفاقية مصالحة مبدئية تتعلق بذاك الشخص في كل ما قد ينسب له من تجاوزات.

 

 فرض هذا التمشي على  المكلف العام أن يكون طرفا في تسع اتفاقات مبدئية للمصالحة لم يقبل فعليا منها إلا ثلاثا منها ولم تتضمن ملفاتها تقديرا حقيقيا للضرر اللاحق بالدولة.

لم يقف التعسف في حق المكلف العام عند هذا الحد إذ أن الهيئة منعته من الاطلاع على الملفات التي يفترض أنه طرف فيها ومنها مطالب المصالحة المقدمة من المنسوب لهم الانتهاك. وكان من أثر هذا أن اختار ممثلوه مقاطعة جلسات الهيئة في خطوة احتجاجية بدت غريبة من ممثل السلطة لكن لم يكن لها من بديل. وكان لأسبابها أثر فيما تعلق بما ينتظر منه من موقف فيما تعلق بما أعلن عنه من قرارات تحكيم صدرت عن الهيئة.

 

القرارات التحكيمية العبء الثقيل

تقدم المكلف العام بنزاعات الدولة بستمائة وأربعين ملف مصالحة وكان بقوة القانون معنيا بأربعة آلاف وتسعمائة وتسعة تسعين ملف فساد مالي تعهدت بها الهيئة ولكنه لم يبلغ له العلم إلا بصدور ثمانية قرارات تحكيمية. بعيدا عن التقييم الكمي لأداء الهيئة والذي تتحمّل فيه الدولة وممثلها جانبا من المسؤولية، فإنّ النظر في قرارات التحكيم المعلن عنها وخصوصا منها تلك التي تعلقت بأصحاب أعمال نسب لهم نهب مال عام أو إثراء على حساب الدولة باستغلال صلات قربى بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ينذر بفشل من زاويتين:

الزاوية الأولى: أن القرارات الملزمة لا تحقق شروط جبر الضرر: ففي الوقت الذي كانت فيه لجنة التحكيم والمصالحة تنظر في طلبات التحكيم، كان قضاة التحقيق في القطب القضائي والمالي قد توصلوا باعتماد الخبرة الفنية والتعاون القضائي الدولي لحصر المبالغ المالية التي استفاد بها المنسوب لهم الفساد المالي بطرق غير شرعية. كان يظن هنا أن تعتمد اللجنة في تقدير مقابل المصالحة كحد أدنى ما تم نهبه من مال. لم ينتهِ الأمر على هذا النحو، وكانت فعليا المبالغ المحكوم بها دون الأضرار الحاصلة بما يضرّ بمصالح الدولة.

الزاوية الثانية: أن بعض القرارات قد تجعل الدولة مدينة وإن ظنّت نفسها الدائنة: لم تكتفِ الهيئة بتمييز من صالحتهم بتخفيضات في التعويضات تمكّنهم من الاحتفاظ بجانب من المال الفاسد، بل توجّهت لمنحهم ميزة ثانية تمثلت في تنصيصها صلب قرارات التحكيم عن كون ما صودر عنهم من أموال يطرح من قيمة ما يطالبون بأدائه. يؤدي إدماج الأموال المصادرة في مقررات المصالحة لأن تكون الدولة التي باعت جانبا كبيرا من تلك الأموال مطالبة اليوم باحتساب قيمة تلك الأموال ومقاربتها بما تم الحكم بأدائه على خصمها لتكون متى كان ما صادرت - وهذا وارد نظريا وفعليا –مطالبة بغرم ضرر لمن كان قد تولى نهبها. ويبدو هذا المآل غريبا خصوصا وأنه سيؤدي لتفقير الدولة وإثراء من نهبوا المال العام حال أنه كان يظن أن التحكيم والمصالحة سيكون من أثره توفير موارد للدولة.

يدفعنا هذا للقول بأن آلية التحكيم والمصالحة  [4]قد حققت مكاسب ومغانم لمن نهبوا المال العام ووضعت الدولة في مأزق وهو مأزق يبدو المخرج منه صعبا خصوصا في ظلّ ما نصّ عليه قانون العدالة الانتقالية من عدم جواز الطعن في قرارات المصالحة. ويبدو لنا منع الطعن هذا ماسّاّ بقواعد المحاكمة العادلة علاوة على أنه غير دستوري لعدم مراعاة الحق في التقاضي على درجتين. ودفاعا عن مصالح الدولة التونسية وانطلاقا مما تبين من عدم موضوعية مقررات المصالحة والتحكيم، فقد توجه المكلف العام بنزاعات الدولة الى إثارة طعون قضائية في تلك المقررات وعلل اختياره هذا بكون الحق في الطعن من شروط المحاكمة العادلة التي نص عليها الدستور التونسي وأن ما ورد من حجب له في القانون لا يمكن القبول به.

 

  

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا

                                                                     

 

 

 


[1]   المؤرخ في 7/3/1988 والمتعلق بتمثيل الدولة والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية والمؤسسات الخاضعة لإشراف الدولة لدى سائر المحاكم

[2] يراجع  الأمر عدد 2046   لسنة 1997 المتعلق بضبط شروط إبرام الصلح في المادة المدنية والتجارية وتم تنقيحه بموجب الأمر عدد 135 لسنة 2018 المؤرخ في 02/02/2018 و الذي حدد صلبه المشرع شروط وطرق إبرام الصلح في حق الدولة.

[3]   نشرت بموقعها جمعية انا يقظ نص الاتفاقية  .

[4]  نص الفصل 45 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية على انه   تحدث صلب هيئة الحقيقة والكرامة " لجنة للتحكيم والمصالحة.و اسند لها  من ضمن صلاحياتها " أن تنظر في مطالب الصلح في ملفات الفساد المالي ....وبين    الفصل 46 ـ من ذات القانون أنها تتعهد بناء على اتفاقية تحكيم ومصالحة :
ـ بطلب من الضحية، بما في ذلك الدولة المتضررة،
ـ بطلب من المنسوب إليه الانتهاك شرط موافقة الضحية،
ـ بموافقة الدولة في حالات الفساد المالي إذا تعلق الملف بأموال عمومية أو أموال مؤسسات تساهم الدولة في رأسمالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة،  وورد بذات الفصل  " يقع التنصيص بالمطالب وجوبا على القبول بالقرار التحكيمي واعتباره قرارا نهائيا غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة..فيما اقتضى الفصل 50 من ذات القانون  ـ يتم إكساء القرار التحكيمي بالصبغة التنفيذية بعد إمضائه من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس في أجل أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه لديه.ويعتبر القرار التحكيمي نهائيا غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة.